على مدى الأسابيع الماضية، تشتدّ وتيرة الصدامات بين المتظاهرين الفلسطينيين والشرطة الإسرائيلية في القدس الشرقية، مادفع بالمراقبين إلى الإشارة إلى أننا قد نكون على الأرجح أمام انتفاضة فلسطينية ثالثة. كما في الانتفاضة التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2000، تحوّل المسجد الأقصى والمنطقة المحيطة به - المعروفة بالحرم الشريف بالنسبة إلى الفلسطينيين وجبل الهيكل بالنسبة إلى اليهود - من جديد إلى رمز للتعبئة على العنف. بيد أن المظالم الكامنة خلف تحرُّك الفلسطينيين في القدس الشرقية مرتبطة بالظروف الاقتصادية والسياسية المتدهورة، وزيادة العزلة، والتعدّي الاستيطاني، وانعدام آفاق المفاوضات. أما في الجانب الإٍسرائيلي، وفي حين سيطرت على الخطاب العام مسألة حق اليهود في الصلاة في الموقع المتنازع عليه، فتبرز السياسة الحزبية الداخلية والخلافات في الائتلاف الحكومي كمحرِّك أساسي للتطوّرات الأخيرة.

من الواضح أن الاحتجاجات الأخيرة - فضلاً عن الهجمات الثلاثة المنفصلة التي شنّها محاربون من القدس الشرقية بصورة منفردة ضد المدنيين والجنود الإسرائيليين في تشرين الأول/أكتوبر ومطلع تشرين الثاني/نوفمبر الجاري - جاءت رداً على السعي الإسرائيلي إلى تغيير الوضع القائم في المقام المقدّس. ينص الاتفاق الحالي المعمول به منذ العام 1967 على أن السلطة الدينية على المسجد الأقصى تعود إلى الوقف الإسلامي، وعلى أنه يُسمَح للمسلمين دون سواهم بالصلاة في المكان، في حين تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية. لكن في الأعوام العشرة الماضية، بذلت مجموعات يهودية يمينية سمح لها المسؤولون الحكوميون بالعمل بحرية شبه مطلقة، جهوداً متزايدة لتشجيع الحضور اليهودي في المسجد الأقصى. بيد أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حذّرت مراراً وتكراراً من العواقب الوخيمة التي يمكن أن تترتّب عن ممارسات هؤلاء الناشطين.

بالفعل، اندلعت اشتباكات حول المسجد الأقصى بصورة متقطّعة خلال الأعوام الماضية، على خلفية وجود مجموعات يهودية يمينية في المكان. لكن بعد تردّد هذه المجموعات بوتيرة متزايدة إلى موقع المسجد في الأشهر الأخيرة، بات عدد كبير من الفلسطينيين مقتنعاً بأن إسرائيل تخطّط من أجل السماح تدريجاً لليهود بالصلاة في المكان، وتقسيمه مكانياً وزمانياً بين المسلمين واليهود، كما حصل في الحرم الإبراهيمي/كهف البطاركة (مقام مقدّس ذو أهمية في الديانتَين) في الخليل. مع احتدام التشنّجات حول القضية، دهس فلسطيني من القدس الشرقية ركّاباً ينتظرون قطار السكة الحديد الخفيفة في المدينة في 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ماأسفر عن مصرع شابة وطفل. وفي 29 تشرين الأول/أكتوبر، أطلق فلسطيني النار على الحاخام يهودا غليك، أحد أبرز الناشطين الذين يدافعون عن السماح لليهود بدخول المسجد الأقصى، فأغلقت إسرائيل الحرم الشريف أمام المؤمنين المسلمين لمدّة يوم واحد. رداً على هذا القرار، دهس فلسطيني آخر من القدس الشرقية جنوداً إسرائيليين بسيارته في 5 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، متسبّباً بمقتل ضابط في شرطة الحدود.

