استقبل الأردن موجات متتالية من اللاجئين القادمين من البلدان المجاورة مع انتشار العنف في المنطقة: فحتى الآن، وصل إلى الأردن أكثر من 600000 سوري منذ العام 2011، فضلاً عن نحو 29000 عراقي ومليونَي فلسطيني1 وحوالي 4000 طالب لجوء من السودان والصومال وبلدان أخرى. إزاء احتدام الأزمات، تتخبّط الحكومة الأردنية والمفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة من أجل الحفاظ على الاستقرار مع الاستجابة في الوقت نفسه للاحتياجات الهائلة. أما اللاجئون وطالبو اللجوء فيزدادون يأساً وإحباطاً، إذ إن عدداً كبيراً منهم هرب من الموت ليدخل في دوامة من الهشاشة اللامتناهية.

أثّرت موجات اللاجئين المتعدّدة في آلية تحديد أوضاع اللاجئين في الأردن، حيث تخضع المجموعات المختلفة الى إجراءات مختلفة وفترات الانتظار مختلفة للحصول على صفة اللجوء. لم توقّع المملكة اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951، إلا أنها أبرمت مذكرة تفاهم مع المفوضية العليا للاجئين تتيح لهذه الأخيرة العمل في الأردن مع تعهد بالالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية، وهي ضمانة ضد إعادة اللاجئين وطالبي اللجوء إلى بلدانهم التي تشهد نزاعات.

يخضع طالبو اللجوء - أي الأشخاص الهاربين من الاضطهاد في بلدانهم - عادةً لمقابلة فردية موحّدة المعايير من أجل تحديد وضعهم كلاجئين قبل منحهم صفة اللجوء وإمكانية الإفادة من الخدمات المصاحبة لها مثل المساعدات النقدية، وتمتُّعهم بالأهلية لإعادة توطينهم. وإلى ذلك الحين، يعيشون في البلد المضيف من دون مساعدات ومن دون امتلاك الحق في العمل، ويكونون محميّين من إعادتهم إلى الحرب، لكنهم يُترَكون لتدبّر أمورهم بأنفسهم.

في الأردن، استنبطت المفوضية العليا للاجئين استراتيجيات متمايزة لتحديد أوضاع اللاجئين على اختلافهم. فالسوريون مثلاً يخضعون لحماية مؤقتة. فمنذ العام 2013، يُسجَّل كل سوري يتقدّم إلى مكاتب المفوضية العليا للاجئين، في خانة طالبي اللجوء في اليوم نفسه، مايتيح له الحصول على المساعدات الغذائية والطبية، وامتلاك الأهلية لإعادة التوطين. يعيش نحو 92000 سوري في خيم أو ملاذات مؤقتة أمّنتها لهم المفوضية العليا للاجئين في مخيمَي الزعتري والأزرق. أما السوريون الذين يعيشون في المدن، والبالغ عددهم نحو 517000، فعليهم تسديد بدلات الإيجار في حين يُمنَعون من العمل في معظم الوظائف القانونية.

أما في مايختص بالعراقيين، فيطلب 29000 منهم على الأقل اللجوء في الأردن، مع العلم بأن ربعهم موجودون هناك منذ العام 2006 أو قبل ذلك. وقد ازدادات أعدادهم منذ انتشار أعمال العنف التي يرتكبها متطرّفون في العراق هذا الصيف، مع تضاعف عدد طالبي اللجوء العراقيين مرّتَين تقريباً بين أيار/مايو وحزيران/يونيو. كان العراقيون يُصنَّفون في خانة اللاجئين من الوهلة الأولى (prima facie) حتى كانون الأول/ديسمبر 2012، مايعني أن العنف المعمّم في العراق منح طالبي اللجوء العراقيين اعترافاً بوضعهم كلاجئين في شكل عام من دون الحاجة إلى تحديد وضع كل لاجئ على حدة. وعندما بدا أن العراق ينعم بهدوء نسبي في العام 2013، استبدلت المفوضية العليا للاجئين هذا التصنيف بإجراءات مبسّطة لتحديد أوضاع اللاجئين: يتسجّل العراقيون بصفة طالبي لجوء، وينتظرون حتى إجراء مقابلات معهم لتحديد وضعهم كلاجئين، ثم يحصلون في اليوم نفسه على قرار بشأن وضعهم، بحسب خالد حليم، المسؤول عن تحديد أوضاع اللاجئين في المفوضية.

