منذ سقوط نظام معمر القذافي، ترافق الاقتتال على الموارد والنفوذ في مختلف أنحاء ليبيا التي تعاني من انقسامات حادّة، مع تغييرات في الولاءات القبلية. وقد انعكست هذه النزاعات المحلية في السياق السياسي الأوسع والمشحون في ليبيا، بوجود حكومتَين وبرلمانَين وقوى وأيديولوجيات متناحرة.

تحالفت الفصائل المتناحرة في ليبيا مع مجموعات في الجنوب، مايزيد من حدّة النزاعات المحلية ويؤدّي إلى الإخلال بالأمن في المنطقة الحدودية.حارس تبو للنفط، صدرت الصورة عن ريبيكا موراي.

حكَم القذافي عبر اعتماد مبدأ "فرّق تسد"، من خلال تأليب القبائل المحلية بعضها على بعض، على غرار المواجهة بين قبيلة أولاد سليمان العربية النافذة في سبها، المدينة الأكبر في إقليم فزان، وقبيلة التبو. خلال ثورة 2011، وضع التبو رهاناتهم في سلة التمرد وشكّلوا قوة قتالية على طول الحدود الجنوبية، في حين تحالفت قبيلة الطوارق الصحراوية شبه البدوية التي هي أيضاً من السكان الأصلين للبلاد مع القذافي الذي وعدهم بالحصول في المقابل على الحقوق المدنية. على الرغم من وجود قبيلتَي الطوارق والتبو في مقلبَين متناقضَين، لم يشهر أيٌّ منهما السلاح في وجه الآخر. وفي العام 2012، خلال الانتخابات الوطنية التي أعقبت الثورة في ليبيا، أقبل أبناء القبيلتَين اللتين تعيشان جنباً إلى جنب في حي الطيوري الفقير في مدينة سبها، على الاقتراع بكثافة للسلطة العتيدة في ليبيا جديدة. لكن سرعان مااندلعت حروب إقطاعية بين القبائل العربية وقبيلة التبو في سبها للسيطرة على التجارة الحدودية المربحة، ماأسفر عن مقتل أكثر من 150 شخصاً في آذار/مارس 2012، والعدد نفسه في كانون الثاني/يناير 2014.

في الصدامات العنيفة التي تشهدها ليبيا حالياً بين القبائل، سقطت الاصطفافات التي كانت قائمة خلال الثورة. فقبيلة التبو التي منحها المجلس الوطني الانتقالي السيطرة على الحدود الجنوبية  في البداية، رصّت صفوفها مع قبيلة الزنتان المتحدّرة من الشمال الغربي التي حاربت ضد القذافي وتتحالف حالياً مع حكومة "الكرامة" التي تتخذ من طبرق مقراً لها، وذلك من أجل الدفاع عن حقول الشرارة النفطية بعد الثورة، ماأدّى إلى إقصاء قبيلة الطوارق وحرمانها من حصّتها. و"القوة الثالثة" المصراتية موجودة الآن عسكرياً في سبها لدعم أولاد سليمان الذين وصفتهم بحلفائها وشركائها العرب التقليديين، في معركتهم لاستعادة السيطرة من قبيلة التبو على حواجز التفتيش والحدود. وكذلك يتعاون المصراتيون مع حلفائهم الجدد غير المتوقَّعين، قبيلة الطوارق، للسيطرة على الشرارة والصحراء في الجنوب الغربي قرب الجزائر والنيجر. وقد أعلن قائد عسكري في سبها: "نحن هنا لإنقاذ الجنوب"* - وهو يقصد على الأرجح الحرب القبلية المحلية للسيطرة على الطرقات المربحة لتهريب الأشخاص والوقود والطعام والأسلحة والمخدرات والكحول، فضلاً عن السيطرة على الموارد الطبيعية مثل حقل الشرارة النفطي. 

في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، انتزع مقاتلو الطوارق السيطرة على الشرارة من قوة أمنية ضعيفة تابعة لقبيلتَي الزنتان والتبو اللتين كانتا منهمكتين بالنزاعات في الشمال وفي بلدة أوباري المجاورة ولم تكونا بالتالي قادرتَين على القتال. وهكذا تقدّمت القوات العسكرية المصراتية ونشرت قوات الطوارق - التي تضم عناصر من ليبيا وآخرين عادوا من الحرب في مالي - لحماية حدود الحقل النفطي. بعد السيطرة على حقل الشرارة، توقّفت شركة "ربسول" النفطية الليبية-الإسبانية عن الإنتاج بعدما كانت تنتج سابقاً 340000 برميل من النفط الخام يومياً. وقد ردّت قبيلة الزنتان بإغلاق صمام في خط الأنابيب على بعد مئات الكيلومترات في موقع أقرب إلى البحر. وكذلك أُغلِق حقل الفيل النفطي المجاور جراء المشاكل في التيار الكهربائي والمشاغل الأمنية، فأصبح باقي الإنتاج في ليبيا يرتكز في الجزء الأكبر منه في الحقول النفطية في الغرب. بعد التراجع الكبير في الإنتاج النفطي الليبي الذي كان قد شهد طفرة إبان الثورة مع إنتاج 1.4 مليون برميل في اليوم، عاد ليسجّل ارتفاعاً من جديد هذا العام مع بلوغه 800000 برميل في اليوم، ويشكّل 95 في المئة من الاقتصاد الليبي.

