منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في 21 أيلول/سبتمبر الماضي، يبذل حزب الإصلاح، التابع لجماعة الإخوان المسلمين وأحد أبرز معارضي الحوثيين، محاولات بهدف التقرّب منهم. وقد بلغ مسار التقارب ذروته في اللقاء الذي جمع في 29 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بين وفد رفيع ضم رئيس الدائرة السياسية لحزب الإصلاح سعيد شمسان ورئيس كتلته البرلمانية زيد الشامي، بقادة جماعة الحوثي بمن فيهم زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي. يسلّط ذلك الضوء على المحاولات التي تبذلها قيادة الإصلاح لإقامة شراكة سياسية وضمان بقائها السياسي.

تشتكي قيادة الإصلاح من الدعم اللوجستي الذي قدّمه الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح لمسلّحي جماعة الحوثي، ماأتاح لهم تحقيق مكاسب مهمة في فترة قصيرة، وتعتبر ذلك جزءاً من "مؤامرة إقليمية" تهدف إلى ضرب إخوان اليمن. إذاً الموقف الرسمي للإصلاح هو تفادي النزاع المفتوح مع الحوثيين الذين يمتلكون نفوذاً أكبر من نفوذ حزب الإصلاح. تريد قيادة الإصلاح من الحوثيين الاعتراف بالحزب كقوة سياسية، التخلي عن السيطرة على مكاتب الحزب والإفراج عن السجناء وقف عمليات الاستهداف لقادته وأنصاره. ومع ذلك، فإن الحوثيين ويحاولون الحفاظ على الخيارات المفتوحة، وخصوصا على النقاط التي قد تؤثر على قدرتهم على محاربة تنظيم القاعدة في محافظات اليمن. 

بالتالي، يتّجه الإصلاح - الذي شارك جناحه العسكري مع القوات التي قاومت تقدّم الحوثيين باتجاه صنعاء - نحو خطاب سياسي ناعم لتهيئة المناخ السياسي لعملية الحوار مع الحوثيين. لكن هذه الجهود تتعثّر. فبعد عشرة أيام فقط من اللقاء بين الطرفين في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أعلن رئيس الكتلة البرلمانية بحزب الإصلاح زيد الشامي استقالته من لجنة التفاوض مع الحوثيين، مشيراً إلى أنهم لم يأخذوا الأمر على محمل الجد. وحدث ذلك خلال الحملة التي شنها مسلحو الحوثي على منطقة أرحب القبلية على مسافة 35 كيلومتراً شمال العاصمة صنعاء، والتي أسفرت عن تدمير ثلاثة مراكز لتعليم القرآن الكريم تابعة للإصلاح، بالإضافة الى تفجير مسجد ومنازل العديد من القيادات البارزة في الحزب. على الرغم من ذلك، وأملاً في احتواء الموقف سياسياً مع الحوثيين، قال الساسة في حزب الإصلاح إنهم لايمانعون من خوض جولة جديدة من الحوار حول المسائل الاستراتيجية على الرغم من إخفاق عملية التقارب مع الحوثيين في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

والحوثيون حريصون على الانخراط في حوار مع الإصلاح، لاسيما مع دخول اليمن حالة من الفراغ السياسي الناتجة عن استقالة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي في 22 كانون الثاني /يناير الجاري، بعد دقائق من استقالة رئيس الوزراء خالد بحاح وحكومته، وماتعنيه هذه الاستقالة من رفعٍ للغطاء السياسي عن توسع الحوثيين المسلح. يبحث الحوثيون حالياً عن مخرج لسد ذلك الفراغ، والذي يأتي مع حالة من الاحتقان الحاد بينهم وبين مختلف المكونات السياسية في البلاد. فبينما تطرح جماعة الحوثي خيار تشكيل مجلس رئاسي، يصطدم هذا الخيار بمعارضة شديدة من قبل تكتل اللقاء المشترك الذي يضم حزب الإصلاح، والذي يتمسك ببقاء الرئيس اليمني المستقيل في سدة الحكم والعدول عن قرار الاستقالة، وماعدا ذلك فهو انقلاب على شرعية الحكومة المستقيلة، بحسب التكتل. 

غالب الظن أن الحوثيين سوف يسعون إلى السيطرة على القرار السياسي باليمن - أياً تكن الآلية - بالإضافة الى تأمين نفوذهم في المناطق التي يسيطرون عليها حالياً حيث لايزال حضور الإصلاح قوياً على المستوى القبلي. على الرغم من أن سيطرة الحوثيين المستمرة منذ أشهر أدّت إلى إضعاف أنصار الإصلاح في محافظة عمران والعاصمة صنعاء وحجة وذمار والمحويت، إلا أن الحوثيين يحتاجون إلى التوصّل إلى تفاهم مع الإصلاح كي يتمكّنوا من الاحتفاظ بوجود قوي في هذه المناطق.

بيد أن قاعدة الإصلاح الشبابية في اليمن غاضبة من استعداد الحزب للتعاون مع الحوثيين لاسيما بعد الهجمات التي استهدفت قيادات الإصلاح ومؤسساته الدينية والسياسية - بما في ذلك قتل واختطاف العشرات من كوادر الحزب. وقد رفع البعض في القاعدة الحزبية شعارات للمطالبة بتنحي رئاسة الحزب وأمانته العامة بسبب إسقاط خيار المواجهة المسلحة مع الحوثيين، معتبرين أنه كان بالإمكان منعهم من التوسّع في المناطق السنّية الخاضعة لسيطرة الإصلاح. 

كما يلفت أعضاء الإصلاح الذين ينتقدون الحوار إلى أن الحزب لن يحقق مكاسب من التقارب. فزيادة التعاون ستُظهر محدودية خيارات الإصلاح السياسية، وبالتالي سوف تتسبّب أكثر فأكثر بإضعاف مكانة الحزب، بل يمكن أن تحدث انشقاقات داخله. ومن شأنها أيضاً توسيع هامش المناورة السياسية للحوثيين، فضلاً عن إضفاء شرعية على احتلالهم العسكري لمؤسسات الدولة. علاوةً على ذلك، قد يدفع التقارب عدداً كبيراً من شباب الإصلاح المعتدل نحو التطرف، ماقد يزيد من قوة جماعة "أنصار الشريعة" التابعة لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وذلك على حساب الإصلاح. لكن عدداً كبيراً من قادة الإصلاح يدرك أن استيعاب صعود الحوثيين قد يكون أهون الشرَّين. 

أشرف الفلاحي صحافي يمني مقيم في صنعاء.