تعطي المفوضية الأولوية للواصلين من بعض المناطق لاسيما تلك التي دخلها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مثل الأنبار وصلاح الدين. وقد وضعت مجموعة من البروفيلات العراقية ليتمكّن الأشخاص الذين يجرون المقابلات من أن يُحدّدوا بسرعة أوضاع اللاجئين، ماأدّى إلى تقليص مدّة المقابلة من ساعتَين إلى 45 دقيقة. على سبيل المثال، إذا كان طالب اللجوء هو مسيحي من الموصل ليس هناك حاجة كبيرة لمزيد من التساؤل اذا كان يحتاج حقا ملجأ أم لا. ومع ذلك، ظلّ معدل فترة الانتظار بين تسجيل اللجوء وتحديد وضع اللاجئ، ستة أسابيع في ربيع 2014. ومع تزايد أعداد اللاجئين العراقيين في المرحلة الراهنة، يقول حليم إن الأشخاص الوافدين هذا الشهر يحصلون على الأرجح على موعد في كانون الأول/ديسمبر المقبل لتحديد وضعهم كلاجئين.

فضلاً عن هاتين المجموعتين، يستضيف الأردن نحو 4000 لاجئ إضافي، معظمهم من السودان والصومال. يخضع طالبو اللجوء هؤلاء لإجراءات عادية لتحديد وضعهم كلاجئين، ففي البداية ينتظرون أياماً أو أسابيع عدة للحصول على وضع طالبي اللجوء، ثم يُحدَّد لهم موعد للمقابلة بحسب عدد طالبي اللجوء الآخرين على لائحة الانتظار. يقول حليم إنه في حال تسجّل وافد جديد من دارفور اليوم لتحديد وضعه كلاجئ، على الأرجح أن موعد المقابلة سيُعيَّن في العام 2015. وبعد ذلك، ينتظر طالبو اللجوء 30 إلى 60 يوماً كي تقرّر المفوضية وضعهم كلاجئين.

مع العلم أن معظم طالبي اللجوء في جميع أنحاء العالم يخضعون لإجراءات نفسها لتحديد وضعهم، إلا أن من وجهة نظر اللاجئين أقلية، تعتبر مدة سنة أو أكثر من الإنتظار للحصول على المساعدات أمر مؤلم في حين يحصل طالبي اللجوء الأخرين على المساعدات في وقت اقل. يسأل أحمد، وهو لاجئ سوداني في الرابعة والعشرين من العمر: "لماذا يحصل السوريون على كل المساعدات؟ نحن جائعون أيضاً، ليست لدينا مخيمات ولاوظائف، ونحتاج إلى المساعدة". 

يستطيع طالبو اللجوء العاجزون عن إعالة أنفسهم مادياً، أن يطلبوا، في انتظار صدور القرار بشأن أوضاعهم، مساعدة مالية لمرة واحدة من المفوضية العليا للاجئين التي تزورهم في منزلهم وتخضعهم لتقويم الهشاشة الفردية قبل أن تقرّر منحهم المساعدة. ينطبق هذا على جميع طالبي اللجوء عدا السوريين حيث يمكنهم وضع الحماية المؤقت من الحصول الفوري على مساعدات. أما البقية، وفي حال حصولهم على الموافقة، تبلغ قيمة المساعدة التي تصلهم عادةً نحو مئة دينار أردني، بحسب حليم. وفي حال الرفض، يمكنهم استئناف القرار في غضون 30 يوماً. القرار الثاني نهائي ولارجوع عنه. بعد تحديد وضع اللاجئ، يصبح مؤهلاً لإعادة التوطين والحصول على المساعدات المنتظمة المحتملة، بحسب تقويمات الحاجة التي تجرى على أساس كل حالة على حدة.

