تتعرّض العاصمة اليمنية صنعاء منذ آب/أغسطس الماضي للحصار على أيدي أنصار الحوثيين المسلحين الذين يطالبون الحكومة بالاستقالة بعد إصدارها قراراً بخفض الدعم للوقود، وهو الإجراء الأحدث في سلسلة من المظالم التي يأملون في تسويتها. يعتصم آلاف المحتجّين في خيم قرب المؤسسات الحكومية المهمة على غرار وزارة الداخلية، مايثير مخاوف من حدوث تصعيد عنيف لإطاحة الحكومة. في غضون ذلك، يستغل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح الأزمة لإعادة تثبيت نفوذه على السياسة في البلاد.

يرفع بعض المحتجّين راية المؤتمر الشعبي العام، حزب الرئيس اليمني السابق الذي يُعتبَر على نطاق واسع أنه يدعم الحوثيين. واقع الحال هو أن المواجهة بين الحوثيين الشيعة والحكومة - التي يرأسها حالياً حزب الإصلاح السنّي، عدو الحوثيين الأساسي - تتيح أمام صالح فرصة جيدة لاستعادة شعبيته، وربما تمهّد الطريق أمام تسلّم نجله الأكبر، العميد الركن أحمد علي، الذي يشغل حالياً منصب سفير اليمن لدى الإمارات العربية المتحدة، زمام الحكم.

يستمر صالح الذي يسعى إلى أن يظهر وكأنه متعالٍ على الخلافات، في إنكار المزاعم بأنه يدعم القتال الحوثي في عمان والجوف وصنعاء. قال لأنصاره في عمران في 9 أيلول/سبتمبر الجاري بعد مقتل أكثر من عشرة محتجّين موالين للحوثيين وإصابة 60 آخرين بجروح في مواجهة مع القوات الحكومية حول مقر الحكومة: "لسنا واقفين مع فريق ضد فريق أخر"، وهو دعا الطرفَين للحوار لإنقاذ أرواح اليمنيين. وقد تعمّد صالح تجاهُل الاضطرابات، واستقبل بدلاً من ذلك قادة قبليين ودينيين من مختلف أنحاء اليمن جاؤوا لإظهار دعمهم له بعد تعرّضه، كما زعم، لمحاولة اغتيال.

إذا اختار صالح أن يلقي بثقله خلف الحوثيين، فمن شأن ذلك أن يُضعف كثيراً خصومهما المشتركين، اللواء المنشق علي محسن والزعيم القبلي حميد الأحمر، اللذين يشغل كلاهما منصباً قيادياً - غير رسمي في حالة علي محسن - في حزب الإصلاح. على الرغم من أنهما كانا حليفَين لصالح سابقاً، إلا أنهما مستاءان من الجهود التي يبذلها لإيصال نجله إلى الحكم وإقصائهما، وقد انضما في العام 2011 إلى الاحتجاجات الشعبية ضد حكمه. يبقى الاستياء الحوثي من علي محسن قوياً على الرغم من انتصارهم عليه في الحرب التي استمرت ست سنوات بصورة متقطّعة، والتي قادت الحوثيين إلى السيطرة على محافظة صعدة. يعتبر كثرٌ أن صالح يستغل الانتفاضة الحوثية لتصفية الحسابات مع محسن والأحمر اللذين أُضعِف موقعهما بدءاً من الشهر الماضي عندما سقطت عمران، المعقل الرمزي لاتحاد قبائل حاشد، بالكامل تحت سيطرة الحوثيين.

وقد وجد صالح طرقاً أخرى لاستهداف هذين الخصمين. في 11 آب/أغسطس الماضي، اكتشف فريق صالح الأمني نفقاً بطول 88 متراً حُفِر انطلاقاً من حظيرة مجاورة وصولاً إلى قصره. وقد زعم صالح أن الهدف من النفق هو اغتياله، وقال أمام أنصاره إن من يقفون خلف حفره (في إشارة إلى علي محسن وحميد الأحمر) كانوا أيضاً وراء محاولة اغتيال سابقة تعرّض لها في الثالث من حزيران/يونيو 2011.

