تسعى الحكومة اللبنانية، بدفعٍ من مشاغل الأمن القومي، والتهدئة السياسية، والحاجة الماسة إلى مزيد من المساعدات الخارجية، إلى كبح تدفّق النازحين السوريين وضبطهم في نهاية المطاف من خلال سلسلة جديدة من التدابير المشدّدة في مجال التأشيرات.1 ففي 31 كانون الأول/ديسمبر الماضي، أعلنت المديرية العامة للأمن العام اللبناني عن التعديلات الجديدة في نظام التأشيرات. ففي السابق، كان بإمكان الرعايا السوريين الحصول على تأشيرة لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد من دون تسديد أية رسوم لدى دخولهم الأراضي اللبنانية. أما الآن فيسعى لبنان من خلال التدابير الجديدة التي تُصنِّف التأشيرة في ست فئات - سياحة، أعمال، دراسة، ترانزيت، إقامة قصيرة، أو دواعٍ طبية - إلى ضبط أعداد اللاجئين، مع العلم بأن لبنان يحتل المرتبة الثانية عالمياً لناحية حجم اللجوء على أراضيه، وكذلك إلى رصد السوريين غير المسجّلين.

لقد دخل أكثر من 1.1 مليون لاجئ سوري إلى لبنان منذ اندلاع الحرب الأهلية قبل أربعة أعوام. في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أعلنت الحكومة في خطوة كانت موضع استنكار واسع من مجموعات الإغاثة، أنه لن يُسمح للسوريين باللجوء إلى لبنان إلا في "حالات إنسانية استثنائية"، وأن اللاجئين السوريين المسجّلين في لبنان الذين يزورون سورية يخسرون صفة اللجوء (وبالتالي يفقدون أهليتهم للحصول على المساعدات). 

على الرغم من أن القيود الجديدة تبني على الإجراءات التي وُضِعت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلا أنها أوسع نطاقاً إلى حد كبير. لم يعد بإمكان 300000 سوري غير مسجّل عبور الحدود بسهولة بعدما كانوا يفعلون ذلك بصورة منتظمة. عدد كبير منهم عمّال مؤقّتون ينتقلون من وظيفة إلى أخرى من أجل إعالة أسرهم. منذ اندلاع الحرب السورية، نقل عدد كبير من هؤلاء العمال عائلاتهم إلى لبنان هرباً من الحرب. قد يتمكّنون من الحصول على تأشيرات، لكنهم سيجدون صعوبة الآن في تأمين معيشتهم ومعيشة أسرهم.

حتى تاريخه، لم يلقَ الإجراء الأخير ممانعة كبيرة من مجموعات الإغاثة، لاسيما وأن وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس حرص على أن يستثني منه اللاجئين الذين يحملون بطاقات تسجيل لدى وكالات الأمم المتحدة. على الرغم من أن الحكومة اللبنانية سعت إلى تطبيق إجراءات للحد من أعداد السوريين في لبنان - الذين يشكّلون حالياً ربع إلى ثلث السكان - إلا أنها تدرك أن الإجلاء الجماعي للنازحين غير ممكن ومن شأنه أن يثير استهجاناً واسع النطاق من جانب الوكالات الدولية وعمّال الإغاثة المحليين ومنظمات حقوق الإنسان.

بيد أن الحكومة تعتبر أن المخاوف الأمنية تُرتِّب التشدّد أكثر في فرض القيود. فعلى ضوء تجربة الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان قبل اندلاع الحرب الأهلية، حذّر درباس وسواه من المسؤولين الكبار مراراً وتكراراً من العواقب الوخيمة في حال رفع السوريون في لبنان السلاح في وجه الدولة. على الرغم من أن بعض السوريين في لبنان تورّطوا في هجمات إرهابية، ومن وجود بعض الشخصيات المعارضة في صفوف اللاجئين، إلا أنه ليست هناك أدلة كافية تؤشّر إلى ظهور تمرد واسع النطاق ضد الدولة اللبنانية. فمع أن الحرب السورية تسبّبت باندلاع عدد من المعارك في مختلف أنحاء لبنان - لاسيما الاشتباكات التي تتكرر بصورة روتينية في طرابلس، ومعركة صيدا في حزيران/يونيو 2013، والمواجهات في بلدة عرسال في صيف 2014 - ينشغل معظم النازحين بتأمين احتياجاتهم المعيشية الأساسية. ترزح أجزاء من طرابلس تحت وطأة الفقر المدقع، ولطالما عانت بلدة عرسال الواقعة عند أطراف الدولة اللبنانية من الحرمان على صعيدَي البنى التحتية والاحتياجات الأساسية الأخرى. وفي عبرا، على مقربة من مدينة صيدا، تحتدم منذ بعض الوقت التشنّجات السياسية بين السنّة المهمّشين وحزب الله. لقد كانت الحرب السورية بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، لكن لايمكن أيضاً إغفال العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

وتزداد مهمة الدولة تعقيداً بسبب حركة العبور الكثيفة للسوريين التي تشهدها الحدود يومياً. لطالما وجدت الدولة اللبنانية صعوبة في التمييز بين من يشكّلون خطراً أمنياً ومن ليسوا كذلك. فعلى سبيل المثال، في 10 كانون الثاني/يناير الجاري، وعلى الرغم من الخطط الأمنية التي تعمل السلطات اللبنانية على تطبيقها منذ نيسان/أبريل الماضي، نفّذت جبهة النصرة هجوماً انتحارياً مزدوجاً في منطقة جبل محسن العلوية في مدينة طرابلس، ماأسفر عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل. الانتحاريان اللذان نفّذا العملية هما من الجنسية اللبنانية لكنهما تدرّبا على أيدي جبهة النصرة في جبال القلمون - في مؤشر عن مدى تفلُّت الحدود وعن النجاح المحدود للدولة اللبنانية في احتواء تداعيات الحرب السورية. 

لكن في حين أنه لاتتوافر أية معلومات علنية بأن السوريين الذين يعبرون الحدود بصورة قانونية يعرّضون الدولة للخطر، كشف التعاون المتزايد بين الأجهزة الأمنية ووكالات الاستخبارات الأجنبية عن وجود العديد من الإسلاميين المتشدّدين الذين يعملون ضمن الأراضي اللبنانية. ففي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أوقِف اللبناني أحمد ميقاتي، وهو من كبار العملاء لدى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، في بلدة الضنية في شمال لبنان. كان ميقاتي جزءاً من خلية إرهابية مزعومة تتألف من مواطنين لبنانيين وسوريين. (بحسب مصدر استخباراتي، يعمل نحو 3000 إلى 4000 جهادي في المنطقة2).

دفعت هذه التهديدات الأمنية ببعض السياسيين إلى إبداء معارضة أقوى لوجود النازحين السوريين في لبنان، وعلى رأسهم وزير الخارجية جبران باسيل الذي شنّ حملة لتحديد سقف لأعداد اللاجئين، في خطوة لقيت دعماً من شرائح واسعة من المسيحيين في لبنان. وقد تصادم باسيل باستمرار مع وزراء آخرين في الحكومة يشدّدون على مسؤولية لبنان في قبول النازحين بأذرع مفتوحة. لكن مؤخراً يظهر على مايبدو توافقٌ بين السياسيين لمصلحة التشدّد في الإجراءات المفروضة على النازحين، لاسيما بعد مواجهات عرسال في آب/أغسطس الماضي عندما سيطر تنظيم داعش لفترة قصيرة على البلدة الحدودية، وفيما لايزال أكثر من 20 جندياً لبنانياً محتجزين رهائن منذ استعادة الجيش اللبناني السيطرة على البلدة.

