المنحوتة الزاهية الألوان لعمار أبو بكر في تناقض واضح مع الأعمال الأخرى التي شاركت في معرض "آمين - دعاء من أجل العالم" للعام 2014. على الرغم من أن كل الفنّانين كُلِّفوا بالمهمة نفسها، رسم منحوتة "مُصلّية" بالحجم الطبيعي، إلا أن عمل أبو بكر فريد من نوعه في نقله صوراً من فن الشارع المصري النابض بالحياة، وتحدّي زوّار المعرض بما يحملهم على التفكير في العلاقة بين السلطوية، والدين في السياسة، وفساد النخب.

كان أبو بكر أستاذاً مساعداً في مادة الفنون الجميلة قبل أحداث كانون الثاني/يناير 2011، عندما جعل من جدران المدينة قماشاً يرسم عليه، ومن شوارعها نوعاً من قاعة التدريس في الهواء الطلق. يعلّق أبو بكر: "عندما تناضل ضد النظام، تناضل أيضاً من خلال شخصك ومهنتك، لأننا نفتقر إلى المؤسسات الفنية". ليس أمراً غير عادي أن تُغلق المتاحف العامة أبوابها لسنوات في مصر من دون تحديد موعد لإعادة فتحها. فمتحف محمد محمود خليل الشهير مقفل منذ العام 2010 بعد سرقة لوحة قيّمة للرسّام فان غوع. وبعد ذلك، أُغلِق 25 متحفاً آخر بسبب المخاوف الأمنية الناجمة عن أعمال السرقة، وعلى الرغم من أن بعضها أعاد فتح أبوابه، إلا أنها لاتقوم بالكثير من حملات التثقيف العام ولايزورها السكّان المحليون سوى بأعداد ضئيلة جداً. وقد تقدّم الفنانون والجهات الثقافية المستقلة لملء الفراغ من خلال مشاريع فن الشارع والمساحات الثقافية المستقلة.

قبل معرض "آمين" الذي نظّمته مجموعة "القافلة" (CARAVAN)، شارك أبو بكر من خلال أعماله في العديد من المعارض الأخرى وفي رسم بعض الجداريات منذ أحداث 2011. ولّدت الأعمال الفنية في هذه المرحلة، الموثَّقة في صور كثيرة يتشاركها مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي، نوعاً من الذاكرة البصرية عن الثورة. فقد سجّلت الجداريات ورسوم الغرافيتي الأحداث خلال وقوعها؛ على سبيل المثال، جسّدت جدارية في شارع الشيخ محمد محمود أُنجِزت في شباط/فبراير 2012، بورتريهات الضحايا الذين سقطوا في مجزرة كرة القدم في بور سعيد. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2013، رسم الثوّار والفنانون جدارية زهرية مموّهة القصد منها انتقاد القادة السلطويين الذين يتصرّفون مع إفلات تام من العقاب، مادحض الرواية الرسمية التي وضعت آنذاك جميع المحتجّين في السلة نفسها مع أنصار محمد مرسي، الرئيس المعزول المنتمي إلى تنظيم الإخوان المسلمين.

في هذه المنحوتة، انطلق أبو بكر من النموذج الزهري المموّه الذي رسمه مع فنانين آخرين العام الماضي. ينحني التمثال على حصيرة الصلاة التي تشبه لعبة لوحية شعبية وعليها صورة جنرال مجهول الهوية يدير الدفّة. يقول أبو بكر: "الدين جزء من لعبة القوة في مصر". ويضيف في إشارة إلى منحوتته: "لم أصنع شيئاً جميلاً، إنما شيئاً يجب أن يراه الناس الآن. يجسّد هذا التمثال كل من يعبد أصحاب النفوذ". تدفع منحوتة أبو بكر الزوّار إلى إعادة النظر في تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتوقّف عند استخدام السياسيين للحجج الدينية بهدف كسب الدعم الشعبي.

