أتاح القتال ضد الدولة الإسلامية، سواء في كوباني أو حول جبل سنجار، فرصة لحزب العمال الكردستاني كي يثبت أنه لم يعد تنظيماً إرهابياً، بل أصبح قوة إقليمية كبيرة تتشارك قيماً كونية مع الغرب. تشكّل كوباني، إلى جانب كانتونَين كرديين آخرين يتمتّعان بحكم ذاتي في شمال سورية، حقل اختبار مهماً للحركة القومية الكردية وحزب العمال الكردستاني كي يثبتا قدرتهما على إدارة أراضيهما في سورية، كما تفعل حكومة إقليم كردستان في العراق. ويمنح ذلك أيضاً حزب العمال الكردستاني ثقة متجدّدة بالنفس وتحفيزاً لتخطيط إقامة منطقة مماثلة من الحكم الذاتي في جنوب شرق تركيا.

لقد أثار رد الفعل التركي إزاء حصار كوباني انتقادات واسعة على المستويَين الدولي والمحلي. عملياً يُعتبَر حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الحزب السياسي الأساسي الذي يدافع مقاتلوه عن كوباني، جزءاً من اتحاد الجماعات الكردية التابع لحزب العمال الكردستاني، الذي يقوده حالياً زعماء الثوار في حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل في العراق. لذلك، لم تبدِ تركيا استعداداً لمساعدة حزب الاتحاد الديمقراطي عسكرياً في حين تمنح ملاذاً لمئات آلاف المدنيين الذي فرّوا إلى أراضيها. لم تدرك أنقرة أن القتال في كوباني سوف يستقطب اهتماماً عالمياً - فما بالكم بأن يتحوّل رمزاً في المعركة ضد داعش - وهكذا رفضت في البداية طلب حزب الاتحاد الديمقراطي السماح للمقاتلين الأكراد بعبور الحدود السورية مع أسلحتهم الثقيلة للانضمام إلى القتال في كوباني. بدلاً من ذلك اقترحت أنقرة إقامة منطقة عازلة ومنطقة محظورة الطيران شمال سورية، خلافاً لرغبة حزب الاتحاد الديمقراطي. لكن بعدما أقرّت وزارة الخارجية الأميركية في العلن، في 16 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بأنها تجري مباحثات مباشرة مع حزب الاتحاد الديمقراطي، وبعدما نقل الجيش الأميركي جواً أسلحة وذخائر لمقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي في كوباني، تراجعت الحكومة التركية ووافقت في 29 تشرين الأول/أكتوبر الماضي على فتح الممر الذي طالب به حزب الاتحاد الديمقراطي من أجل السماح بعبور قوات البشمركة وآلياتها المدرّعة من كردستان العراق إلى سورية.

بيد أن تركيا اشترطت أن تقتصر حركة العبور إلى كوباني فقط على المقاتلين التابعين لحكومة إقليم كردستان. وفي 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أجاز البرلمان في كردستان العراق نشر قوات البشمركة في كوباني، وهو اليوم نفسه الذي توصّل فيه ممثّلو حزب الاتحاد الديمقراطي وحكومة إقليم كردستان الذين اجتمعوا في دهوك إلى اتفاق حول كيفية تقاسمهم للسلطة في كوباني. يشار إلى أن رئيس حكومة إقليم كردستان، مسعود البارزاني، الذي يُعَدّ الحليف الأقرب إلى أردوغان في المنطقة، يدعم الأحزاب الكردية السورية المعادية لحزب الاتحاد الديمقراطي، أي المجلس الوطني الكردي الذي يضم أحزاباً تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة البارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني. في الأعوام الأخيرة، حاول حزب الاتحاد الديمقراطي القضاء على الأحزاب والمجموعات التابعة للمجلس الوطني الكردي، ومنذ بداية القتال مع تنظيم الدولة الإسلامية، عزّز حزب الاتحاد الديمقراطي أكثر فأكثر قبضته في الأراضي الكردية السورية. عبر السماح لقوات البارزاني بالانتشار في كوباني، أراد أردوغان والبارزاني الاستيلاء على بعض النفوذ الذي خسروه هناك لمصلحة حزب الاتحاد الديمقراطي (وامتداداً حزب العمال الكردستاني). لكن حتى الآن، يبدو أن دخول قوات البشمركة إلى كوباني يقتصر على الطابع الرمزي؛ فقد وافق حزب الاتحاد الديمقراطي، بحسب التقارير والمعلومات، على دخول نحو 150 عنصراً فقط من قوات البشمركة مع أسلحتهم الثقيلة، وهو عدد صغير في مقابل الآلاف من مقاتلي داعش الذين يحاصرون كوباني.

