تنفّذ الشرطة إضرابات في الجزائر على خلفية ظروف العمل القاسية، ويطالب المتظاهرون بتنحية المسؤولين الأمنيين الفاسدين. لكن وعلى الرغم من أن موظّفين آخرين في القطاع الأمني يعبّرون عن مطالب مماثلة، غالب الظن أن هذه التحركات لن تقود إلى تغيير حقيقي. فالانقسامات الداخلية والمصالح الشخصية تقف عائقاً دون إمكانية إجراء إصلاحات جدّية لأنه من شأنها أن تثير غضب النخب في القطاع الأمني. لكن في غياب الإصلاحات الفعلية، تبقى الحكومة معرّضة لمواجهة مزيد من الاضطرابات في حال استمرّت في تجاهل مطالب الشرطة.

في 13 و14 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، نفّذ عناصر الشرطة  في مدينة غرداية جنوب الجزائر إضراباً احتجاجاً على تدنّي الرواتب وعلى المحسوبيات - ليس فقط في أقسامهم إنما في وزارة الداخلية برمتها. وجاءت هذه التحرّكات في أعقاب تزايد الأعمال العدائية المدنية ضد الشرطة بعد مقتل شخصَين وإصابة شرطي بجروح في الجولة الأخيرة من الصدامات بين العرب والبربر الإباضيين. على الرغم من أن عناصر الشرطة في غرداية استأنفوا عملهم في 14 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، يتظاهر زملاؤهم في العاصمة الجزائر تضامناً معهم. ففي اليوم نفسه، نظّم نحو 300 شرطي مسيرة احتجاجية وحاولوا الوصول إلى القصر الرئاسي حيث يقيم بوتفليقة. وقد طالبوا بإنشاء نقابة للشرطة وبتنحية اللواء عبد الغني هامل، المدير العام للأمن الوطني الذي يُعتبَر حليفاً للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، من منصبه على خلفية اتهامه بالفساد واستغلال السلطة.

على الرغم من أن هذه الاحتجاجات كانت محدودة النطاق وتراجعت إلى حد ما، انتشر الغضب إلى شرائح أخرى من الموظفين في القطاع الأمني، لاسيما عمّال الإطفاء الذين تشرف عليهم، شأنهم في ذلك شأن عناصر الشرطة، وزارة الداخلية الموالية لبوتفليقة. وكذلك انضم المسؤولون في الجمارك، وبعض الوحدات العسكرية، وحتى موظّفو المجلس الدستوري إلى احتجاجات الشرطة. وتتراوح مطالبهم من تحسين ظروف العمل وصولاً إلى المطالب السياسية مثل إطاحة اللواء هامل.

على الرغم من أن حكومة بوتفليقة ردّت على المطالب الاقتصادية والمهنية الفورية لعناصر الشرطة، إلا أنها تجاهلت المطالب الجوهرية والتي ترتدي طابعاً أكثر سياسية. فقد وافقت الحكومة على منح القوى الأمنية (بما في ذلك الشرطة والدرك والعسكر وعمّال الإطفاء) زيادات كبيرة في الرواتب مع مفعول رجعي، فضلاً عن القدرة على شراء منازل جديدة بأسعار معقولة. بيد أن المطالب الأخرى، بما في ذلك إقالة اللواء هامل، لم تلقَ تجاوباً. وقد سعت الحكومة إلى الحؤول دون حدوث مزيد من الانتفاضات عبر إقالة العديد من المسؤولين المحليين في الشرطة المتّهمين بتنظيم حركة التمرّد.

واقع الحال هو أن المشكلة الراهنة مع الشرطة هي من عوارض الصراع المستمر على السلطة بين الرئاسة والجيش ودائرة الاستخبارات والأمن. لقد قام فصيل بوتفليقة في الحكم بسلسلة من الإصلاحات - منها إقرار المرسوم 14-183 والذي سبقه اتخاذ العديد من الإجراءات الجذرية من أجل إعادة الهيكلة - بهدف الحد من تأثير دائرة الاستخبارات والأمن والجيش في السياسة. يحول هذا الصراع على السلطة دون القدرة على إجراء أية إصلاحات جوهرية من شأنها تلبية المطالب التي ترفعها القوى الأمنية. في حال أراد بوتفليقة - أو رئيس الوزراء عبد المالك سلال الذي تسلّم معظم مهام الرئيس المريض - التفاوض مع المتظاهرين والتوصّل إلى اتفاق حول إنشاء نقابة للشرطة وإقالة المسؤولين الفاسدين، غالب الظن أن دائرة الاستخبارات والأمن ستقاوم هذه الخطوات.

على ضوء التشنّجات الأخيرة بين دائرة الاستخبارات والأمن وبوتفليقة، لايملك الرئيس ومعاونوه هامشاً كبيراً للتحرّك واتخاذ تدابير من شأنها أن تثير غضب دائرة الاستخبارات والأمن، فقد سبق أن أنفقوا رأسمالاً سياسياً كبيراً على تنفيذ إصلاحات داخل الدائرة. مارست دائرة الاستخبارات والأمن ضغوطاً على معسكر بوتفليقة، عبر التهديد بتسريب ملفات تقدّم إثباتات عن الرشوة والفساد في أوساط حلفائهوقد هدّد معسكر بوتفليقة من جهته بالكشف عن وثائق مورطة لدائرة الاستخبارات والأمن. يحدّ هذا الانقسام من قدرة الحكومة على إجراء إصلاحات مجدية في القطاع الأمني من دون التسبّب بتفاقم التصدّعات القائمة. لقد بنى النظام الجزائري سلطته ونفوذه على قوة المؤسسات الأمنية بما فيها الشرطة لهذا أنفق مبالغ طائلة ووظّف إمكانات وامتيازات هائلة من أجل تلبية مطالبهما.

يبدو أن احتجاجات الشرطة ومايرافقها من أعمال شغب همٌّ ثانوي بالنسبة إلى حكومة بوتفليقة التي تواجه مشاكل أكبر بوجود شخص مريض في سدّة الرئاسة، وعدم توافر خطة واضحة لخلافته، وفي ظل مجموعة من الضغوط الديمغرافية والاجتماعية. يأمل النظام، عبر إنفاق المال لمعالجة المشكلة، في كسب الوقت من أجل تجاوز الانقسامات الداخلية وإجراء إعادة هيكلة قبل تجدّد احتجاجات الشرطة. بيد أن هذا الحل القصير النظر يسلّط الضوء على هشاشة النظام وافتقاره إلى الشرعية بالنسبة إلى الجزائريين. وفي غياب الإصلاحات الحقيقية، ستجد الحكومة صعوبة أكبر بكثير في احتواء التمرّد المقبل.

عبدالله براهيمي خرّيج وزميل في كلية ماكسويل في جامعة سيراكوز، ومستشار مستقل لمنظمات أهلية جزائرية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.