إبان صعود تنظيم الدولة الإسلامية، يتوقّع العراقيون أن يستمر الطابع الطائفي للحكومة الاتحادية في العراق، وأن تفشل في إعادة بناء الجيش العراقي ثانيةً. فضمن هذا السياق من المرجح أن يعزز الاقتراح المدعوم من الولايات المتحدة لإنشاء "حرس وطني" الطائفية ويمنح شرعية للدعوات المطالبة بتقسيم العراق جغرافياً على أساس طائفي.

بعد فشل الحشد الشعبي الذي وصفه رئيس الوزراء حيدر العبادي بالعمود الفقري للجيش العراقي، في إلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية، وحالة انعدام الثقة بين السكان السُنَّة والأجهزة الأمنية التي يسيطر عليها الشيعة، يتم الإعداد لتشكيل قوة سُنيَّة من 120 ألف إلى 200 ألف عنصر، بعد موافقة البرلمان، تحمل اسم قوات الحرس الوطني بالاعتماد على أبناء العشائر السُنيَّة بقيادة ضباط الجيش العراقي السابق للاستعانة بالخبرات المتراكمة لديهم لقتال تنظيم الدولة الإسلامية. تقضي خطة التحالف الدولية بأن تشنّ هذه القوة السنّية عمليات برية ضد الدولة الإسلامية في الأنبار، في حين يمدّها التحالف بالدعم الجوي، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من الاستياء السنّي من التحالف الدولي وقوات الحرس الوطني التي "قد" ترى النور قريباً بسبب تركيز هذه الخطة على الدولة الإسلامية وغض النظر عن الميليشيات الشيعية.

إنّ تشكيل حرس وطني سُنّي بتسليح أقل من تسليح الجيش العراقي وأكثر من تسليح الشرطة المحلية تحت إمرة مجالس المحافظات السُنيَّة قد يزيد من بذور الصراعات الداخلية في العراق في حال رفضت قيادات الحرس الانصياع لأوامر الحكومة الشيعية في بغداد. من المؤكد أنّ الحرس الوطني سيكون أساساً لبناء قوة عسكرية لدولة سُنيَّة مستقلة مستقبلاً في حال تطور الصراع في العراق إلى مراحل تؤسس لحالة انعدام إمكانية المجموعات البشرية في المجتمع العراقي من التساكن، أو التعايش، السلمي. كما أنّ الدعم العسكري لقوات البيشمركة الكردية يعني في النهاية تقوية هذه القوات وتهيئة مقومات إقامة دولة كردية مستقلة، ما يعني في النهاية تقسيم العراق بتدخل المجتمع الدولي على أساس المكونات الطائفية والعرقية.

ومع يقين القيادات السُنيّة السياسية والاجتماعية التي ربما تفضّل الحرس الوطني، بأنّ الجيش العراقي هو جيش تسيطر عليه الميليشيات الشيعية وتستحوذ على قراره، وأنه لا يمكن للحكومة الاتحادية السماح للسُنَّة بتشكيل قوات خاصة بهم على غرار قوات البيشمركة الكردية. ومع أنّ تجربة الصحوات السُنيَّة ما زالت ماثلة في أذهان تلك القيادات التي كانت تنظر إليها كقوة سُنيَّة قادرة على مواجهة الخطرين المتمثلين بتهديدات تنظيم الدولة الإسلامية من جهة والميليشيات الشيعية من جهة أخرى، ومع إدراكهم بأنّ سياسات الحكومة الاتحادية أدت إلى تفكيك تلك الصحوات بشكل متعمد، يسعى السُنَّة لاستثمار الإنجازات العسكرية التي حققتها الدولة الإسلامية وما تشكله من تهديد لا يقف عند حدود المحافظات السُنيَّة بل يتعداها إلى العاصمة وعموم العراق، وتوظيف هذه التهديدات باتجاه تشكيل قوة خاصة بهم، تستمد شرعيتها من قانون قوات الحرس الوطني الذي قد يصدر عن البرلمان.

من المؤكد سيكون للتحالف الدولي أثر ما في إضعاف تنظيم الدولة الإسلامية، والحد من بعض قدراته في المدى المنظور لكنه بالتأكيد سيتبع استراتيجيات جديدة في الحفاظ على وجوده وبقائه وعودته من جديد، حيث قد تتحول الدولة الإسلامية في نهاية المطاف إلى خلايا نائمة تعيش بين السكان المحليين فيصبح من الصعب التمييز بين المقاتلين والمواطنين العراقيين. وحسب تصريحات الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، في 12 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فإن "العدو يتكيّف، واستهداف [تنظيم الدولة الإسلامية] أصبح أكثر صعوبة لمعرفتهم كيفية المناورة وكيفية استخدام السكان والاختفاء بينهم". كما أن الحاضنة الاجتماعية مهيأة لاستقبال تلك الخلايا ورعايتها طالما لم تتم معالجة الأسباب الحقيقية لنشوء تنظيم الدولة الإسلامية وتطوّره وتضخّمه. ومن بينها، إلى جانب تهميش السنّة طيلة عقد من الزمن، استمرار الانتهاكات الطائفية في المدن السُنيَّة على يد الميليشيات الشيعية، كما يحدث في سامراء حيث خُطِف ما يزيد عن 170 شاباً منذ حزيران/يونيو الماضي، والخشية من ارتكاب الشيعة أفعالاً انتقامية ضد السكان السُنَّة، كما حدث في جرف الصخر حيث تم العثور في تشرين الأول/أكتوبر الماضي على مقبرة جماعية تضم 41 شخصاً يُزعَم أنهم قُتِلوا على أيدي الميليشيات الشيعية. هذه الانتهاكات تضع السكان السُنَّة أمام خيار تفضيل البقاء تحت سيطرة الدولة الإسلامية على عودة القوات الأمنية الشيعية إلى مدنهم ثانية، وهو ما يؤدي حتماً إلى عزوف غير المستهدفين مباشرة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية عن الالتحاق بقوات الحرس الوطني.

لقد استفاد تنظيم الدولة الإسلامية من مشاعر السخط في الوسط السُنّي، مستغلاً معاناة العرب السُنَّة عبر خطابه الإعلامي في مواجهة الاستهداف الممنهج لهم، وتدمير مدنهم، وغيرها من ممارسات قوات الحكومة. يأمل التنظيم بأن يساهم استغلال حالة انعدام الثقة بين السكان السُنَّة والأجهزة الأمنية التي يسيطر عليها الشيعة، لاسيما في نينوى والأنبار، في استقطاب السنّة الذين يريدون أن يكونوا جزءاً من الخلافة المنشودة العابرة للحدود الجغرافية. 

لكن الدولة الإسلامية تدرك حجم التهديد الجدي الذي يشكله مشروع تشكيل قوات الحرس الوطني بالاعتماد الكلي على أبناء المحافظات السُنيَّة، الخزان الاحتياطي الذي يمدّها بالمقاتلين. وهي تعمل جاهدة على إفشال مشروع تشكيل الحرس الوطني بشتى الأساليب. وقد ركزت جهودها على ملاحقة ضباط الجيش والشرطة في المحافظات السُنيَّة، إضافة إلى ضباط الجيش السابق -جيش الحقبة البعثية -الذين تم استثناؤهم من إجراءات قانون المساءلة والعدالة للعام 2008، وسيُمنَحون الأفضلية في تسلّم المناصب بموجب مسوّدة مشروع قانون تأسيس قوات الحرس الوطني. وقد طالت إجراءات تنظيم الدولة الإسلامية عدداً من ضباط الجيش والشرطة الذين التحقوا بمراكز التدريب كمتطوعين جدد، أو الملتحقين لإعادة هيكلة الوحدات المنهارة، وتراوحت هذه الإجراءات بين الإعدام لبعضهم أو تفجير منازل البعض الآخر، على خلفية معلومات ترد إلى التنظيم تؤكد ارتباطهم بالحكومة الاتحادية والتنسيق معها.

بعد أسابيع من الضربات الجوية المتتالية التي استهدفت موارد تنظيم الدولة الإسلامية الاقتصادية ومواقعه العسكرية وطرق إمداداته البرية، حققت تلك الضربات نجاحاً نسبياً في تقليص عدد الهجمات على المدن السورية والعراقية. تمكّنت الدولة الإسلامية من إلحاق هزائم متكرّرة بالقوات الحكومية في مدن عدّة. أما في المدن التي تتولى مهمة الدفاع عنها قوات عشائرية أو مناطقية، فلم تتمكّن الدولة الإسلامية من التقدّم بشكل يسيرولكن، ولكل الأسباب أعلاه، من من غير المرجح إن يتمكن الحرس الوطني في تصوره الحالي في القضاء على الدولة الإسلامية. طالما تجاوز الاعتبارات الطائفية اعتبارات الأمن القومي، سوف تبقى فرص نجاح الحرس الوطني في مواجهة الدولة الإسلامية دون تفاقم الصراع الطائفي محدودا في أحسن الأحوال. 

رائد الحامد صحافي عراقي عضو في نقابة الصحفيين العراقيين. يساهم بانتظام في صدى.