أحد الأسباب وراء رفض الحكومة التركية في البداية التدخّل بحزم دفاعاً عن كوباني هو غضبها من حزب الاتحاد الديمقراطي. لقد سعت تركيا على امتداد عام ونصف العام إلى التحاور مع الحزب وزعيمه صالح مسلم عبر استضافة هذا الأخير مرات عدة في أنقرة لإجراء مشاورات مطوّلة، لكن أشارت معلومات إلى أنها طلبت منه أن يقطع الحزب علاقاته مع النظام في دمشق. إلا أن حزب الاتحاد الديمقراطي، وبدلاً من اتخاذ موقف واضح والانضمام إلى المعارضة السورية الأساسية، سعى إلى تمكين كانتوناته الثلاثة الذاتية الحكم في الشمال. وقد تخوّفت أنقرة من أن تؤدّي هذه الانتهازية إلى "تهديد موقفها في حرب شائكة وهمجية"، ومن أن تعمد قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي إلى إبرام "صفقات مشبوهة مع النظام"، كما كتب ابراهيم كالين، كبير مستشاري الرئيس أردوغان للشؤون الخارجية. على الرغم من أن تركيا لاتصنّف حزب الاتحاد الديمقراطي رسمياً في خانة المنظمات الإرهابية، إلا أن الرئيس أردوغان قال بوضوح إن أنقرة تعتبر أن هناك تنظيمَين إرهابيين (حزب الاتحاد الديمقراطي والدولة الإسلامية) يتواجهان في كوباني، وإنها لن تقف مع فريق ضد الآخر. وقد أثار هذا الخطاب مزيداً من الاستياء لدى أكراد تركيا.

لكن فيما لاتزال كوباني صامدة بعد أكثر من 45 يوماً من القتال، بفضل الهجمات الجوية التي يشنّها الائتلاف والإمدادات التي ينقلها جواً، يزداد الموقف التركي تعقيداً. فحتى لو سقطت كوباني، لقد حصلت الحركة القومية الكردية، سواءً من خلال حزب الاتحاد الديمقراطي أو حزب العمال الكردستاني، على دعاية إيجابية واسعة على خلفية مقاومتها لتنظيم الدولة الإسلامية. فالمعارك تُظهر حزب العمال الكردستاني في صورة قوة منبثقة من السكّان الأصليين تسعى إلى حماية ماتعتبره أراضي كردية، الأمر الذي يُعزّز أكثر فأكثر أوراقها القومية. لايزال مقاتلو حزب العمال الكردستاني الذين هرعوا (إلى جانب قوات البشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان) لإنقاذ الأيزيديين في جبل سنجار في شمال العراق، يكسبون تعاطفاً مع قضيتهم. وقد تُرجِم ذلك من خلال ارتفاع مزيد من الأصوات في الغرب للمطالبة بحذف حزب العمال الكردستاني عن لائحة المنظمات الإرهابية، كما أن بعض النقّاد يعتبرون أنه يجب طرد تركيا من حلف شمال الأطلسي (الناتو) بسبب رفضها مساعدة الغرب في معركته ضد داعش.

