دمّرت الحرب الأهلية في ليبيا الجزء الأكبر من مؤسسات الدولة الوليدة التي ظهرت بعد سقوط معمر القذافي. لعل الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور هي المؤسسة الوحيدة المتبقّية التي لايُثار جدل كبير حول شرعيتها الديمقراطية. لكن من شأن التشنّجات الداخلية والضغوط الخارجية أن تدمّر هذه المؤسسة أيضاً، الأمر الذي يحدّ من احتمالات التوصّل إلى نظام سياسي جديد في ليبيا.

أثار قيام المحكمة العليا بحل مجلس النواب في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 2014، صدمةً على الصعيدَين المحلي والدولي. فعلى الرغم من أن شرعية المجلس كانت موضع خلاف، إلا أنه كان هناك أملٌ بإمكانية التوصّل إلى اتفاق يُعيد إلى مجلس النواب مصداقيته ويجعله طرفاً أساسياً في صنع السلام. وقد أدّى حل مجلس النواب إلى تسليط الأضواء أكثر على الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، لاسيما في نظر المجتمع الدولي. وولّد التركيز المتزايد على الهيئة تشنّجات في صفوفها، مع العلم بأنها حاولت حتى الآن الحفاظ على تماسكها عبر الابتعاد عن الاستقطاب السياسي الذي يشكّل حاليا مطالبات متنافسة للشرعية بين الحكومتَين.

على مستوى قانوني، قد يُنظَر إلى قرار المحكمة العليا بأنه يقوِّض الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور ويضعها أمام تحدّيات قضائية. فقد كُلِّفت الهيئة في الأصل إتمام مهمتها في غضون 120 يوماً. بما أنها بدأت عملها في 21 نيسان/أبريل 2014، فهذا يعني أن المهلة انتهت في آب/أغسطس 2014. لكن في آذار/مارس الماضي، عدّل مجلس النواب الليبي الإعلان الدستوري الذي حدّد إطار العمل لمرحلة مابعد القذافي، وجاء في التعديل أن مجلس النواب المقبل سيتولّى مهمة التمثيل الديمقراطي خلال مرحلة انتقالية تمتدّ ثمانية عشر شهراً إلى حين إقرار الدستور الجديد. وقد اعتُبِر أن هذا التعديل يعني ضمناً تمديد عمل الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور من 120 يوماً إلى 18 شهراً. لكن قرار المحكمة العليا اعتبر التعديل غير دستوري، مايعني انتفاء الأساس القانوني لمجلس النواب، وبالتالي سقوط المهلة الزمنية الممدّدة.

تقنياً، يمكن اعتبار أن الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور تواصل عملها بعد انتهاء المهلة الأصلية، لكن السؤال إذا كان انتهاء المهلة القديمة يبطل الأساس القانوني للهيئة أم لا مفتوحٌ للنقاش. الحجّة الأفضل التي تستطيع الهيئة أن تقدّمها الآن في مواجهة التحدّيات المحتملة لقانونيتها وشرعيتها هي أنها تتمتّع، وسط تصاعد الفوضى، بتفويض ديمقراطي قوي، وبأنها ستحدّد، من الآن فصاعداً، جداولها الزمنية بنفسها، وتفعل كل الإجراءات اللازمة للتحقيق على مهماتها.

لكن النظرة إلى شرعيتها ستتأثّر أيضاً بأدائها. فالهيئة ستحظى بقبول أكبر إذا أظهرت قدرتها على إيجاد أرضية مشتركة بين المجموعات المتناحرة، وتحقيق تقدّم ملموس في مهمتها الأساسية المتمثّلة في صياغة دستور جديد. بيد أنها تواجه ضغوطاً خارجية من البرلمانَين المتنافسين في طرابلس وطبرق، ومن الأفرقاء السياسيين في الجهتَين ومن الرأي العام. على سبيل المثال، في الأسابيع الأخيرة طلب المؤتمر الوطني العام في طرابلس ومجلس النواب في طبرق مؤخراً الحصول على معلومات محدَّثة عن سير عمل الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، لكن من شأن أي تقرير ترفعه الهيئة إما إلى المؤتمر الوطني العام وإما إلى مجلس النواب أن يُفسَّر بأنه اعتراف بواحد منهما دون الآخر.