وقد حشدت الرواية الإعلامية عن النفق التي أخذت بكلام صالح، الدعم من عدد من القادة القبليين والدينيين. وشوهد عدد كبير من أنصار صالح يصرخون ضد محسن والأحمر، وتأييداً للحوثيين في خيمة كبيرة نُصِبت وسط فناء في قصر صالح. وقد هتفوا: "بالروح بالدم نفديك يا علي"، في إشارة إلى الرئيس السابق.

تحظى هذه التجمعات اليومية في قصر صالح بتغطية واسعة من قناة "أزال" التلفزيونية الخاصة المملوكة من محمد شايف، حليف صالح والقيادي الأول في اتحاد بكيل القبلي الذي ينتمي إليه أيضاً الحوثيون. من شأن بكيل، وهو الاتحاد الثاني في اليمن لناحية النفوذ، أن يُفيد أيضاً من إضعاف محسن والأحمر كونهما شخصيتين بارزتين في اتحاد حاشد الذي يُعتبَر تاريخياً الخصم الأساسي لاتحاد بكيل. منذ سيطرة الحوثيين على عمران في تموز/يوليو الماضي، خسر محسن والأحمر دعم الكثيرين في اتحاد حاشد الذين انضموا إلى الفصيل المعادي الذي يتزعمه صالح ضمن الاتحاد نفسه. وقد تدفق أنصار صالح بأعداد متزايدة وتواتر أكبر من محافظة عمران إلى صنعاء لتهنئته على النجاة من محاولة الاغتيال المزعومة. 

على الرغم من أن الحوثيين يتمتعون بدرجة من الدعم داخل المعسكرَين الليبرالي واليساري، إلا أنهم بأمس الحاجة إلى الدعم من صالح. يحتاج السيد عبد الملك الحوثي، زعيم التيار الحوثي، إلى المساعدة من صالح وحزبه حتى لو انتصر عسكرياً. قال حميد أحمد، أحد أبرز المحتجّين الذين اعتصموا خارج العاصمة: "لولا الدعم من صالح وأعضاء حزبه في كل مكان في البلاد، لما انتصر الحوثيون في عمران وتقدّموا إلى صنعاء".

يعتقد الليبراليون واليساريون الذين يدعمون الحوثيين أنه من شأن هؤلاء باعتبارهم أقلية دينية تسعى إلى حماية حقوقها وحرياتها، أن يدعموا قيام دولة أكثر علمانية (خلافاً للحكومة الحالية بقيادة حزب الإصلاح الإسلامي). على الرغم من أن هؤلاء الأنصار يشاركون في تظاهرات الحوثيين في صنعاء، إلا أنهم غير مستعدّين لتقديم المساعدة للحوثيين إذا أصبح النزاع الحالي أشدّ عنفاً، وذلك خلافاً لأنصار صالح الذين قد يكونون جاهزين للمساعدة. قال طلال عقلان، أحد المتظاهرين اليساريين البارزين: "في حال اندلعت حرب، سنعود إلى منازلنا ونترك كل شيء لأبو علي الحاكم"، في إشارة إلى القائد العسكري الأول في التيار الحوثي.

غالب الظن أن الدعم العلني الذي قد يقدّمه صالح للحوثيين، مهما كان حجمه أو دوافعه، سيخدم قضيتهم في المدى القصير، عبر منحهم الدعم السياسي - لاسيما من زعماء القبائل الموالين لصالح ومن أنصاره في الجيش. لكن حتى التحالف غير الرسمي بين صالح والحوثيين يمكن أن يشعل التشنجات في صنعاء ويقود إلى مزيد من العنف. إلا أنه بإمكان اليمن تفادي اندلاع حرب شاملة إذا اختار الحوثيون الحل السياسي. فإذا شكّلوا حزباً وحافظوا على دعم صالح وأنصاره، سيتمكّنون من فرض مطالبهم أكثر. ويحرص الرئيس اليمني عبد ربه هادي منصور الذي يُعوّل في شكل أساسي على الدعم الدولي الذي سيخسره اليمن في حال دخوله في حالة حرب، على أن تسير الأمور في هذا الاتجاه.

ناصر الربيعي صحافي يمني مقيم في صنعاء.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.