وعلى الرغم من أن الحكومة التركية واقفت على السماح بعبور مقاتلي البشمركة إلى كوباني، إلا أن موقفها المعادي بشدّة لحزب الاتحاد الديمقراطي يُهدّد محادثات السلام التي تجريها مع حزب العمال الكردستاني. فمنذ إعلان زعيم الحزب المسجون، عبدالله أوجلان، وقف إطلاق النار في آذار/مارس 2013، فتحت الإدارة في أنقرة (عن طريق حقان فيدان، رئيس جهاز الاستخبارات التركي)، قنوات للحوار مع قيادة حزب العمال الكردستاني من أجل إيجاد سبل لوضع حد للنزاع المستمر منذ ثلاثة عقود. بيد أن موقف الحكومة التركية من أزمة كوباني الذي اعتُبِر مناهضاً للأكراد (وداعماً لتنظيم الدولة الإسلامية)، دفع بقادة حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطية للدعوة إلى التظاهر في مختلف أنحاء البلاد. وقد وقعت أعمال شغب واسعة النطاق بين السادس والثامن من تشرين الأول/أكتوبر الماضي لقي خلالها مايزيد عن ستة وثلاثين شخصاً مصرعهم في المدن الواقعة في الجنوب الشرقي من البلاد، بما فيها على سبيل المثال لا الحصر ديار بكر وباطمان وحقاري وفان. وقد صرّح مسؤولون أتراك أن أنصار حزب العمال الكردستاني أحرقوا مدارس، ونهبوا مكتبات ومتاحف، وهاجموا متاجر ومراكز للشرطة وأشعلوا النار بحافلات وممتلكات عامة. وقد تعرّض العديد من الأشخاص للتعذيب، ولقي البعض مصرعهم، وبينهم فتى في السادسة عشرة من العمر، بسبب لحاهم الطويلة "على طريقة داعش"، ومظهرهم "الإسلامي". في حال سقوط كوباني، قد يحمّل الأكراد تركيا المسؤولية بسبب تقاعسها عن التحرك، وقد تقع أعمال شغب أوسع نطاقاً وأشد عنفاً.

بعد فتح قناة رسمية مباشرة مؤخراً بين الولايات المتحدة وحزب الاتحاد الديمقراطي، بات لدى حزب العمال الكردستاني حافز لسلوك المسار الدبلوماسي نحو الحصول على الشرعية والحكم الذاتي للأكراد. لذلك، من غير المرجّح أن يقطع حزب العمال الكردستاني الحوار مع تركيا عبر استئناف الهجمات المسلّحة. بدلاً من ذلك، قد يعتبر التنظيم أنه من الأجدى به إرجاء الحوار لبعض الوقت فيما تقاتل قواته داعش في العراق أو سورية. بيد أن عدداً كبيراً من القادة الأكراد أعلن مراراً وتكراراً أن سقوط كوباني، في حال حدوثه، سيحمل معه نهاية الحوار.

في الوقت الراهن، تبدو كوباني معركة خاسرة بالنسبة إلى أنقرة. إذا سقطت كوباني، قد يتخلّى أكراد تركيا فعلاً عن الحوار. لكن إذا تمكّنت كوباني من الصمود، فسوف يكون الأكراد ممتنّين للهجمات الجوية التي نفّذتها الولايات المتحدة والائتلاف المناهض لداعش اللذين سيدعمان بدورهما الأكراد باعتبارهم حليفاً ضرورياً جداً على الأرض. وسوف يشعرون بأنهم ليسوا مدينين على الإطلاق لتركيا، وذلك بسبب استمرارها في موقفها الذي يعتبرونه داعماً للدولة الإسلامية. ولاتقتصر هذه النظرة فقط على حزب العمال الكردستاني، فقد أعلن برفين بولدان وسيري سوريا أوندر من حزب الشعوب الديمقراطية بعد زيارتهما جبال قنديل في 18 تشرين الأول/أكتوبر للاجتماع بقادة حزب العمال الكردستاني هناك: "منذ بدء الحصار على كوباني، لاحظ المجتمع الدولي أن حزب العدالة والتنمية يقدّم الدعم لعصابات داعش".

حتى الآن، ساهم صمود كوباني في جعل الأكراد في المنطقة في شكل عام يرصّون صفوفهم أكثر في مواجهة تهديدات داعش، وساعدهم على استقطاب الداعمين على الساحة الدولية. هذه الوحدة الكردية بالذات هي على مايبدو أسوأ كوابيس السلطات التركية، إذ إنها تعزّز فكرة الحكم الذاتي للأكراد داخل تركيا. كان بإمكان أردوغان أن يستخدم كوباني لبناء الثقة مع الأكراد عبر السماح بوصول دعم أكبر لحزب الاتحاد الديمقراطي في معركته ضد داعش، لكنه ساهم بدلاً من ذلك في ترسيخ الفكرة السائدة في أوساط الأكراد القوميين بأن الأتراك ليسوا شركاء مناسبين لهم، وبأن العداوة بين الحركة القومية الكردية والدولة التركية ستستمر أقلّه مادام حزب العدالة والتنمية يمسك بزمام السلطة.

إلهان تانير محلل وصحفي مستقلّ مقيم في واشنطن.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.