تسعى الحكومة اللبنانية لأول مرة، على ضوء مزيج من الاعتبارات الأمنية والاقتصادية، ولاسيما السياسية، إلى الحد من أعداد اللاجئين السوريين والفلسطينيين-السوريين على أراضيها، والعمل على خفضها في نهاية المطاف. وقد انتقدت مجموعات حقوق الإنسان القيود الجديدة التي فرضتها الحكومة على اللاجئين السوريين، معتبرةً أن رفض منح ملاذ لمن هم بحاجة إليه يشكّل انتهاكاً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي. بيد أن صانعي القرار السياسي في لبنان يخشون ماهو أبعد من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية لأزمة اللاجئين السوريين.

تختلف التفاصيل الدقيقة للأحكام الجديدة التي أقرّتها الحكومة اللبنانية في حزيران/يونيو الماضي، بين السوريين والفلسطينيين-السوريين (أي اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سورية). فمن الآن فصاعداً سوف يُقبَل النازحون فقط من "المناطق المحاذية للحدود اللبنانية التي تشهد معارك"، بحسب ماجاء على لسان وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس، مع استثناءات "إنسانية وضرورية". فضلاً عن ذلك، يُجرَّد جميع اللاجئين الذين يتوجّهون إلى سورية، لأي سبب كان وبغض النظر عن مدّة إقامتهم هناك، من صفة اللجوء لدى عودتهم إلى لبنان. إلى جانب هذه القيود، يواجه الفلسطينيون-السوريون أيضاً مزيداً من الأعباء النقدية والمقتضيات الإدارية المرهقة التي توازي عملياً حظراً شبه كامل على القدوم إلى لبنان.

يفوق عدد اللاجئين السوريين والفلسطينيين-السوريين المليون نسمة، ويُتوقَّع أن يشكّلوا ثلث عدد سكّان لبنان بحلول نهاية العام الجاري. حالياً يتوزّع اللاجئون في مختلف أنحاء البلاد، ويعيشون في أي مكان يتوافر لهم، بما في ذلك في أكثر من 1200 خيمة أقاموها بأنفسهم. من الاقتراحات التي عُرِضت منذ بدء الأزمة إنشاء مخيمات رسمية لإيواء اللاجئين على طول الحدود اللبنانية-السورية. هذا الحل مستبعد حالياً لاعتبارات متعدّدة، لكن قد يتم تبنّيه لاحقاً بصورة مختلفة. وقد أحدث إحياء الاقتراح من جديد انقساماً في صفوف المسؤولين اللبنانيين، إذ اعتبره وزير الصحة الحل الوحيد، في حين تعهّد وزير الخارجية بـ"معارضته مهما اشتدّت الضغوط". وقد عارضته المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، من منطلق أن الدولة عاجزة عن تأمين البنى التحتية اللازمة والأمن الضروري لنجاح الاقتراح. 

يبدو هنالك مزاجاً جديداً لدى صانعي القرار اللبنانيين في التعاطي مع مسألة اللاجئين. فعلى الرغم من أن العناصر الكامنة خلف هذا الانقسام تتراكم منذ بداية الأزمة السورية، إلا أن حدثاً واحداً يقف إلى حد كبير خلف ترجمة هذا المزاج تحرّكاً على مستوى السلطة التنفيذية. ففي 28 أيار/مايو الماضي، تدفّق عشرات آلاف السوريين الذين رفعوا أعلام حزب الله وصور الرئيس السوري بشار الأسد، إلى السفارة السورية شرق بيروت للتصويت في الانتخابات الرئاسية السورية التي اعتُبِرت على نطاق واسع بأنها غير شرعية. وقد تسبّب الإقبال الكثيف غير المتوقّع بتعطيل حركة السير في العاصمة بيروت لساعات طويلة، ووقعت صدامات طفيفة مع عناصر الأمن اللبنانيين المسؤولين عن حراسة السفارة السورية.

لم تكد تمضي بضع ساعات حتى أصدر تحالف 14 آذار/مارس المناهض للأسد في لبنان، والذي يشغل ثلث المقاعد في الحكومة اللبنانية، بيانات إدانة شديدة اللهجة معتبراً أن مشهد الاقتراع في السفارة السورية هو "استفزاز" من تدبير الاستخبارات السورية وحزب الله. وطالب فريق 14 آذار/مارس بطرد جميع السوريين المؤيّدين للأسد من لبنان. وبعد أقل من أسبوع، في الثاني من حزيران/يونيو الماضي، أصدرت الحكومة قرارها بفرض قيود جديدة على دخول السوريين، وفي حين علّلت المصادر الرسمية الأمر بـ"الهواجس الأمنية"، اعتبر مصدر دبلوماسي غربي أن واقعة الانتخابات في السفارة السورية هي على الأرجح الحافز وراء القرار1. وكذلك أعلنت المفوضية العليا للاجئين أن الحكومة تصرّفت أملاً في "ضمان عدم تسبُّب تصرّفات اللاجئين (بما في ذلك ممارسة حقهم في التصويت داخل سورية) بردود فعل مناوئة في لبنان أو بتأجيج العداء بينهم وبين المجتمعات المحلية التي يقيمون فيها"2.

