استؤنف النشاط الدبلوماسي على أرفع المستويات بين السعودية وقطر خلال الصيف المنصرم، الأمر الذي قد يؤدّي إلى وضع حد للخلاف التاريخي بين البلدَين والذي يُعتبَر الأسوأ من نوعه داخل مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه. لقد أدّى توتّر العلاقات بين قطر والعديد من دول مجلس التعاون الخليجي، لاسيما السعودية، إلى الحد من قدرة المجلس على تنسيق رد موحّد على التهديدات الأمنية المتعاظمة في المنطقة. في حال تكلّلت جهود المصالحة بالنجاح، سيساهم ذلك في تعزيز التعاون في مجموعة من المبادرات الأمنية الإقليمية.

سادت أجواء من عدم الثقة بين قطر والسعودية في الماضي، والتي تعود في الأصل إلى مطالبة السعودية بضم أراضٍ قطرية إليها في المرحلة التي سبقت استقلال قطر. على الرغم من تسوية المسألة الحدودية في آذار/مارس 2001، استمرّت الخلافات المتفرّقة خلال العقد المنصرم في حجب العلاقات "الأخوية" بين البلدَين. لكن في ذروة الحماسة الثورية في العالم العربي، وضع مجلس التعاون الخليجي اتفاقاً أمنياً جديداً في تشرين الثاني/نوفمبر 2012. إلا أنه وعلى الرغم من السعي إلى وضع حد للخلاف بين البلدَين، تعثّرت محاولات المصالحة بسبب الانتفاضات العربية وماكشفته عن الاختلاف في سياستهما الخارجية.

شكّل دعم قطر للإخوان المسلمين في مصر وسواها من البلدان، فيما كانت دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى تشنّ حملة للتضييق على الجماعة، خطاً أحمر بالنسبة إلى السعودية. وقد عُقِدت قمة مصغّرة بوساطة من أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، تعهّدت قطر خلالها تغيير مسارها وإعادة النظر في سياستها الخارجية. وقد ساهمت هذه الخطوة مؤقتاً في تهدئة المخاوف السعودية. إلا أن التأزّم بلغ أشدّه في آذار/مارس 2014 عندما عمدت السعودية والبحرين والإمارات إلى سحب سفرائها من قطر. وقد اعتبرت تلك الدول في بيان مشترك أن دعم قطر المستمر للإخوان المسلمين يتسبّب بزعزعة الاستقرار، مشيرةً إلى أنه يتناقض مع الالتزام "بعدم دعم أي طرف يهدف إلى تهديد أمن أية دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي واستقرارها". واضُطرّت قطر، إزاء هذه الخطوة غير المسبوقة ضدها، إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وتم التوصّل في نيسان/أبريل الماضي إلى خريطة طريق لوضع حد للخلاف.

منذ ذلك الوقت، جرى تبادل الزيارات على مستوى رفيع بين البلدَين، بصورة غير منتظمة إنما متواترة، أبرزها زيارة أمير قطر إلى السعودية في 22 تموز/يوليو الماضي، وزيارة وزير الحرس الوطني السعودي إلى الدوحة في 5 آب/أغسطس الماضي، والاجتماع بين وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل وأمير قطر في الدوحة في 27 آب/أغسطس الماضي. وبدا أن اختراقاً قد تحقّق خلال اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في أواخر آب/أغسطس الماضي، حيث شرح وزير خارجية الكويت الشيخ صباح الخالد الصباح الاتفاق المبهم الذي جرى التوصل إليه في الرياض في نيسان/أبريل الماضي معتبراً أنه يرسي "المبادئ والمعايير" لتخطّي العقبات. على الرغم من عدم الكشف عن هذه "المعايير" على الملأ، يُعتقَد على نطاق واسع أنها تتمحور حول توقّف قطر عن دعم الإخوان المسلمين.

ليس من قبيل الصدفة إذاً أنه بعد شهر واحد فقط، طُلِب من كبار قياديي الإخوان الذين لجأوا إلى قطر مغادرة البلاد. وقد صرّح أحد هؤلاء القياديين أنه تمت تلبية الطلب "تفادياً للتسبّب بأي إحراج لدولة قطر". على الرغم من أنه ليس واضحاً بعد مدى توقُّف قطر عن دعم الإخوان المسلمين، عليها أن تسلك الآن مساراً أكثر حذراً. وفي خطوة مهمة، التقى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في 13 تشرين الأول/أكتوبر الجاري الملك عبد الله بن عبد العزيز في الرياض لاقتراح إنهاء الخلاف رسمياً بين الدولتَين. إذا تحقّق ذلك، قد نشهد في المستقبل المنظور تعاوناً متزايداً بين البلدَين وسهولة أكبر في تطبيق الاتفاق الأمني الذي أبرمه مجلس التعاون الخليجي في العام 2012. 

يحمل هذا كلّه بوادر إيجابية من أجل التوصّل إلى مقاربة أمنية منسّقة بين دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة التهديدات المتعاظمة في المنطقة. لقد كانت قطر جزءاً من الدول العربية العشر التي التقت في الرياض في أيلول/سبتمبر الماضي وتعهّدت بالانضمام إلى القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. ويبذل التحالف الذي يضم دول مجلس التعاون الخليجي الست، جهوداً لوقف وصول الأموال والمقاتلين إلى التنظيم الخارج عن القانون. وفي السياق عينه، تتيح مبادرة مدعومة من السعودية لتدريب الثوار السوريين "المعتدلين" فرصاً أكبر للتعاون المباشر، والتي من شأنها أن تحقق فعالية مضاعَفة عندما يكون مجلس التعاون الخليجي أكثر توحّداً.

لكن، وعلى الرغم من تصاعد حدّة التشنّجات بين السعودية وقطر في الأعوام الأخيرة، فإنّ المقاربة التي يعتمدها مجلس التعاون الخليجي لحل الخلاف تُسلّط الضوء على قدرته المستمرّة على التأثير في الدول الأعضاء. ولعل التطورات الأخيرة هي خير دليل على هذه القدرة، على الرغم من صعود مكانة قطر على الساحة الدولية خلال العقد المنصرم بفضل تحرّكاتها الدبلوماسية وإمكاناتها المادّية الكبيرة. وتكشف هذه المسألة أيضاً عن بعد آخر: على الرغم من المحاولات القطرية للدوران خارج الفلك السعودي، ثمة حدود لقدرة قطر على اتّباع سياسة خارجية مستقلة على حساب مصالح غالبية الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها السعودية.

سليمان العتيقي طالب دكتوراه في كلية سانت أنطوني في جامعة أكسفورد، ومحلل سابق في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. يساهم بانتظام في صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.