في غضون ذلك، يتنافس طالبو اللجوء في مابينهم من أجل البقاء، ويتنافسون أيضاً مع المجتمعات الأردنية المضيفة التي ترزح تحت عبء ثقيل جداً. فيما يواجه قطاعا التجارة والسياحة في الأردن تحدّيات جراء غياب الاستقرار السياسي في الدول المجاورة، يجد الاقتصاد صعوبة في مواكبة الاحتياجات في مجال البنى التحتية. فتدفّق اللاجئين يزيد من الضغوط على الوظائف وعلى الموارد المائية والكهربائية التي تعاني أصلاً من النقص. في غياب آلية قانونية تتيح للاجئين تحقيق الاكتفاء الذاتي، سوف تزداد احتياجاتهم أكثر فأكثر. بيد أن التمويل غير كافٍ. فاعتباراً من منتصف تموز/يوليو الماضي، لم تحصل المفوضية العليا للاجئين سوى على 42 في المئة فقط من المبلغ الذي طلبته للأردن هذا العام، وقدره 305.4 مليون دولار أميركي.

عمد الأردن، في الأشهر الأخيرة، إلى وضع خطة الصمود الوطنية التي تستهدف الاستثمار والتنمية في المجتمعات المضيفة من أجل تعزيز قطاعات التعليم والطاقة والصحة والمياه والسكن والأمن في البلاد. بيد أن الخطة تعتمد أيضاً على التمويل الأجنبي، مع طلب دعمٍ قدره 2.48 مليار دولار أميركي في السنوات الثلاث المقبلة. تعهدت الولايات المتحدة، أكبر مانح للمساعدات الإنسانية في الأزمة السورية، مؤخرا بمبلغ إضافي قدره 84 مليون دولار أميركي لمساعدة اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة في الأردن.
في غضون ذلك، تبذل المفوضية العليا للاجئين كل ما بوسعها. وقد انتقل معظم موظّفيها إلى مبنى جديد، وأصبح المقر السابق المؤلف من أربعة طوابق مخصصاً حصراً لإجراءات إعادة توطين اللاجئين السوريين وتحديد أوضاعهم. فيما تحاول المفوضية دراسة طلبات اللجوء، تقدّم منظمات أهلية محلية مساعدات مؤقتة بدءاً من المواد الغذائية وصولاً إلى فرص الحصول على منح دراسية.

لكن اللاجئين مستاؤون، لاسيما عندما يرون أن المساعدات تتحوّل نحو الأزمات المستجدّة. جلس أبو فارس على الأرض أمام جهاز تلفزيون قديم يشاهد مذيع أخبار يقرأ خبراً عن عمليات الإغاثة الإنسانية للأيزيديين العالقين في العراق. فعلّق السوري البالغ من العمر 71 عاماً: "إذاً الآن يساعدون العراقيين. اللعنة على داعش. لكن ماذا عنّا نحن؟"

وعلى مبعد بضعة شوارع، يعيش أحمد منذ سبعة أشهر في شقة مع عشرين سودانياً آخر من طالبي اللجوء لايتلقّى أي منهم مساعدات إنسانية. يعملون على أساس يومي معرِّضين أنفسهم لخطر الاعتقال، ويكسبون مداخيل غير نظامية من العمل في البناء ووظائف التنظيف من أجل تسديد بدلات الإيجار وتكاليف الوجبات اليومية التي تتألف من العدس أو الفول. يقول أحمد: "ثمة أمنٌ في الأردن، وماعدا ذلك، لاشيء".

* ثم إستعمال أسماء مستعارة لحماية اللجئين.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

أليس سو صحفية مقيمة في عمان. يدعم تقاريرها عن اللاجئين في الأردن "مركز بوليتزر لتقارير الأزمات". يمكن متابعتها عبر تويتر: aliceysu@. 


1. الرقم الوارد في المقال صادرة عن وكالة الأونروا، وتعتمد على تعريف الأمم المتحدة للاجئين المسجّلين.