الحقيقة هي أن واقعة السفارة لم تكن على قدر كبير من الأهمية بحد ذاتها، بل الأهم هو ماتمثّله على أرض الواقع. فقبل ذلك، اعتُبِر وجود اللاجئين مفيداً لفريق 14 آذار/مارس على الصعيد السياسي. فقد كان أكثر من مليون رجل وامرأة وطفل معدم بمثابة تذكير يومي بالمأساة التي خلّفتها حرب همجية كان بإمكان فريق 14 آذار/مارس أن يلقي باللوم فيها على الأسد وحزب الله، خصمهم الأساسي في الداخل. لكن جمهور هذا الفريق وسياسييه كانوا على موعد مع مفاجأة غير سارّة عندما رأوا أنه يمكن تعبئة عشرات آلاف اللاجئين ضدّهم - سواء من تلقاء أنفسهم أو بإجبار من جماعات سياسية ما.

وكذلك، تغيرت نظرة 14 آذار/مارس الى تظرة متقاربة من نظرة 8 آذار/مارس الموالي للأسد الذي لم يكن مرتاحاً يوماً لوجود اللاجئين السوريين. وعلى وجه الخصوص، وطلما اتهم المسيحيون في فريق 8 آذار/مارس (التيار الوطني الحر) بإعتماد خطاباً يحرّك مشاعر البارانويا ومعاداة الآخرين انطلاقاً من الحديث عن "مؤامرات" لتوطين اللاجئين بصورة دائمة وبالتالي تغيير الديمغرافية الطائفية اللبنانية. وهكذا نتج عن ذلك نوعٌ من الالتقاء في الآراء والمصالح بين الفريقَين، وقد ذهب البعض إلى حد المطالبة في العام 2013 بترحيل جميع اللاجئين.

هذا التلاقي حول رفض وجود اللاجئين السوريين يحفّزه في شكل أساسي العبء المشترك للانهيار الاقتصادي الذي يمكن أن تتسبّب به زيادة أعداد السكان بنسبة تفوق الـ25 في المئة في غضون ثلاث سنوات. وقد لفت وزير الشؤون الاجتماعية درباس مؤخراً إلى أن الكلفة المباشرة التي يتحمّلها لبنان جراء أزمة اللاجئين تبلغ 7.5 مليارات دولار أميركي، أو 17 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. وقد تضاعفت البطالة في بعض المناطق، بسبب تأثير المنافسة من العمال السوريين على اليد العاملة اللبنانية. هذا فضلاً عن الإنهاك الذي تتعرّض له الموارد الكهربائية والمائية التي لاتكفي أصلاً لتلبية الطلب اللبناني. 

يتمثّل التأثير العام للحرب السورية و"امتداداتها" الدموية التي تطال لبنان من حين لآخر، في تراجع النمو في إجمالي الناتج المحلي من سبعة في المئة في العام 2010 إلى واحد في المئة في العام 2014، بحسب آخر التقديرات الصادرة عن صندوق النقد الدولي. والمعاناة الأكبر في هذا الإطار يتكبّدها القطاع السياحي الذي يؤمّن في الأزمنة الجيدة ربع الدخل الوطني. بالطبع لايتحمّل اللاجئون أي ذنب في هذا كله، لكن، وكما هو متوقّع، يثير وجودهم الاستياء، كما أنه أحيا من جديد مشاعر معاداة الآخر التي سادت خلال 29 عاماً من الاحتلال السوري. باختصار، ضاق اللبنانيون على اختلاف انتماءاتهم السياسية، ذرعاً بما يحدث.

أما في مايتعلق باللاجئين، فإن سياسة الحكومة الجديدة تزيد من حجم المعاناة والمشقّات التي يتكبّدونها. ليس واضحاً ماهو عدد السوريين الذين مُنِعوا من دخول لبنان منذ صدور القرار في الثاني من حزيران/يونيو الماضي، لكن تقريراً جديداً وضعته منظمة العفو الدولية يوثّق بعض الحالات "المثيرة للصدمة"، كما يُسمّيها، التي تعرّض لها فلسطينيون سوريون، ومنها حالة امرأة حامل هربت من مخيم اليرموك في دمشق لكنها مُنِعت عند الحدود من اللجوء إلى لبنان، وكذلك فصل الأولاد في لبنان عن ذويهم الذين يتوجّهون لفترة قصيرة إلى سورية من أجل تجديد وثائقهم الثبوتية. يشكّل الفلسطينيين السوريين أقل من خمسة في المئة من اللاجئين القادمين من سورية. ومع توسّع القيود لتشمل اللاجئين السوريين في شكل عام، غالب الظن أنه ستكون للسياسة الجديدة تداعيات إنسانية واسعة النطاق. يسلّط كل ماتقدّم الضوء على الحاجة إلى مقاربة شاملة أكثر تصميماً إلى حد كبير، من أجل معالجة أزمة اللاجئين السوريين.

ألكس رويل صحافي مقيم في بيروت يعمل مراسلاً في موقع NOW Lebanon، كما في عدد من وسائل الإعلام الأخرى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. مقابلة مع الكاتب.
2. مراسلات مع الكاتب.