كما أن المواجهات في عرسال، فضلاً عن حوادث أمنية أخرى، تسبّبت بانكفاء الدعم الذي أظهره قسم من اللبنانيين في البداية لاستقبال النازحين بأذرع مفتوحة. ولطالما كان السنّة على وجه الخصوص متعاطفين مع أبناء طائفتهم من السوريين الذين يشكّلون الجزء الأكبر من المعارضة في سورية. وقد استقبلت مناطق على غرار مدينة طرابلس ذات الأكثرية السنّية، بكل اعتزاز، موجة تلو الأخرى من النازحين، بيد أن استضافة أكثر من 285000 لاجئ سوري في شمال لبنان تسبّبت بضائقة اقتصادية خانقة واضطرابات اجتماعية. ولذلك بات اللبنانيون أقلّ تقبّلاً لوجود النازحين الذين يفضّلون عدم الاختلاط كثيراً بالآخرين تجنّباً للتعرّض للإساءة اللفظية أو الجسدية. وقد تنبّه السياسيون جيداً لهذه التداعيات على الاقتصاد والبنى التحتية والمجتمع، وتندرج الإجراءات الأخيرة في سياق المحاولات التي يبذلونها لتهدئة المخاوف المحلية.

فضلاً عن ذلك، في الوقت الذي يبدو فيه أن الحرب السورية قد تطول إلى ما لانهاية، وفيما يتخبّط لبنان على كل الجبهات تقريباً - الاجتماعية والاقتصادية والأمنية - تأمل الحكومة اللبنانية بأن توجّه الإجراءات الأخيرة رسالة إلى الحكومات الأجنبية بأنه ليس بإمكان لبنان أن يتحمّل العبء بمفرده. يطلب بعض المسؤولين الحكوميين، ومنهم وزير التربية الياس بو صعب، من المجتمع الدولي إرسال الأموال أو المساعدات الطارئة إلى النازحين المقيمين في المخيمات في مختلف أنحاء لبنان. لكن الحكومة اللبنانية تريد أيضاً من المجتمع الدولي أن يستقبل مزيداً من اللاجئين. فقد رفض عدد كبير من دول المنطقة - لاسيما في الخليج - إعادة توطين اللاجئين السوريين، ولم تسمح البلدان الغربية سوى بدخول أعداد قليلة نسبياً من النازحين السوريين. تُظهر الأرقام الصادرة عن منظمة العفو الدولية أن 1.7 في المئة فقط من النازحين السوريين حصلوا على ملاذ خارج لبنان أو الأردن أو تركيا أو العراق أو مصر. ويتحمّل لبنان على وجه الخصوص الوزر الأكبر، نظراً إلى أن الخدمات على غرار الماء والكهرباء لاتكفي اللبنانيين في الأصل.

نظراً إلى فداحة أزمة النازحين، لن تساهم التدابير المؤقتة التي اتخذتها الحكومة اللبنانية مؤخراً في معالجة الأعباء الاجتماعية والاقتصادية التي تترتّب عن وجود أكثر من 1.1 مليون سوري مسجّل في البلاد. كما أنها لن تؤدّي إلى تحسين ظروف معيشة السوريين غير المسجّلين - لابل إنها ستقود بطريقة شبه مؤكّدة إلى العكس تماماً. واقع الحل هو أن هذه الإجراءات قد تؤدّي إلى تفاقم الاستياء أو الغضب في صفوف النازحين السوريين الذين لايحصلون على مساعدات كافية والذين يتواجدون على الأراضي اللبنانية بأعداد هائلة تجعلهم خارج سيطرة الدولة. وهكذا، فيما تتواصل معاناة النازحين، وفيما تحاول الدولة اللبنانية أن تستعيد جزءاً من السيطرة التي خسرتها خلال الأعوام الأربعة الماضية، قد تكون الإجراءات الأخيرة غير كافية على الإطلاق ومتأخّرة جداً.

جاستن صالحاني صحافي وكاتب ومنتج لبناني-أميركي يتنقّل بين واشنطن وبيروت.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. أصدرت وزارة الخارجية اللبنانية بياناً في 15 كانون الثاني/يناير الجاري في محاولة للتوضيح بأن الإجراءات الجديدة لاتُصنَّف في إطار التأشيرة. على الأرجح أن الوزارة تأخذ في الاعتبار الاتفاقات السابقة التي تعتبر أنه من غير الضروري للبنانيين والسوريين الذين يتنقّلون بين البلدَين الحصول على تأشيرات. بيد أنها تشدّد على أنه سيُمنَع على السوريين دخول لبنان عن طريق معبر حدودي ومن دون حيازة الأوراق المطلوبة.

2. مقابلة مع الكاتب.