انطلاقاً من جود حكومتَين في ليبيا، هناك وزيران للنفط ورئيسان للمؤسسة الوطنية للنفط. وقد مُنِع وزير النفط المنتمي إلى المؤتمر الوطني العام من حضور اجتماع منظمة البلدان المصدّرة للنفط (أوبيك) في فيينا في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي في حين سُمِح لوزير النفط في حكومة طبرق التي تحظى بالاعتراف الدولي، بالمشاركة. يتم توزيع العائدات النفطية بالتساوي عن طريق المصرف المركزي الليبي الذي لايزال يتمتع حتى الآن باستقلال ذاتي. ويبقى الوضع ملتبساً وضبابياً جداً بالنسبة إلى معظم المستثمرين الدوليين في قطاع النفط الذين يتفرّجون على الفوضى في ليبيا من دون أن يحرّكوا ساكناً، شأنهم في ذلك شأن الجزء الأكبر من المجتمع الدولي. لكن على الرغم من دوّامة العنف، يقول المحلل المتخصص في شؤون الطاقة ريتشارد مالينسون: "يبدو أن مختلف الفصائل لاتزال قادرة على تقاضي الرواتب الحكومية، بغض النظر عن الجهة التي تقف فيها، ولذلك لديها مصلحة في السماح باستمرار الإنتاج النفطي، كي يستمر تدفّق الإيرادات. ثم يستحوذ المنتصر على كل شيء"*.

على بعد عشرات الكيلومترات شرق حقل الشرارة، اشتدّ القتال في بلدة أوباري خلال الشهر المنصرم، بعد اندلاع نزاع بين قبيلتَي الطوارق والتبو في أيلول/سبتمبر الماضي، ماأدّى إلى انهيار الهدنة الطويلة. يشتبه كثرٌ في أن قوى خارجية، على غرار المصراتيين، تتعاون مع حلفاء محليين للسيطرة على التجارة الحدودية المربحة تحقيقاً لمآربها الاقتصادية والسياسية. يقصف الطوارق الذين يسيطرون على قمة جبال أكاكوس المجاورة، البلدة بالمدفعيات الثقيلة. ويتمركز المسؤولون الاستخباراتيون من مصراتة في معسكرات في بلدة جرمة المجاورة بانتظار دخول أوباري و"إحلال السلام"، كما قال أحد المقاتلين*. تؤكّد منظمة الهلال الأحمر مقتل وإصابة العشرات في أوباري، وبحسب تقديرات المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، نزح نحو 11000 شخص، معظمهم من العائلات، من أوباري إلى سبها أو مرزوق أو الغاط على الحدود مع الجزائر.

لقد تعثّرت محادثات السلام بين مكوّنات المجتمع في هذه الأجواء المشحونة، ويلقي عدد كبير من أبناء قبيلة التبو وبعض الطوارق الليبيين اللوم على المصراتيين محمّلين إياهم مسؤولية التحريض على حمام الدماء ومواصلة أعمال العنف على الرغم من الاعتراضات. بدورهم يزعم المصراتيون وحلفاؤهم من قبيلة الطوارق بأن مقاتلي التبو هم مرتزقة من تشاد مدعومون من حكومة طبرق. وقد طالب أحد مستشاري الطوارق، عيسى السنوسي، في اجتماع مع قائد عسكري مصراتي، بطرد التبو من أوباري كي يحل السلام فيها*.

في غضون ذلك، يشعر المجتمع الدولي، لاسيما الولايات المتحدة وفرنسا، بالقلق إزاء الأدلة التي تُظهر أن الطوارق الليبيين يحصلون على المساعدة من أبناء قومهم العائدين من الحرب في مالي، ومن الجماعات الإسلامية المتطرفة لاسيما جماعة "كتيبة 315" التي يقودها أحمد الأنصاري (وهو نسيب القائد السابق لجماعة "أنصار الدين" في مالي)، ومن المصراتيين المرتبطين ارتباطاً غير وثيق بجماعة أنصار الشريعة والقتال الذي تخوضه في الشمال الشرقي. وكذلك تسري شائعات عن وجود تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي في مدينة أوباري. 

في غياب حكومة ليبية مستقرة، وفي ظل انعدام سيادة القانون وعدم وجود قوة حرس فعالة عند الحدود، أنشأت الولايات المتحدة قاعدتَين عسكريتين في النيجر المجاور لتسيير رحلات مراقبة، بادعاء أنها تملك أدلة عن وجود معسكرات للتدريب في الشمال الشرقي تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، وانتشرت القوات الفرنسية على مسافة أقرب من الحدود الليبية. نقطة التركيز الأساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وفرنسا في ليبيا الآن هي مكافحة الإرهاب. وفي حين يسيطر المصراتيون والطوارق حالياً على الجزء الأكبر من الجنوب الغربي، تزداد المخاوف من احتمال فتح ممر لتهريب المقاتلين والأسلحة من هناك إلى الشمال الشرقي، الأمر الذي يستدعي اهتماماً ملحاً من الدول الغربية.

ريبيكا موراي صحافية مقيمة في الشرق الأوسط تساهم بانتظام في قناة الجزيرة الإنجليزية وموقع Middle East Eye. ساهمت في تأليف الكتاب الذي سيصدر قريباً "الثورة الليبية وتداعياتها" (هورست).

تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

* مقابلة مع الكاتبة.