الأحداث المتلاحقة التي يشهدها العراق هي وليدة الفرص المهدورة. بحلول كانون الأول/ديسمبر 2013، كان عدد كبير من القادة السنّة قد ضاقوا ذرعاً بممارسات التنظيم الجهادي المعروف بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، في مناطقهم وفي الطرف الآخر من الحدود في سورية، وأبدوا دعمهم علناً للحملة العسكرية التي شنّتها الحكومة المركزية في العراق ضد قواعد التنظيم. في ذلك الوقت، أتاح الزخم الذي انطلق ضد داعش فرصة متجدّدة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من أجل العمل مع هؤلاء القادة القبليين والدينيين السنّة لمكافحة الإرهاب.

لكن بدلاً من ذلك، ألقى المالكي خطاباً وصف فيه حملته العسكرية المقرّرة آنذاك في الأنبار بأنها حرب قديمة بين "أتباع الحسين وأتباع يزيد"، في إشارة إلى معركة شيعية أساسية وقعت في القرن السابع. منيت الحملة في الأنبار بإخفاق ذريع يمكن القول الآن بأنه مرتبط مباشرة بالأزمة الحالية. لقد فشلت القوات العراقية في طرد الجهاديين، وأسوأ من ذلك، اتّخذ المالكي خطوات عدّة صبّت في مصلحة المتطرّفين. فقد عمد في خطوة متهوّرة إلى فضّ معسكر احتجاجي شعبي احتشد فيه آلاف العراقيين السنّة طيلة أشهر للمطالبة بالتغيير السلمي، واعتقل النائب السني النافذ أحمد العلواني وقتل شقيقه. لم تهدر بغداد وحسب فرصة فريدة لتجاوز الانقسامات المذهبية بل جعلت الوضع في المناطق السنّية أكثر مؤاتاة لنمو الجهاديين.

اليوم، ربما يتكرّر الخطأ نفسه من خلال لجوء وسائل الإعلام والسياسيين في المجتمع الدولي إلى التبسيطية في وصفهم للتمرّد في العراق. فقد ركّزت العناوين الرئيسة والتصاريح السياسية على تنظيم الدولة الإسلامية معتبرةً أنه القوة الوحيدة التي تقف خلف السيطرة على العديد من المدن السنّية شمال بغداد. وعلى الرغم من أن التغطية الأخيرة بدأت تأخذ في الاعتبار وجود قوى أخرى، إلا أن الديناميات في المناطق السنية لاتزال أشدّ تعقيداً بكثير.

فتنظيم داعش، وبغض النظر عن حجم الدور الذي يقوم به، ليس سوى مجرد فصيل واحد في التمرد. لقد شاركت ست مجموعات على الأقل في الهجوم.

فإلى جانب التنظيمَين الجهاديين، داعش وأنصار الإسلام، يضم المتمردون في صفوفهم ائتلافاً من نحو 80 قبيلة سنّية عربية يُعرَف بالمجلس العسكري لثوار عشائر العراق، وله حضور قوي في المناطق السنية لاسيما في الفلوجة والرمادي وفي مناطق متعدّدة من نينوى وصلاح الدين. نقلاً عن موقع "العربي الجديد"، يضم الائتلاف، بحسب التقديرات، نحو 41 مجموعة مسلّحة مؤلفة من جنود وضباط سُرِّحوا من جيش صدام حسين.

ثم هناك جيش رجال الطريقة النقشبندية الذي يتردّد أنه بقيادة نائب الرئيس العراقي السابق عزت الدوري. يتألف التنظيم الذي أنشئ في العام 2007، من آلاف الأعضاء السابقين في حزب البعث، وكذلك من مقاتلين صوفيين ومؤيّدين للإخوان المسلمين. وهو خصم قوي لتنظيم داعش، أقلّه على مستوى الأعداد، كما أنه متجذّر بقوة على صعيد المجتمع. في العام 2009، نبّه مسؤولون أميركيون إلى أن جيش رجال الطريقة النقشبندية قد يكون أشدّ خطراً من تنظيم القاعدة بسبب نجاح أعضائه في مدّ جذور عميقة في المجتمع السنّي العراقي.

يقلّل النقشبنديون الذين يتحرّكون في شكل أساسي في الموصل، من شأن تركيزهم على الطائفة السنية، ويزعمون أن في صفوفهم عناصر أكراداً وشيعة. يقول المراقبون المواكبون لنشاط التنظيم إنه يعمل أيضاً تحت مسمّيات مختلفة، أبرزها المجالس العسكرية والقبلية  المؤقتة. لكن يبدو أن الموالين لحزب البعث العراقي المنحل يسيطرون على الجيش كما يفعلون في عدد كبير من الجماعات السنية التي ظهرت في أعقاب الحركة الاحتجاجية التي اندلعت بين العامَين 2011 و2013، مثل المجلس العسكري العام لثوار العراق. وقد أكّد أبو ماريا القحطاني، أحد كبار الجهاديين العراقيين الذي يعمل الآن مع جبهة النصرة في سورية، هذه النزعة لدى أنصار البعث العراقي بالتحرّك عبر جبهات مختلفة، وذلك من خلال تغريدة له عبر موقع تويتر جاء فيها: "ينشط البعثيون على كل المستويات وبوجوه وأشكال متعددة". قال متحدّث باسم المجلس العسكري العام لثوار العراق لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) يوم الأحد الماضي، إن مجموعته أقوى من تنظيم الدولة الإسلامية، وإنهم يتلزمون بمبادئ اتفاقية جنيف خلافاً لتنظيم داعش الذي وصفه بـ"البربري".

