يشارك ألفا مواطن أردني، بحسب التقديرات، في القتال إلى جانب المجموعات المتشدّدة في سورية. وقد أحالت الحكومة الأردنية، في محاولة منها لدرء تداعيات الحرب السورية - لاسيما حركة المقاتلين الذين يتنقّلون من دون حسيب أو رقيب بين الأردن وسورية - مشروع قانون إلى مجلس الأمة لتعديل قانون منع الإرهاب الصادر في العام 2006. بيد أن مشروع القانون يُبقي على نزعة خطيرة تستغلّ صعود التهديد الجهادي في المنطقة من أجل شرعنة التضييق على حرية التعبير في الداخل.

تنذر التعديلات الجديدة التي أقرّها مجلس الأعيان ومجلس النواب وتنتظر مصادقة الملك عليها، بفرض مزيد من القيود على المعارضة، عبر استخدام التهديد القادم من سورية ذريعةً من أجل وضع تعريف مبهم للإرهاب في الداخل. قد تنجح هذه الاستراتيجية في تحقيق الاستقرار في المدى القصير، لكنها تقوّض في المدى الطويل آفاق الحوار المجتمعي البنّاء الذي يمكن أن يقود إلى حل مستدام لمشكلة التهديد الإرهابي في الأردن.

إبان الاحتجاجات العربية في العام 2011، عمدت الحكومة الأردنية في البداية إلى التخفيف من بعض القيود على المساحة العامة. وبات من الشائع تنظيم احتجاجات وتوجيه انتقادات لقادة البلاد في العلن، بعد غياب شبه تام لمثل هذه التحركات في الأعوام السابقة. وتراجعت الانتهاكات الكبرى على غرار توقيف الصحافيين. بيد أن الاضطرابات في الدول المجاورة دفعت بالحكومة الأردنية إلى التراجع عن هذه الإجراءات عبر وضع قوانين جديدة وأكثر تشدّداً لمكافحة الإرهاب، وحظر الكتب، وحجب وسائل الإعلام التي لاتلتزم بالقوانين المقيِّدة، وممارسة ضغوط على المجموعات المعارضة.

لم يشهد الأردن حتى الآن عنفاً واسعاً على خلفية الأحداث في سورية، لكن المشاكل عبر الحدود تثير مخاوف متزايدة. لقد أحبط المسؤولون الأردنيون محاولات لتهريب الذخائر والآليات المدرّعة من سورية، وتردّ الحكومة باستغلال الزيادة في الحركة عبر الحدود لتحقيق مآرب سياسية. كما وُضِع تعريف مطّاط للـ"إرهاب" يمنح الأجهزة والمحاكم الأمنية مساحة أكبر لمقاضاة المواطنين لمجرد تبنّيهم مواقف معارِضة، وذلك في خطوة تصبّ في إطار سعي الحكومة إلى تثبيت سلطتها، كما أنها تعكس ارتياحاً متزايداً لدى النظام الملَكي في التمسّك بوضع قائم غير مقبول.

على الرغم من أن الجزء الأكبر من الأحكام الواردة في مشروع القانون للعام 2014 موجود في قانون العقوبات الأردني، ولاسيما البنود 147-149 التي تتطرّق إلى الإرهاب، إلا أن التعديلات الجديدة أكثر تشدّداً في العقوبات التي تفرضها. فبموجب مشروع القانون المقترَح، يُعتبَر أي إجراء من شأنه "تعكير صلات المملكة بدولة أجنبية" عملاً إرهابياً. في حين أن المادة 118 من قانون العقوبات الأردني تفرض معاقبة من يعكّر صلات المملكة بدولة أجنبية، يزيد مشروع القانون الجديد مدّة العقوبة من الاعتقال لفترة لا تقل عن خمس سنوات إلى الأعمال الشاقة مدة خمس سنوات. من شأن ذلك أن يمنح الحكومة تفويضاً أكبر للتضييق على حرية التعبير وإرغام وسائل الإعلام والناشطين على ممارسة رقابة ذاتية أكبر. وفي هذا الإطار، اعتُقِل ثلاثة ناشطين أردنيين في أيلول/سبتمبر 2013 بعد تعليقهم ملصقات تعبّر عن شعار رابعة الذي يرمز إلى الحركة الواسعة المناهضة للانقلاب في مصر، كما اعتُقِل ناشط رابع في نيسان/أبريل 2014. مع انه أُطلِق سراح البعض، يخشى النقّاد حدوث مزيد من الاعتقالات. وقد أظهر استطلاع أُجري في العام 2013 أن أكثر من 90 في المئة من الصحافيين يمارسون الرقابة الذاتية، مايعني أن هذه النسبة ازدادت بعدما كانت قد سجّلت تراجعاً كبيراً في العامَين الأوّلين منذ ربيع 2011.

تنصّ التعديلات الجديدة على أن "الامتناع عن عمل" يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي، أو يقود إلى "الفتنة" أو تعريض "سلامة المجتمع وأمنه" للخطر، أو "الإخلال بالنظام العام"، يُصنَّف في خانة الإرهاب. لكن التعديلات الجديدة، شأنها في ذلك شأن قانون العقوبات الحالي، لاتضع تعريفاً للفتنة وسلامة المجتمع وأمنه وسواها من المصطلحات، تاركةً تعريفها وتحديد القصد في عهدة المحاكم الأمنية، مايُهدّد بوضع كل الأعمال التي تثير حفيظة السلطات في سلّة واحدة. وفي شكل أساسي، يمكن أن تؤدّي هذه اللغة الملتبسة إلى اعتماد إجراءات قانونية أكثر تشدّداً إلى حد كبير، بالمقارنة مع السابق، في جنحٍ تُعتبَر صغيرة.

في سياق الحراك الحيوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الأردن، يستهدف مشروع القانون الأنشطة عبر الإنترنت، مؤسِّساً بذلك  إطاراً قانونياً جديد لقمعها. يعكس هذا الأمر طبيعة النزاع السوري الذي قد يكون الحرب الأولى التي أدّت فيها وسائل التواصل الاجتماعي دوراً أساسياً في الأحداث، من تجنيد المقاتلين في الجماعات المسلّحة المختلفة إلى القتال في ساحات المعارك. في الأشهر الأخيرة، اعتُقِل أردنيون على خلفية أنشطة يمارسونها عبر الإنترنت، ومنهم شاب أساء إلى الملك وقادة دول أجنبية، وطالب ذو روابط إسلامية. بحسب التعديلات الجديدة، يمكن تصنيف أعمالهم في خانة الإرهاب، ولاسيما البند المتعلّق بـ"تعكير الصلات بدولة أجنبية".

سبق أن عمدت الأجهزة الأمنية في الأردن إلى التضييق على التيارات المعارضة، بما في ذلك الحراك الشبابي الأردني والإخوان المسلمون. على الرغم من الوعود التي أطلقتها السلطات الأردنية في أيلول/سبتمبر 2013 بجعل صلاحيات محكمة أمن الدولة تقتصر على "الجرائم الخمس الكبرى" التي تملك سلطة دستورية للنظر فيها، شهد الشهر الجاري اعتقال 11 ناشطاً سوف يمثلون أمام محكمة أمن الدولة. وفي آذار/مارس 2014، اعتُقِل ناشط من الحراك في تهم متعدّدة، منها "إثارة الاضطرابات" و"التجمّع غير المرخص"، إنما من دون الإشارة إلى أحداث معيّنة. وأوقِف أيضاً 11 ناشطاً شاباً من الإخوان المسلمين في تشرين الأول/أكتوبر 2013 بتهم منها "التحريض على تقويض النظام الحاكم". وقد ندّدت جبهة العمل الإسلامي التي تُعتبَر الجناح السياسي للإخوان المسلمين، مراراً وتكراراً بما تسمّيه مضايقة الإسلاميين وممارسة ضغوط عليهم، مشيرةً إلى الإجراءات المتّخذة بحقهم وإرغامهم على الانتظار طويلاً عند الحدود وفي المطارات. إذا جرى إقرار التعديلات الجديدة لقانون منع الإرهاب، ستمتلك السلطات الأدوات القانونية لتصعيد نطاق هذه الحملة وحدّتها.

يجب أن يشتمل أي حلٍّ للمشاكل التي يعاني منها الأردن عبر الحدود وما قد ينجم عنه من أنشاطة  متطرفة، على إجراءات للدمج الاجتماعي تشجّع الحوار بغية معالجة الأسباب الجذرية للتشدّد. فالحلول الأمنية التي تحقّق الاستقرار في المدى القصير وتفرض احتكار الدولة للخطاب السياسي لاتؤدّي سوى إلى زعزعة الاستقرار في المدى الطويل. لذلك ينبغي على صانعي القرار في الأردن أن يُعيدوا النظر في تعديلات قانون منع الإرهاب، وكيف يمكن أن تؤدّي إلى تفاقم المشكلة التي تسعى في الأصل إلى معالجتها.

ديفيد بيشوب زميل في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.