في ذكرى استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بدأ طلاب الروضة في المدرسة الأقدم في عرسال يرسمون علم جبهة النصرة وعلم الدولة الإسلامية (داعش) عندما طلبت منهم المعلمة رسم علم بلادهم. تقع عرسال على الحدود اللبنانية المضطربة مع سورية في الشمال الشرقي، ولطالما عُرِفت بتأرجحها بين دولتَين. وقد جاءت التطورات الأخيرة لتضاف إلى التهميش الاقتصادي والاجتماعي وعدم المساواة في الوصول إلى الخدمات الحكومية، فشكّلت الحرب السورية تحدّياً جديداً للبلدة الحدودية. في وقتٍ يسعى فيه لبنان إلى إقامة جبهة موحّدة في مواجهة التهديد الأمني الخارجي، كما يوصَف، يؤدّي عجز الدولة اللبنانية عن تحديد المكان الذي تتموضع فيه عرسال إلى تفاقم العدوانية التي ينظر بها الرأي العام والدولة إلى هذه البلدة. تُقدّم عرسال التي تُصوَّر بأنها بؤرة التشنّجات والعنف، واجهة أمامية تُطلّ على المعارك الجغرافية والأيديولوجية للحرب السورية وتداعياتها على لبنان. لكن غالباً مايتم تجاهل هويات سكّان البلدة، اللبنانيين والسوريين على السواء، وواقعهم وتطلعاتهم. 

وُضِعت عرسال تحت الأضواء في آب/أغسطس 2014 عندما تحوّلت ساحةً للجولة القتالية الأولى في لبنان مع عناصر جبهة النصرة وداعش. فبعد توقيف قيادي في المعارضة السورية عند حاجز تفتيش في عرسال، شنّ الثوّار المحاصَرون هجوماً على ثكنات للجيش في البلدة انطلاقاً من الجرود الحدودية التي لجأوا إليها بعد سيطرة النظام السوري على القلمون. في مشاهد ترمز إلى سيطرة داعش على أراضٍ لبنانية، تجوّل المقاتلون في شوارع عرسال الرئيسة على متن دبابات استولوا عليها من الجيش اللبناني ورفعوا عليها أعلام الدولة الإسلامية. وقد أرسل حزب الله والجيش اللبناني تعزيزات حاربت، طيلة أسبوع تقريباً في مطلع آب/أغسطس الماضي، المسلّحين إلى أن نجحت الوساطة التي قامت بها هيئة العلماء المسلمين المدعومة من السنّة بالتوصّل إلى وقف إطلاق نار. فحلّ السخط الشديد والاستياء في عرسال التي أصبحت محط الأنظار والترقّب. ففي حين عمّت النقمة في مختلف أنحاء لبنان بسبب احتجاز أكثر من ثلاثين جندياً وعنصراً من قوى الأمن لدى الثوار خلال انسحابهم إلى جرود البلدة، انصبّ غضب أبناء عرسال على القصف المكثّف من الجيش اللبناني الذي أدّى إلى تدمير منازل السكان ومخيمات النازحين السوريين على السواء.

هذه الأحداث البارزة التي عزّزت المخاوف العامة من التشدّد الإسلامي في لبنان - ولاتزال تجرّ البلاد إلى مفاوضات ترزح تحت وطأة التجاذب المذهبي من أجل تحرير الرهائن المتبقين - تتعارض مع واقع عرسال، هذه البلدة المنسيّة جغرافياً التي تتوغّل عميقاً في سلسلة لبنان الجنوبية والمحجوبة عن الرؤية لبُعدها عن طرقات المنطقة الرئيسة. وهكذا أدّت عزلتها دوراً محورياً في الاضطرابات والتقلّبات التي تشهدها علاقتها بلبنان وسورية على السواء. يشدّد أبناء البلدة: "الدولة نسيتنا"، في إشارة إلى النقص في الخدمات العامة والمدارس والمستشفيات وفرص العمل منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية. والبلدة التي تعاني من الإهمال على يد حكومتها، تعاملت مع تهميشها على المستوى الوطني عبر التحوّل نحو سورية وإقامة روابط معها. في حين أن أبناء عرسال معادون تاريخياً للنظام السوري واحتلاله للبنان، لطالما أيّدوا الروابط الشخصية والاستراتيجية عبر الحدود مع السوريين. وقد اعتمدوا، في غياب الدولة، سياسة الحدود المفتوحة لتأمين معيشتهم وبقائهم الاقتصادي عن طريق التجارة والتهريب.