على الرغم من أن قضية الأقصى تؤجّج في الظاهر مشاعر دينية قوية، إلا أن جذور العنف الحالي تعود إلى التحوّل الذي شهدته الظروف الاقتصادية والسياسية في القدس الشرقية. فالمدينة التي كانت في السابق مركزاً للنشاط الاقتصادي والسياسي الفلسطيني في الضفة الغربية بكاملها، تواجه عزلة متزايدة منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية. يجد فلسطينيو الضفة الغربية صعوبة في الذهاب إلى القدس الشرقية بسبب جدار الفصل، كما أغلقت إسرائيل المؤسسات والمكاتب العائدة للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية في المدينة، ماتسبّب بإضعاف مجتمعها الأهلي الذي كان ينبض بالحياة سابقاً. علاوةً على ذلك، تعمّد المسؤولون الإسرائيليون عن بلدية القدس، وهم من اليمين، إهمال أحياء القدس الشرقية أملاً في دفع السكّان الفلسطينيين نحو مغادرتها، ولم يستثمروا فيها سوء مبالغ ضئيلة جداً بالمقارنة مع الأموال التي ينفقونها على الخدمات التعليمية والاجتماعية والبلدية في الأحياء اليهودية. وكذلك سهّلت الحكومة الإسرائيلية انتقال أعداد متزايدة من المستوطنين إلى الأحياء الفلسطينية في محاولة للقضاء على أية إمكانية بتقسيم المدينة في المستقبل وجعل القدس الشرقية عاصمة دولةٍ فلسطينية.

تدرك الحكومة الإسرائيلية أنه من شأن التوتّر حول المسجد الأقصى أن يشعل فتيل العنف على المستوى المحلي وأن تتردّد أصداؤه في أماكن أخرى في المنطقة. فقد استدعت الأردن سفيرها في إسرائيل لإجراء مشاورات، وألغت الاحتفالات في الذكرى العشرين لمعاهدة السلام بينها وبين إسرائيل. حتى إنها هدّدت بإعادة النظر في هذه المعاهدة على خلفية الأوضاع في الحرم الشريف. وكذلك شجبت مصر أسلوب إسرائيل في التعامل مع الملف. كما أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حذّرت من مغبّة التصعيد ولفتت انتباه الحكومة إلى أن اللجوء إلى القوة المفرطة لفرض السيطرة الإسرائيلية على الموقع سيعود بنتائج عكس المتوخاة. لكن بدلاً من العمل على تهدئة النفوس، يستخدم العديد من الأعضاء في الحكومة الإسرائيلية خطاباً نارياً ويزورون المقام المقدس بأنفسهم لتأكيد السيادة الإسرائيلية على جبل الهيكل.

وقد تعمّد أعضاء في حزب الليكود الذي يرأسه نتنياهو، مثل ميري ريغيف وموشيه فيغلين وتسيبي هوتوفلي، الترويج للزيارات التي قاموا بها إلى المسجد الأقصى، وذلك في تحدٍّ لطلب نتنياهو تفادي مثل هذه الاستفزازات. تشكّل خطواتهم هذه جزءاً من المحاولة التي يقوم بها اليمين المتشدّد في الليكود لتحدّي سيطرة نتنياهو على الحزب. فكل واحد من هؤلاء البرلمانيين يسعى إلى أن يُظهر للقاعدة الحزبية التي تتحوّل نحو أقصى اليمين أنه باستطاعته الحلول مكان نتنياهو في انتخابات الحزب المقبلة. وكذلك حظيت الزيارات التي قام بها أوري أريئيل وشولي معلم، العضوان في حزب البيت اليهودي، إلى جبل الهيكل، بتغطية إعلامية واسعة. وقد ندّد زعيم الحزب، نفتالي بينيت، الذي يشغل أيضاً منصب وزير الاقتصاد، بعجز نتنياهو، كما وصفه، عن الرد على الاحتجاجات والهجمات الإرهابية في القدس الشرقية، محاولاً استخدام نسخته عن التشدّد اليميني للحلول مكان نتنياهو في الانتخابات المقبلة. تضع هذه المعطيات نتنياهو في موقف صعب. فهو يدرك من جهة أن التغييرات في الوضع القائم وتفاقم التشنّجات تسبّب صداعاً دولياً لإسرائيل، ليس فقط مع العالم العربي والإسلامي في شكل عام، إنما أيضاً مع حلفائها المقرّبين مثل الأردن ومصر. ومن جهة أخرى، تستند مقاربة نتنياهو السياسية إلى الأمن والحزم في مواجهة الإرهاب، وهو لايريد أن يبدو في موقع المهادِن كما اتّهمه شركاؤه الصقوريون.

