من شأن اتفاق السلم والشراكة الوطنية الذي وقّعته الحكومة اليمنية مع الحوثيين في 21 أيلول/سبتمبر الماضي أن يمنح العملية الانتقالية في اليمن اندفاعة إيجابية، نظراً إلى تركيزه على الشمولية والشفافية. لكن في الوقت نفسه، يوفّر الاتفاق غطاء للحوثيين لمواصلة سعيهم إلى السيطرة على مزيد من الأراضي، ويمكن أن يتسبّب بتفاقم عدم الاستقرار.

سعى الاتفاق إلى وضع حد للتصعيد الذي جاء على خلفية قيام الحكومة الانتقالية بوقف الدعم للمحروقات في أواخر تموز/يوليو 2014. وقد تسبّبت التنازلات السياسية الواسعة التي حصل عليها الحوثيون عن طريق الاتفاق، بإضعاف النخب وأفسحت في المجال أمام حدوث تغيير سياسي. من جملة الإصلاحات الكثيرة التي ينصّ عليها الاتفاق تشكيل حكومة جامعة تضم ممثّلين عن الحوثيين والحراك الجنوبي الانفصالي بعد إقصائهم من مبادرة مجلس التعاون الخليجي وتهميشهم في العملية الانتقالية التي تلت تلك المبادرة - كما يقضي الاتفاق بتعيين ممثّل عن الحوثيين وآخر عن الحراك في منصب مستشار للرئيس اليمني. علاوةً على ذلك، يدعو اتفاق السلم والشراكة الوطنية إلى تطبيق سلسلة من الإصلاحات لتحسين الظروف المعيشية من خلال برامج الحماية الاجتماعية وزيادة أجور الخدمة المدنية وقطاعَي الجيش والأمن، وإعادة العمل بالدعم الحكومي للمحروقات، وتطبيق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني.

يأمل الحوثيون بأن يرسي الاتفاق خريطة طريق انتقالية جديدة تُقدّم بديلاً عن إطار العمل الذي وُضِع بمبادرة من مجلس التعاون الخليجي في تشرين الثاني/نوفمبر 2011. وهم يحاولون، بدفع من شعبيتهم المتزايدة (التي يستمدّونها إلى حد كبير من كونهم ليسوا من النخبة)، وانتصاراتهم المهمة على حزب الإصلاح بما في ذلك إبعاد اللواء الركن علي محسن، والاستياء الواسع النطاق من أداء الحكومة الانتقالية، أن يمنحوا الأفرقاء السياسيين المحليين الذين تم إقصاؤهم في السابق، حصةً في العملية السياسية الجديدة. يفرض اتفاق السلم والشراكة الوطنية على الرئيس عبد ربه منصور هادي إجراء "مشاورات شاملة وشفافة مع جميع المكونات الممثَّلة في مؤتمر الحوار الوطني" من أجل تأمين تمثيلهم الصحيح وانخراطهم المجدي في تشكيل "حكومة كفاءات" جديدة.

من هذا المنطلق، يتفاوض الحوثيون والأحزاب السياسية الكبرى حالياً على تشكيل الحكومة. وتتسبّب المشاحنات السياسية الداخلية وغياب الثقة بإطالة أمد المفاوضات، مايُهدّد بزعزعة الاستقرار أكثر فأكثر. وقد أعلن رئيس الوزراء المكلّف خالد بحاح في 25 تشرين الأول/أكتوبر الجاري أن كلاً من المؤتمر الشعبي العام الحاكم والكتلة المعارِضة السابقة المعروفة بأحزاب اللقاء المشترك والتي تضم حزب الإصلاح، سيحصل على تسع حقائب وزارية من أصل 34 وزارة تتألّف منها الحكومة، في حين سيتسلّم كل من الحوثيين والحراك ست حقائب وزارية، ويعيّن الرئيس هادي الذي ينتمي إلى المؤتمر الشعبي العام، الوزراء الأربعة المتبقّين. بيد أن تكتّل أحزاب اللقاء المشترك رفض هذا التوزيع للحقائب الوزارية، وهدّد بمقاطعة الحكومة العتيدة إذا لم يحصل إلى جانب أحزاب أخرى مثل اتحاد الرشاد السلفي، على تمثيل عادل. على ضوء هذا التعثّر في المفاوضات الذي تزيد من حدّته العداوات بين الحوثيين وحزب الإصلاح التابع لأحزاب اللقاء المشترك، وافق الأفرقاء في 29 تشرين الأول/أكتوبر الجاري على تشكيل الحكومة بعيداً من المحاصصة بين الأحزاب السياسية. وتقرّر أن يختار الرئيس هادي ورئيس الوزراء بحاح وزراء "أكفياء" لتشكيل حكومة تكنوقراط، مع العلم بأن هذا الحل لن يلقى على الأرجح قبولاً من الحوثيين.