ألقى اندلاع الحرب في سورية بضغوط جديدة على علاقة عرسال بلبنان وسورية على السواء. من الجهة اللبنانية، شعرت القرى الشيعية المحيطة بالبلدة بأن عرسال ذات الغالبية السنّية تشكّل أرضاً خصبة لإيواء مجموعات الثوار المتشدّدة نظراً إلى تعاطفها مع أبناء دينها في سورية وقربها من الحدود بعيداً من أية ضوابط. وقد وصل مئة ألف نازح هربوا من معركة القلمون في تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر إلى عرسال، فتضاعف عدد سكّانها ثلاث مرات في غضون أشهر. 

يتحدّث أبناء عرسال بتأثّر عن فتح منازلهم لإيواء الأسر السورية التي تدفّقت إلى البلدة في عزّ الشتاء. قالت أرملة سورية وهي تشير بيدها نحو الغرب: "أبناء عرسال طيّبون، إنهم سنّة وبمثابة إخوة لنا. نحن مرتاحون هنا، خلافاً للوضع هناك في لبنان"، في تمييز واضح بين البلدة وباقي لبنان. صحيح أن السوريين استطاعوا أن يحصلوا على ملاذ في عرسال بفضل العلاقات عبر الحدود، لكن كما في المناطق الأخرى في لبنان، ألقت موجة النازحين بأعباء كبيرة على المجتمع المضيف. تظهر هذه الشنّجات من خلال تناقص عدد الحفلات التي يحييها أحد مطربي الأعراس المحليين: فبعدما غنّى في مئات الحفلات في العام 2012، لم يتمكّن سوى من إحياء عشر حفلات هذا العام بسبب المنافسة من المغنّين السوريين الذين يطلبون أجراً أقل، كما أن حفلات الأعراس تشهد تراجعاً بسبب التأثير المتزايد الذي تمارسه الآراء الدينية المتشدّدة.

تجسّد عرسال، أكثر من أي مكان آخر في لبنان، المحاولات غير الفعالة التي تبذلها الدولة لاحتواء العنف وأزمة النازحين السوريين على السواء. فقد عاود لبنان الذي قال رئيس وزرائه تمام سلام إنه يمرّ بمرحلة خطرة في تاريخه، التركيز على الحلول العسكرية، بما في ذلك من خلال أبراج المراقبة الحدودية المموّلة من جهات خارجية وصفقات السلاح التي تبلغ كلفتها مليارات الدولارات. وقد تحوّلت عرسال بؤرة للإجراءات الأمنية الجديدة، ماجعل أبناءها يعتبرون أنهم يعيشون في مايشبه الحصار. فقد أُغلِقت الحدود التي تشكّل شريان الحياة بالنسبة إلى البلدة، وانتشرت مراكز المراقبة على التلال، ويتوزّع سبعة عشر حاجز تفتيش حول مداخل البلدة وجرودها حيث يوجد العدد الأكبر من المقالع والحقول الزراعية (مصدرَي الرزق الأساسيين).

فضلاً عن ذلك، أثّرت الخطوات الجديدة التي تهدف إلى ضبط التحركات السورية المشبوهة، في أوضاع النازحين الذي يعانون أصلاً من أزمة إنسانية. فنحو ألفَي عائلة سورية محاصرة خلف حواجز التفتيش من دون إمدادات ولاخدمات طبية، في حين يعجز النازحون المقيمون في المخيمات داخل عرسال عن التنقّل والخروج من البلدة تحت طائلة اعتقالهم تعسفياً عند حاجز التفتيش الرئيس. ومع حلول فصل الشتاء، دفع الحصار المستمر بعمال الإغاثة المحليين الذين لايزالون يعملون في عرسال، إلى توجيه دعوات متواصلة لعودة المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، بعدما كانت قد علّقت عملياتها في عرسال خلال أعمال العنف في آب/أغسطس الماضي بسبب انعدام الأمن.

