عندما أصبحت بلدة كوباني الكردية في سورية - بلدة حدودية بين سورية وتركيا - هدفاً لتنظيم الدولة الإسلامية، ظهر وعي جماعي جديد في أوساط الأكراد في المنطقة، الأمر الذي أفضى إلى حدوث تقارب استراتيجي بين المجموعات الكردية التي هي على خلاف تاريخياً، لاسيما حكومة إقليم كردستان في العراق برئاسة مسعود البارزاني وحزب العمال الكردستاني في تركيا وحزب الاتحاد الديمقراطي في سورية. بيد أن الرهانات المختلفة للأفرقاء في النزاع تلقي أيضاً بثقلها على العلاقات بين الأكراد على الرغم من تنامي إحساسهم بالهوية الجماعية. لكن تحقيق سلام كردي مستقر في الشرق الأوسط لايتوقّف فقط على المصالحة الداخلية الواسعة بين مختلف الأفرقاء الأكراد إنما أيضاً على التوافق الخارجي مع الأطراف غير الكردية - والأمران لايزالان بعيدَي المنال.

ألقى الحصار الذي يفرضه تنظيم داعش على كوباني بثقله على عملية السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، لابل أكثر من ذلك، أشعل صدامات بين المجموعات الكردية المختلفة في تركيا، لاسيما الأكراد الإسلاميين الذين يتبعون حزب الدعوة الحرة (هدى بار) القانوني، والأكراد الأكثر علمانية المقرّبين من حزب الشعوب الديمقراطي القانوني - الذي غالباً مايُربَط بحزب العمال الكردستاني المحظور. أما حزب "هدى بار" فيرتبط في شكل أساسي بالحزب المعروف سابقاً بحزب الله الكردي، وهو تنظيم مسلّح غير قانوني حارب ضد حزب العمال الكردستاني في التسعينيات. وقد أظهرت الاحتجاجات ضد موقف الحكومة التركية من "داعش" في تشرين الأول/أكتوبر الماضي عمق التفاوت الاقتصادي والاجتماعي. فقد عبّر أكراد تركيا المحرومون في الضواحي الفقيرة في المدن الكبرى مثل ديار بكر، عن سخطهم عبر نهب الأملاك العائدة إلى أكراد تركيا الميسورين وإحراقها. يقتضي بناء السلام بين الأكراد اعتماد سياسات تتيح للنخب السياسية الكردية تجاوز الانقسامات الطبقية. لايحتاج أكراد تركيا إلى سلام خارجي مع تركيا وحسب إنما أيضاً إلى سلام داخلي بين المجموعات الكردية المتناحرة في المنطقة.

علاوةً على ذلك، تزيد الأجندات المتباينة للأفرقاء الدوليين من حدّة الانقسامات الكردية. يسعى الرئيس السوري بشار الأسد إلى تأمين استمرارية نظامه في السلطة عبر التضحية بشمال سورية وتركه في عهدة حزب الاتحاد الديمقراطي. ويسعى مسعود البارزاني خلف إقامة دولة مستقلة مع مايرافقها من منافع، وتأمين الإيرادات النفطية من خلال الروابط مع تركيا. أما تركيا فتريد إسقاط الأسد وتتطلّع إلى تجريد حزب العمال الكردستاني من السلاح فضلاً عن إلغاء ممارساته السياسية في شمال سورية. وتسعى الولايات المتحدة بدورها إلى تحقيق هدفَين اثنين من التحالف مع الأكراد: محاربة "داعش" والحفاظ على وحدة العراق. 

عندما تخلّى بشار الأسد ضمنياً عن شمال سورية ووضع السيطرة عليه في عهدة حزب الاتحاد الديمقراطي، ضغطت الحكومة التركية على الحزب من أجل الانضمام إلى الائتلاف المعارض للأسد بقيادة الجيش السوري الحر، لكن حزب الاتحاد الديمقراطي فضّل إلى حد كبير أن يخوض تجربة إنشاء إقليم ديمقراطي ذاتي الحكم بحسب التصوّر الذي وضعه عبدالله أوجلان، الزعيم المؤسس لحزب العمال الكردستاني - خلافاً لفكرة إنشاء دولة قومية متجانسة ثقافياً وذات درجة عالية من المركزية - لاسيما في بلدات الجزيرة وعفرين وكوباني في سورية. وتحوّل شمال سورية أيضاً مسرحاً للمنافسة السياسية بين ائتلاف حزب العمال الكردستاني-حزب الاتحاد الديمقراطي من جهة والأحزاب الكردية السورية المتناحرة المرتبطة بمعظمها بحكومة إقليم كردستان من جهة ثانية.

لقد تحوّل شمال سورية ساحةً للمنافسة السياسية بين تركيا وحزب العمال الكردستاني-حزب الاتحاد الديمقراطي وحكومة إقليم كردستان. فعندما أصبحت المنطقة تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، تحوّلت الحكومة التركية أكثر فأكثر حليفاً مقرّباً من حكومة إقليم كردستان لاسيما خلال العامَين الماضيين حين أصبحت حكومة إقليم كردستان بحاجة إلى حليف قوي على ضوء خلافاتها مع بغداد حول الأراضي وحصص الإيرادات النفطية. وبعدما تعرّضت الحكومة التركية للضغوط الدولية والإقليمية على خلفية الأحداث في كوباني كي تبادر إلى التحرّك على نطاق أوسع، عمدت إلى فتح ممر آمن لعبور قوات البيشمركة التي يرأسها البارزاني من أجل نشر بعض عناصرها في كوباني. 

وكذلك تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا توتّراً على خلفية نظرة كل منهما إلى حزب الاتحاد الديمقراطي. ففي حين تعتبر تركيا أن الحزب هو الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني وتتعامل مع الاثنَين على أنهما تنظيم إرهابي، تُميّز الولايات المتحدة بين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني الذي تصنّفه على قائمة المنظمات الإرهابية. بيد أن اللافت هو أن آسيا عبدالله، الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، قالت في مقابلة مع صحيفة "ميليت" التركية إن حزب الاتحاد الديمقراطي مختلف عن حزب العمال الكردستاني نظراً إلى أن الأول هو حزب سوري يقاتل من أجل سورية موحّدة ومنعاً لحدوث عنف مذهبي. على الرغم من أن حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي يتشاطران ربما آراء متشابهة في مايختص بتطوير نموذج سياسي للأكراد انطلاقاً من فكرة أوجلان عن الحكم الذاتي الديمقراطي، إلا أن جغرافية عملياتهما، أي تركيا وسورية على التوالي، ترسم حدوداً بينهما. لهذا لم تتردّد الولايات المتحدة في الدخول في محادثات مباشرة مع حزب الاتحاد الديمقراطي.

مما لاشك فيه أن حصار كوباني ألقى بثقله نسبياً على عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، لكنه سلّط الضوء أيضاً على الرغبة المشتركة في تحقيق السلام الكردي في الشرق الأوسط. التحدّي المطروح هو أن يتمكّن جميع الأفرقاء من التوصّل إلى رؤية مشتركة حول مقوّمات السلام وتبعاته بالنسبة إلى كل واحد من الأفرقاء. وهكذا، غالب الظن أن حكومة إقليم كردستان وتركيا ستحافظان على العلاقات الوثيقة بينهما. وعلى الرغم من أنه من غير المحتمل أن يعمد حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء سلاحه في خضم التهديد من تنظيم "داعش"، إلا أن الدعم القوي الذي يُقدّمه أكراد تركيا لعملية السلام يعني أن التنظيم لن يشنّ على الأرجح حرباً شاملة جديدة في تركيا. ويستثمر حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بقوة في عملية السلام من خلال خطابه المؤيّد لها، مع الإدراك بأن الكلفة السياسية ستكون باهظة في حال التخلّي عن تلك العلمية. على الرغم من أن كل الأفرقاء يتّفقون في شكل عام على وجوب المضي قدماً بعملية السلام، إلا أن مصالحهم الاستراتيجية هي التي ستُحدّد على الأرجح ماستسفر عنه المساعي من أجل تحقيق السلام الداخلي بين الأكراد من جهة ونتائج محادثات السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني من جهة ثانية.

سرحون آل طالب دكتوراه في كلية العلوم السياسية في جامعة يوتاه.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.