يبدو أن الأوضاع الحالية تعكس الظروف نفسها التي أدّت إلى اندلاع انتفاضة الأقصى في العام 2000. ففي تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام، زار أرييل شارون الذي كان آنذاك زعيم حزب الليكود المعارض، المسجد الأقصى، فوقعت اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية والمحتجّين الفلسطينيين وسرعان ماانتشرت إلى باقي الضفة الغربية. وكان الفلسطينيون قد شعروا، بعد فشل محادثات كمب ديفيد قبيل زيارة شارون إلى المسجد الأقصى، بأن العنف ربما يكون السبيل الوحيد للمضي قدماً. واليوم، بعد الإخفاق الذريع الذي منيت به المبادرة التفاوضية الأخيرة التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي جون كيري، يتطلع الفلسطينيون في القدس والضفة الغربية إلى تغيير الاستراتيجية، ويبدو التهديد للمسجد الأقصى - الذي تستخدمه السلطة الفلسطينية وحماس وفصائل فلسطينية أخرى من أجل التعبئة - ملموساً أكثر فأكثر على ضوء ممارسات الأعضاء في الحكومة الإسرائيلية. فقد توقّع نصف المجيبين الفلسطينيين، في استطلاع وطني أجري مؤخراً، أن تؤدّي التشنّجات حول المسجد الأقصى إلى اندلاع أعمال عنف على نطاق واسع.

بيد أن بعض المحللين الفلسطينيين يعتبرون أن "الانتفاضة" المقبلة ستبقى على الأرجح محصورة بالقدس ولن تتحوّل إلى انتفاضة شعبية معمّمة على الأراضي المحتلة. فتفكُّك الأراضي الفلسطينية جغرافياً وسياسياً، وماينجم عنه من شلل، يعني في رأيهم أن حالات العنف ستحدث بطريقة معزولة. فقد فشلت الحرب المدمّرة في غزة مثلاً في توليد انتفاضة شعبية في الضفة الغربية. واقع الحال هو أن الفصل الذي فرضته السياسة الإسرائيلية بين الأجزاء المختلفة من الأراضي المحتلة - فصل القدس عن الضفة الغربية، والفصل بين أجزاء مختلفة من الضفة الغربية، وفصل غزة عن باقي الأراضي - أدّى إلى تفكّك المجتمع الفلسطيني إلى درجة أنه بات من الصعب للغاية تنسيق رد شعبي موحّد. على الأرجح أن ماسنشهده هو زيادة الهجمات المتفرّقة والمنعزلة وغير المنسّقة التي يشنّها فلسطينيون في مناطق مختلفة. لكن حتى لو لم تصل التعبئة الحاشدة والصدامات إلى الضفة الغربية، مايجري في القدس منذ الصيف الماضي يستحق في ذاته تسمية "الانتفاضة".

ليهي بن شطريت أستاذة مساعدة في كلية الشؤون العامة والدولية في جامعة جورجيا في أثينا. محمود جرابعة باحث في مركز إيرلانغن للإسلام والقانون في أوروبا، ومقره ألمانيا. مؤلف "حماس: مسيرة متردّدة نحو السلام" (رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2010). يساهمان بانتظام في نشرة صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.