وأبناء عرسال اللبنانيون غاضبون أيضاً من الإجراءات الأمنية التي لاتميّز بينهم وبين السوريين. لايسمح الجيش اللبناني للسيارات المتّجهة إلى جرود عرسال بإدخال أكثر من ربطتَي خبز في السيارة الواحدة، وقد روى أحد عمّال المقالع أن الجنود أرغموه على نقل مئتَي برميل من النفط في حاويات تّتسع لعشرين ليتراً، بهدف الحؤول دون وصول التموينات إلى الثوار السوريين. لم يعد أبناء عرسال يثقون بالجيش اللبناني منذ أخمد انتفاضتهم ضد الرئيس شمعون في العام 1958، ويعتبرون أنه يتعامل بيدٍ من حديد مع طائفتهم. علاوةً على ذلك، يؤدّي تعزيز التعاون بين الجيش وحزب الله ضد مجموعات الثوار القادمين من سورية - فضلاً عن تغاضي الجيش عن قيام قرويين شيعة بمنع الدخول إلى البلدة والخروج منها - إلى تأجيج المظالم السنّية وعدم ثقة السنّة بالمؤسسة العسكرية.

يسلّط الالتباس الذي وقع فيه التلاميذ في رسم العلم اللبناني، الضوء على موقع عرسال عند تقاطع مزيج متوسِّع من القوى المحلية والعابرة للأوطان. كما أنه يُظهر المسافة التي أقامتها الدولة بينها وبين بلداتها الحدودية جراء قصر النظر في مقاربتها للأمور. إلا أنه لايعبّر عن الانتماءات الأيديولوجية الفعلية بقدر مايؤشّر إلى التباس علاقتهم بالدولة وعدم يقينهم من اعترافها بهم، كما أنه يُبرِز الحاجة إلى التعامل مع الأسباب الكامنة خلف الإقصاء والاستياء.

قال الشيخ سميح عز الدين، أحد أبناء عرسال وعضو هيئة العلماء المسلمين التي تشرف على الوساطات من أجل تحرير الرهائن: "لقد تحوّلت عرسال إلى سجن كبير. يحاصرنا المجموعات المسلّحة من الشرق، والقرى الشيعية التي حزب الله تدعمها من جهة أخرى، والجيش اللبناني يعرقل الطرق"، مضيفاً: "لايمكن تسوية مأزق عرسال عن طريق الحلول العسكرية". تؤوي الشقوق اللامتناهية والتلال المعزولة في عرسال سكّاناً معتادين على الحكم الذاتي، لكن أبناء البلدة يتوقون للانتماء إلى لبنانٍ قوي يعتني بهم بطريقة إيجابية بوصفهم أشخاصاً يتمتّعون بالمواطنة الكاملة بدلاً من التعامل معهم فقط من خلال المنظار الأمني. تسلّط أزمة الرهائن الحالية الضوء على تطلّعات السكان الحقيقية التي كان يجب تلبيتها قبل وقت طويل: الأمان للنازحين، والخدمات الكاملة من الدولة، والقدرة على الوصول بأمان إلى بيروت من دون عرقلة من القرى الشيعية المجاورة، وبالطبع، وضع عرسال من جديد على الخريطة اللبنانية.

مايا هوتفوي مصوّرة وثائقية مقيمة في بيروت تغطّي القضايا الاجتماعية والإنسانية في المنطقة. تركّز على بناء المهارات البصرية في رواية القصص في المجتمعات المحلية المهمّشة من خلال التصوير الفوتوغرافي الإشراكي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.