فضلاً عن داعش، أدّت المجموعات الأخرى دوراً مهماً في القتال، كما ذكرت مصادر محلية. فهي لم تشارك في القتال وحسب، بل أصبحت أيضاً القوة المسيطرة في العديد من المناطق، ومنها الموصل وكركوك. ورد في تقرير بثّته قناة العربية الفضائية السعودية أن الجيش الإسلامي، الذي يُعتقَد أنه المجموعة المسلّحة الأكبر بعد داعش والمجالس العسكرية، منع تنظيم الدولة الإسلامية من دخول الضلوعية على بعد نحو 55 كلم شمال بغداد بعد سيطرته عليها، وذلك بسبب الخلافات العقائدية. كما سيطرت القوات العشائرية، بحسب التقرير نفسه، على مناطق مثل العلم وحجاج والبو عجيل؛ وفي الموصل، سيطرت القوات العشائرية والنقشبنديون على مناطق مثل الوحدة وسكر وبلديات.

المقلق في الأمر هو أن هذه القوات تتدخّل إلى جانب تنظيم داعش، وليس مصدر القلق أنهم يقاتلون مع الجهاديين بل إن عدداً كبيراً من أولئك المقاتلين وقف من قبل جنباً إلى جنب مع الحكومة المركزية في وجه المتطرّفين. هذه الحقيقة لوحدها كافية كي يتمكّن المجتمع الدولي من تحديد الأسباب الحقيقية خلف الأزمة الراهنة. لقد أظهر القادة الدينيون والقبليون السنّة مرات عدّة أنهم مستعدّون لدعم الحكومة المركزية ضد التطرف: خلال زيادة عديد الجنود الأميركيين في العراق عام 2007، وقبل حملة الأنبار في كانون الأول/ديسمبر 2013، وبضع مرات بين المحطّتَين.

ليست لهذه القوات قواسم مشتركة كثيرة مع تنظيم داعش. بل إن التشنّجات تشتدّ بين الفريقَين، في الإعلام والميدان على السواء. بعيد الاستيلاء على الموصل الأسبوع الماضي، وجّه تنظيم الدولة الإسلامية تحذيراً إلى النقشبنديين لإزالة صور صدام حسين من شوارع الموصل في غضون 24 ساعة، ثم فرض ألا تُصدر أي مجموعة أخرى سواه بيانات عن التطوّرات على الأرض. تعكس هذه التوتّرات خلافات عميقة، إذ تعتبر الدولة الإسلامية في العراق والشام أن البعثيين كفّار في حين ينبذ البعثيون تشدّد داعش الديني.

المؤشر الآخر هو أن السنّة في العراق يخشون رداً عسكرياً من الحكومة أكثر من خشيتهم من الميليشيات في أحيائهم. يعود السكّان إلى مناطقهم، ويعربون، بحسب مصادر في الموصل، عن شعور بالارتياح لرحيل القوات الحكومية. تروي إحدى السيدات أن شقيقها الأصغر قال لها إنه لم يسبق له أن رأى المدينة من هذا المنظار: "نشأ في ظل العقوبات، والاحتلال و[القمع] الأمني من جانب الحكومة. يرفض المغادرة الآن لأن المدينة تبدو حقيقية لأول مرة بالنسبة إليه".
الإقرار بهذه الديناميات، بدلاً من التركيز على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ضروري لتسوية الأزمة. الرهانات الآن في العراق أعلى من أي وقت مضى، ولم يسبق أن بلغ الوضع هذا المستوى من الخطورة. عندما واجه العراق حربا أهلية وصعود عناصر تنظيم القاعدة بين 2005 و2007، كانت القوات الأمريكية لا تزال في البلاد والزعماء الدينيين من كلا الجانبين يدعون الى الهدوء. اليوم، تواجه البلاد تحدّيات مماثلة لتلك التي واجهتها سابقاً إنما في غياب القوى التي ساعدت من قبل على إنقاذ العراق: فالقادة الدينيون السنّة إما يدعمون التمرّد وإما فقدوا الصدقية إلى درجة أنهم لم يعودوا قادرين على ممارسة أي تأثير. أصدر آية الله العظمى علي السيستاني الذي أدّى دوراً محورياً في تهدئة التشنّجات المذهبية خلال الحرب الأهلية بين العامَين 2005 و2007، فتوى دعا فيها العراقيين إلى حمل السلاح والانضمام إلى القوات الحكومية لقتال تنظيم الدولة الإسلامية. على الرغم من أن السيستاني أراد مخاطبة جميع العراقيين بغض النظر عن مذهبهم، إلا أن فتواه اعتُبِرت دعوةً لحمل السلاح ضد السنّة نظراً إلى الاستقطاب الشديد.

الطريق نحو الأمام يمرّ بعملية سياسة شاملة وذات صدقية. لايزال العراقيون السنّة الراغبون في المشاركة في العملية السياسية أكثرية. لكن بالنسبة إليهم، أظهر المالكي مراراً وتكراراً أنه لايمكن أن يكون محط ثقة. في العام 2010، ارتكبت واشنطن خطأ بقبولها خطة إيرانية لمساعدة المالكي على البقاء في الحكم لولاية ثانية على الرغم من فوز القائمة العراقية بأكثرية الأصوات. وفي خضم الأزمة الراهنة، ثمة مؤشرات بأن واشنطن سترتكب خطأ آخر عبر السعي للحصول على مساعدة إيران في محاربة تنظيم داعش. فمن شأن ذلك أن يزيد الطين بلة ويؤدّي إلى تعميق شعور السنّة بالنفور والخيانة.

حسن حسن باحث مشارك في معهد دلما للبحوث في أبو ظبي. يمكنكم متابعته على موقع تويتر @hhassan140.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية