نفّذت القوى الأمنية اللبنانية، في إطار خطة أمنية انطلقت قبل نحو أربعة أشهر وتهدف إلى الحد من تداعيات الحرب الدائرة في الجوار السوري، مداهمات في 19 تموز/يوليو في مدينة طرابلس الشمالية، ماأسفر عن اعتقال حسام الصباغ، أحد كبار القادة الميليشياويين، بتهمة التخطيط لهجمات في حي جبل محسن العلوي الذي يدعم معظم سكّانه نظام بشار الأسد. وماإن ذاع خبر الاعتقال حتى انتشر نحو 150 مسلّحاً في حي باب التبانة الفقير الذي تسكنه غالبية من السنّة تدعم المعارضة السورية، والذي لطالما اتّخذه الصباغ معقلاً له. وقد اعتبر بعض هؤلاء المحتجّين أن توقيف الصباغ يُقدّم دليلاً على أن القوى الأمنية تستهدف المقاتلين السنّة بطريقة مجحفة. فاستدعت المستجدّات عقد اجتماع للقادة العسكريين والدينيين في منزل سالم الرافعي، الشيخ السلفي الأبرز في المدينة، الذي يُبدي دعماً قوياً للمعارضة السورية، والذي سبق أن استُهدِف في انفجار سيارتين مفخختين في مخطط من تنفيذ عملاء سوريين. لاتزال لائحة المشاركين في هذا الاجتماع مجهولة، إلا أن المعلومات تشير إلى أن الحاضرين ناقشوا "الإجراءات التصعيدية" لمواجهة المعاملة المجحفة التي يلقاها السنّة في رأيهم على أيدي القوى الأمنية. لاينفك السياسيون اللبنانيون ينفون وجود أي دوافع مذهبية خلف الإجراءات الأمنية، لكنهم يقرّون بالحاجة إلى مبادرات جديدة لمواجهة التململ السنّي المتزايد.

يعود العنف المذهبي في طرابلس إلى الحرب الأهلية اللبنانية، وقد تفاقم منذ العام 2008. واشتدّت حدّة الصدامات منذ اندلاع النزاع السوري في العام 2011، وقد باشرت الحكومة بدورها تطبيق خطة أمنية في المدينة في نيسان/أبريل الماضي. استمرّت الهجمات إنما على نطاق أصغر. في أيار/مايو المنصرم، ألقيت قنبلة على دورية للجيش في باب التبانة، ماأدّى إلى إصابة ثمانية جنود بجروح في الكمين. وخلال الشهر الفائت، اعتقل الجيش خمسة مشتبهاً بهم بتهمة التخطيط لاغتيال مسؤولين أمنيين. وفي الأول من تموز/يوليو الجاري، نجت دورية للجيش في باب الرمل من الاستهداف بواسطة عبوة موضوعة عند قارعة الطريق.

عبر اعتقال الصباغ، سحبت الحكومة اللبنانية شخصية قيادية تابعة لتنظيم القاعدة، من شوارع طرابلس. يقال إن الصباغ هو أمير القاعدة في لبنان، أو في الحد الأدنى، ممثّل جبهة النصرة، فرع القاعدة في سورية. بعد الفرار من لبنان إلى أستراليا في أواخر الحرب الأهلية اللبنانية، عاد الصباغ إلى البلاد في العام 2004 وبات يقود نحو 300 مقاتل في باب التبانة. لم يتولَّ الصباغ قيادة الصدامات في طرابلس وحسب، بل قام أيضاً بتهريب المقاتلين إلى سورية وساعد على تمويل الهجمات بالسيارات المفخخة في الداخل اللبناني. إذا كانت السلطات اللبنانية قد غضّت النظر عن الصباغ في السابق، فالسبب يعود إلى محاولتها الإبقاء على الوضع القائم الهش في طرابلس. بيد أن توقيفه يعني أن السلطات نفسها مستعدّة الآن لدفع العلاقات بين الدولة والسنّة الفقراء نحو مزيد من التشنّج باسم الحفاظ على الأمن.

وقد سارع رئيس الوزراء اللبناني تمام سلام الذي طبّقت حكومته الخطة الأمنية في طرابلس وكذلك في البقاع، إلى الرد على الاتهامات بالتمييز بعد اعتقال الصباغ، وقال أمام وفد من علماء ورجال الدين: "لن نقبل بوجود أي خلل في التوازن في تنفيذ الخطة الأمنية، والتعليمات المعطاة لجميع الأجهزة تُشدّد على فرض هيبة الدولة في جميع المناطق، وإعلاء سلطة القانون فوق الجميع بلا تمييز واستثناء". وناشدهم سلام المساعدة على تنفيس الاحتقان في طائفتهم تفادياً لاندلاع جولة جديدة من الصدامات في طرابلس.

بيد أن كلام سلام لم يقنع السنّة بأنهم لايتعرّضون للتمييز. ففي الأسبوع التالي، تحديداً في 21 تموز/يوليو الجاري، نظّمت هيئة العلماء المسلمين اعتصاماً أمام مسجد الصديق على مقربة من السراي الحكومي في طرابلس، احتجاجاً على اعتقال الصباغ وسجن قادة ميليشياويين آخرين من دون محاكمة. وقد رفع المحتجّون لافتات يحذّرون فيها من الملاحقات القضائية المجحفة بحق السنّة والتي يمكن أن تقود إلى مواجهة مع القوى الأمنية. وقد استمرّت الاحتجاجات حتى الأسبوع الأخير من تموز/يوليو، ونُظِّمت يوم الاثنين الماضي مسيرة في طرابلس، بقيادة هيئة العلماء المسلمين، وألقى خلالها الشيخ حليحل كلمة أمام الحشود جاء فيها: "كان الشيخ حسام الصباغ وسيبقى صمام الأمان لطرابلس". ودعا إلى الإفراج عن المعتقلين السنّة.

على الرغم من المخاوف التي تسود في أوساط السنّة في طرابلس، اتّفق السياسيون السنّة في تيار المستقبل مع خصومهم السياسيين على تطبيق الخطة الأمنية في وقت سابق هذا العام. وقد تحوّل هؤلاء القادة السياسيون من دعم المعارضة السورية نحو العمل من أجل الحد من تداعيات الحرب على لبنان. وأتاحت الخطة الأمنية الحكومية للسياسيين السنّة كبح النفوذ الصاعد للشيوخ السلفيين - الأكثر تهوّراً من نظرائهم المعتدلين - والحد من دور الميليشيات التي يرى فيها تيار المستقبل واحدة من القوى السياسية الأكثر إثارة للخلل والاضطرابات. بيد أن عرض القوة المتزايد في المناطق السنّية سيتسبّب بالاستياء. وقد بدأت مجموعات قتالية باستغلال الخطة الأمنية الجديدة التي يطبّقها الجيش اللبناني بهدف تجنيد المقاتلين في صفوفها.

يدرك السياسيون اللبنانيون حجم التململ السنّي. يقود وزير العدل أشرف ريفي الذي يُعتبَر مقرّباً من تيار المستقبل السنّي، الدعوات لإطلاق مبادرات جديدة - لاسيما مبادرات اقتصادية لمعالجة البطالة - من أجل تلبية مطالب المحتجّين جزئياً، والحؤول دون تفاقم الاستياء. تُبذَل حالياً جهود لإغلاق سجن الريحانية العسكري حيث يُحتجَز عدد كبير من قادة الميليشيات والإسلاميين، ونقل المعتقلين إلى سجون مدنية. كما ألغت الحكومة اللبنانية لوائح بأسماء أشخاص مطلوبين للعدالة، أي مايُعرَف بوثائق الاتصال ولوائح الإخضاع التي تضم أسماء أشخاص لايزالون ملاحقين منذ انتهاء الاحتلال السوري في العام 2005 فضلاً عن أشخاص انضموا إليها حديثاً. وأسفرت هذه الخطوة عن شطب ملفات نحو ألف شخص تم اعتقالهم بموجب الخطة الأمنية في طرابلس. وتشير المعلومات إلى أنه سيُفرَض في المستقبل اعتماد آلية مراجعة عند وضع تلك اللوائح، مايمنح السلطة القضائية إشرافاً على هذه العملية.

قد يؤدّي الإفراج عن عدد كبير من الأشخاص الذين شُطِبت ملفّاتهم، إلى تنفيس بعض الاحتقان داخل الطائفة السنّية. لكن مادامت الدولة عاجزة عن تأمين الخدمات الاجتماعية الأساسية والفرص الاقتصادية، وعن التعامل بإنصاف مع جميع الأفرقاء الذين ينتهكون الأمن اللبناني، سيظل السياسيون السنّة يفتقرون إلى الدعم من قواعدهم الناخبة وإلى السيطرة الضرورية عليها. وسوف يُنظَر إلى الجيش اللبناني أكثر فأكثر بأنه أداة لقمع السنّة. مما لاشك فيه أن الاستياء سيتعمّق مع المباشرة بتطبيق خطة أمنية جديدة في البقاع وبيروت اعتباراً من الشهر المقبل.

ألكسندر كورباي من كبار محلّلي شؤون الشرق الأوسط في مجلس الناتو الكندي، يساهم بانتظام في صدى. يمكنكم متابعته عبر تويتر: alex_corbeil@.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.