منذ توقيع اتفاق السلم والشراكة الوطنية، يُظهر الحوثيون انتقائية في التزامهم ببنوده. ففي حين يزعمون أنهم يعملون من أجل أن تكون عملية تشكيل الحكومة أكثر شمولاً وشفافية، يوفّر لهم الاتفاق غطاء في مسعاهم من أجل السيطرة على مزيد من الأراضي. بيد أن هذا المسعى يُهدّد أي تقدّم يمكن أن يحقّقه الاتفاق على الجبهة السياسية؛ وعلى الرغم من أن الحوثيين وقّعوا ملحق الاتفاق الذي يعالج الوضع الأمني وينص على حل المجموعات المسلّحة، لاتزال ميليشياتهم متمركزة في العاصمة صنعاء. وغالب الظن أنها ستبقى هناك مادام الحوثيون لايثقون بالنخب التي تقود العملية السياسية. وقد تسلّموا وظائف أمنية وأقاموا حواجز تفتيش في المدينة، أملاً بأن يجري التعامل معهم على أساس أنهم فريق شرعي يعمل على فرض الأمن، وليس ميليشيا خاضعة لشروط ملحق اتفاق السلم والشراكة الوطنية. واقع الحال هو أنه بدلاً من أن يعمل الاتفاق على تسوية النزاع المسلح بين الحوثيين والدولة، استخدم لغة التغيير السياسي السلمي من أجل إضفاء شرعية على السيطرة على صنعاء عن طريق العنف.

فضلاً عن إبقاء الحوثيين على ميليشياتهم وقواتهم المسلحة في صنعاء، واصلوا بلاهوادة التوسّع جنوب العاصمة. فبعدما كان حضورهم يقتصر سابقاً على محافظة صعدة في الشمال، باتوا يسيطرون الآن على الشمال الغربي للبلاد بكامله. ووصلوا أيضاً إلى مدينة الحديدة على ضفاف البحر الأحمر في 14 تشرين الأول/أكتوبر الجاري. حالياً، يتقدّم الحوثيون جنوباً باتجاه باب المندب الذي يُعتبَر واحداً من المضائق الثلاثة الأساسية الواقعة على الطرقات البحرية المستخدمة في شحن النفط بين الشرق الأوسط والغرب. في وسط اليمن، يصطدم الحوثيون بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، أحد أبرز خصومهم، والقبائل التي تدعمه. وتدور منذ منتصف تشرين الأول/أكتوبر الجاري معارك عنيفة في محافظتَي إب والبيضاء حيث خاض الجيش اليمني مراراً وتكراراً مواجهات مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب خلال العامَين الماضيين. بيد أن هذه الصدامات العنيفة في وسط اليمن قد تدفع بالقبائل غير المصطفّة إلى جانب القاعدة وبأنصار الإصلاح المغبونين إلى أحضان تنظيم القاعدة.

يتّجه الحوثيون حكماً نحو أداء دور أساسي وحاسم في العملية الانتقالية في اليمن. على الرغم من استبعاد إمكانية قيام تعاون سياسي حقيقي بين الحوثيين وحزب الإصلاح، قد تتمكّن حكومة تكنوقراط من التوفيق بين الأحزاب السياسية وتطبيق اتفاق السلم والشراكة الوطنية. لكن غالب الظن أن المشاحنات الداخلية ستستمر في حين أن القتال على الأرض هو الذي سيُحدّد توزيع النفوذ والسلطات. نظراً إلى قوة الحوثيين وانخراطهم مع الجيش اليمني ضد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، سوف يكونون في الموقع الأقوى في هذا النزاع. يُظهر توسّعهم على الأرض وانتقائيتهم في الالتزام ببنود اتفاق السلم والشراكة الوطنية أنهم مصمّمون على فرض العملية الانتقالية بحسب شروطهم الخاصة. لكن في المديَين القصير والطويل على السواء، لن تقود هذه الاستراتيجية إلى استقرار سياسي أو اجتماعي في اليمن.

مارايكه​ ترانسفلد زميلة في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

نص اتفاق السلم والشراكة الوطنية متوافر بالإنجليزية والعربية.