فشلت حكومة التوافق الفلسطينية في  تقديم حلول لمشاكل الفلسطينيين الأكثر إلحاحاً، وتشعر حماس على وجه الخصوص بأن المصالحة الأخيرة مع فتح لم تقدّم لها طوق النجاة الذي كانت تنشده في غزة، ويستشهد قادتها وأعضائها فشل الحركة في إحراز تقدم في إعادة الأعمار بعد الحرب الأخيرة، والمسألة الخلافية التي تثيرها رواتب موظفي الحكومة، والمشاغل الأمنية الناجمة عن تفاقم أوضاع المعابر. ومنذ كانون الاول/ديسمبر 2، انقضاء الإطار الزمني لحكومة التوافق المحدد بستة أشهر، تجد حماس نفسه مرغمة على التحرك، لكن خياراتها محدودة.

تتعاظم التشنّجات مع حكومة التوافق حول عدد من المسائل المهمة. بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، يتهم الفلسطينيون في غزة حكومة التوافق القائمة بعدم التسريع بإنجاز مسيرة إعادة الإعمار، ودخولها في إشكاليات إدارية وبيروقراطية مع حماس حول اتفاقات محلية وإقليمية ودولية متعددة لمراقبة دخول مواد البناء المسموح بها إلى غزة. أما حماس من جهتها فتشعر بأن التباطؤ الحاصل في إعادة الإعمار هو محاولة لتقويض الدعم والشعبية اللذين تتمتع بهما الحركة في غزة. تزعم حماس أيضاً أن حكومة التوافق لم تساعد على التوصل إلى تسوية سلمية لفتح معبرَي كرم أبو سالم وإيريز مع إسرائيل، ما يتسبب بمزيد من العزلة، إلى جانب معبر رفح الذي يتواصل إغلاقه في معظم الأوقات منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي بسبب الوضع الأمني في سيناء. يدفع تفاقم الظروف الاجتماعية والاقتصادية حماس إلى الخشية من أن ينفجر الموقف الميداني داخل غزة، فيما تشدّد حكومة التوافق على أن حماس لاتسمح لها بإدارة الوضع في غزة وبأنها تحكم قبضتها على القطاع.

لكن مع أن حماس تشهد اندفاعة كبيرة في شعيبتها بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع، اصبحت سيطرتها في غزة في طور التراجع. تشير التقارير الأخيرة من غزة إلى أن رجال الأمن والشرطة الذين لم يتقاضوا رواتبهم تخلّوا عن الحفاظ على الحدود المشتركة مع إسرائيل شرقاً ومصر جنوباً. كما أن تزايد حركة الإضرابات النقابية الأخيرة في قطاع غزة بدأت تمس بصورة مباشرة بأهم قطاعين حيويين هما: التعليم والصحة، وهو ما يعني إحداث هزات متسارعة في الجهاز الحكومي إلى دفع رواتب موظفينهم.

مع تفاقم الأوضاع في غزة، حماس مرغمة على التحرك لكن خياراتها محدودة. إذا استمر الوضع القائم مطولاً، الخيار الأخير المتاح أمامها هو تجدد المواجهة مع إسرائيل، مع العلم بأنه لايصب في مصلحة أي من الفريقَين. فرغم تزايد استخدام حماس للصواريخ في الأسابيع الأخيرة، ليس الفلسطينيون بصدد الذهاب لحرب جديدة. لكن حدوث بعض الاشتباكات في الأيام الأخيرة على حدود غزة، ومقتل وإصابة فلسطينيين، وإصابة جندي إسرائيلي، وتبادل إطلاق الصواريخ بين غزة وإسرائيل، زادت كلها من فرص خيار المواجهة مع إسرائيل.

بدلاً من ذلك، بإمكان حماس أن تدفع باتجاه إقالة حكومة الوحدة الوطنية الحالية بدعوى انتهاء مدة صلاحيتها المحددة بستة شهور، والدعوة لتشكيل حكومة محض سياسية تضم أعضاء من فتح وحماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. وتأمل حماس بأن تكون هذه الحكومة الأكثر تمثيلاً للشارع الفلسطيني، أسرع إنجازاً للملفات العالقة. في حال اتفقت الفصائل المختلفة على الحصص الوزارية، قد يُطلَب من حماس تقديم تنازلات مهمة من شأنها أن تخنق الاتفاق في مهده، مثل اشتراط الاعتراف بإسرائيل. 

وفي حال العجز عن تشكيل حكومة توافق جديدة أو عن توسيع الحكومة الحالية، قد تجد حماس نفسها ذاهبة باتجاه التحالف مع محمد دحلان، القيادي في فتح الذي يحظى بدعم كبير في غزة. سبق أن لوحت حماس بمثل هذا الخيار لأنها ترى فيه مفتاحاً متوقعاً للكثير من مشاكل غزة في غياب خيارات أفضل. من شأن التهديد بتشكيل تحالف مع دحلان - من دون ضم الفصيل الفتحاوي المنافس له في الضفة الغربية - أن يتيح لحماس الضغط على خصمهما المشترك محمود عباس لمحاولة الاستجابة لبعض مطالب الحركة. يشار إلى أنه لدحلان ارتباطات إقليمية مع مصر والإمارات والسعودية تأمل حماس بالإفادة منها من أجل الحصول على التمويل. لكن التحالف مع دحلان لايحظى بموافقة واسعة في صفوف الحركة.

على ضوء البدائل القليلة المتاحة أمام حركة حماس، غالب الظن أنها ستعمد إلى تمديد ولاية حكومة التوافق الحالية، فيما تستمر في الضغط عبر قنوات أخرى لضمان الاستجابة لاحتياجاتها. قد يؤمّن ذلك بقاء حماس في المدى القصير، لكنه لايعالج الضغوط والتشنجات الاجتماعية الشديدة الوطأة التي تدفع بغزة نحو الهاوية.

عدنان أبو عامر عميد كلية الآداب، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الأمة-غزة.