علاوةً على ذلك، تواجه الهيئة خطر تفاقم التصدّعات في صفوفها، مع ميل بعض أعضائها أكثر نحو هذا المعسكر أو ذاك في النزاع الليبي. يناقش أعضاء الهيئة ورئاستها صلاحياتهم وإلى أي حد يمكن للرئاسة أن تتكلّم باسم الهيئة ككل. وتبدي الرئاسة تلهّفاً شديداً لنشر بعض النتائج الملموسة، مثل نصّ أول للدستور، بحلول نهاية كانون الأول/ديسمبر الجاري، كما واعدته العام الماضي. لكن على ضوء وتيرة تقدم الهيئة، الآن هو أكثر احتمالا أنّ الهيئة سوف تستطيع أن تصدر الخلاصات الأولى فقط حول المسائل الدستورية الرئيسية. هذه الضغوط مفهومة: على الهيئة أن تبرّر فائدتها ووجودها كي لايتكوّن انطباع بأنها ليست سوى مجرد فلول خلّفتها مرحلة انتقالية فاشلة. إلا أن عدداً كبيراً من أعضائها يشعرون بأنهم مازالوا عاجزين إلى حد كبير عن تقديم خلاصات أولى. في البلدان الأكثر استقراراً، غالباً ماتستغرق صياغة الدستور عاماً أو اثنَين. نظراً إلى الوضع الأمني في ليبيا وبما أن الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور عبارة عن هيئة تداولية جماعية، لايريد هؤلاء الأعضاء أن يخضعوا للضغوط من رئاستهم أو من الرأي العام لنشر خلاصات يعتبرونها سابقة لأوانها.

وجهتا النظر منطقيتان: فعلى الرغم من أنه ينبغي على الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور أن تولّد لدى الناس شعوراً بالثقة بأنها ستقدّم نتائج ملموسة - وسوف تتواصل بفعالية أكبر مع الرأي العام - إلا أنه من شأن الاستعجال في نشر خلاصات من دون إجماع كافٍ داخل الهيئة أن تكون له تداعيات وخيمة ولو بدا في الظاهر أن الهيئة حققت انتصاراً. الأولوية الأهم بالنسبة إلى الليبيين والمجتمع الدولي على السواء هي إعطاء أعضاء الهيئة فسحةً لمناقشة خلافاتهم كي يتمكّنوا من التوصّل إلى تفاهم مشترك بالاستناد إلى قدر كافٍ من النقاش والتداول، بأسرع وقت ممكن. ويجب أن تتوافر هذه الفسحة في المدى القصير كي يتمكّنوا من تقديم نتائج ملموسة بحلول نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر الجاري، وكذلك في المدى الطويل من أجل إنجاز صياغة مسودة الدستور. ومن شأن هذا السيناريو أن يُظهر أيضاً أنه بإمكان الهيئة أن تتجاوز الخلافات عن طريق المفاوضات، فتشكّل بذلك سابقة مهمة في ليبيا التي تعاني من استقطاب شديد.

تملك الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور القدرة على تأدية دور في إعادة السلام إلى الربوع الليبية. فهي الهيئة المنتخبة ديمقراطياً المكلّفة إيجاد حلول دستورية للمشاكل الكبرى التي تتخبّط فيها ليبيا، لاسيما إدارة الموارد النفطية، واللامركزية، وحقوق الأقليات، ودور الدين، ونظام الحكم. وبما أنها تتمتّع بالسيادة، يمكنها معالجة المسائل الطويلة المدى التي تُعتبَر أساسية من أجل التوصّل إلى سلام بين المجموعات الكثيرة الضالعة في القتال في ليبيا. يكمن التحدّي الآن في إبقاء الهيئة معزولة عن الانقسامات المتفاقمة، مع تفعيل نتائج هذه المفاوضات الدستورية بهدف استتباب النظام بصورة دائمة. إنها ميزة أساسية أن تتمتّع ليبيا بآليةٍ تستند إلى تفويض ديمقراطي وإلى قوانين محدّدة. لكن إذا فشلت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور في مهمتها، فسوف يُضاف مزيد من المسائل العالقة إلى مفاوضات السلام في المستقبل.

عمر ولد داده و. حمادي مدير منظمة Democracy Reporting International في ليبيا ومايكل ماير-ريزندي مديرها التنفيذي، وكلهما محامان دستوريان. تدعم المنظمة الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور من خلال مشروع تموِّله المملكة المتحدة وسويسرا.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.