كان السيسي يكرّر الإشارة إلى الله والأخلاق لدى حديثه مع وسائل الإعلام وخلال حملته الانتخابية. في أول مقابلة تلفزيونية له في الخامس من أيار/مايو الماضي، قال السيسي الذي كان آنذاك مرشحاً للرئاسة إنه "مسلم مصري يحب بلاده ودينه وشعبه"، واستعاد بالذاكرة كيف نشأ في حي قديم في القاهرة حيث كان اليهود والمسيحيون والمسلمون يعيشون معاً. ووصف القائد العام للقوات المسلحة سابقاً نفسه بالمدافع عن "الإسلام المعتدل"، في تلميح إلى أن الخطاب الديني الذي يصدر عن تنظيمات على غرار الإخوان المسلمين "جرّد الإسلام من إنسانيته". قبل بث تلك المقابلة المسجّلة، التقى السيسي إعلاميين في أحد المنتديات في الثالث من أيار/مايو الماضي، حيث تكلّم عن إيمانه الراسخ قائلاً بأن الله لن يتخلّى عن المصريين بعد كل مامرّوا به، وأنه كرئيس لن يكون مسؤولاً إلا أمام الله والشعب المصري.

يعتمر تمثال أبو بكر أيضاً قبعة عسكرية - في وسطها مثلّث مع علامة تعجّب على غرار الإشارة التي توضَع على الطرقات للتحذير من الخطر - بهدف إحداث صدمة لدى الجماهير. يشرح الفنان: "الفكرة هي تنبيه الناس والربط بين الأحداث التي تدور من حولهم".

نرى على المنحوتة أيضاً ذباباً صغيراً مرسوماً بدقّة عالية لتجسيد الفساد، في إشارة إلى الشركات المملوكة من الجيش التي تعمل في كل القطاعات تقريباً من دون إشراف فعلي أو شفافية. على الرغم من أن البلاد تعاني من انقطاع التيار الكهربائي بصورة يومية، إلا أن العقود المشبوهة تسبّبت بخسارة 10 مليارات دولار من عائدات الغاز بين العامَين 2005 و2011 بسبب تصدير الغاز بأسعار مخفّضة جداً، ولايزاال المواطنون يدفعون ثمن شبكات الفساد المنتشرة في أوساط النخب. وفي إطار الأسلوب الكاريكاتوري عينه، طبع أبو بكر علَم السعودية بطريقة الرَّوْسمة وكأنه علامة مسجّلة على الجهة الخلفية من المنحوتة في إشارة إلى التأثير المتزايد للمملكة على الدولة المصرية. 

تُنفَّذ مشاريع إنمائية مشتركة كبرى بين السعودية ومصر في مختلف أنحاء البلاد، على أرضٍ مملوكة من الدولة في معظم الأحيان، وقد منحت المملكة مصر مساعدات هي بأمس الحاجة إليها تفوق قيمتها 12 مليار دولار بعد عزل الرئيس محمد مرسي. وفي 20 حزيران/يونيو 2014، قام العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز بزيارته الأولى إلى مصر بعد سقوط مبارك - بهدف تهنئة وزير الدفاع السابق الذي كان ملحقاً عسكرياً في الرياض، على فوزه بالرئاسة. ثم عندما زار السيسي السعودية في 10 آب/أغسطس الماضي، قلّده الملك عبدالله قلادة الملك عبد العزيز التي تُعتبَر الوسام الأرفع في البلاد.

مشاركة المنحوتة المحمّلة بالرمزية في معرض "القافلة" خير شاهد على أعمال جيل جديد من الفنّانين المصريين. يشرح جوزف دانر الذي أدرج الأعمال الفنية لفنانين مصريين شباب في مشروع الملصقات التي غطّت ألواح الإعلانات في النمسا في العام 2013: "يستخدم الفنانون الشباب المصريون لغة دولية. يختارون صوراً جاهزة تشكّل جزءاً من الهوية الجماعية، ثم يُعيدون صوغها ويدمجونها بطريقة سوريالية عبر استخدام تكنولوجيات جديدة بما يُحدث صدمة لدى الجيل الأكبر من الفنّانين".

يقول عدد كبير من الفنانين الشباب على غرار أبو بكر إنهم اختاروا التخلّي عن الهرمية المقيِّدة السائدة في الأكاديميات والمؤسسات الفنية من أجل المساهمة في نوع من الإعلام النقدي في مرحلة محورية في التاريخ. المفارقة هي أن هذه الأعمال الفنية شقّت طريقها من جديد إلى المساحة الفنية الأكثر تقليدية.

أنجيلا بوسكوفيتش كاتبة وباحثة ومنتجة ثقافية مقيمة في القاهرة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية