الهدف الأساسي الذي يتوخّاه المجتمع الدولي من الحرب التي يشنّها على تنظيم الدولة الإسلامية هو كبح هذا التهديد الصاعد. لكن مع تخصيص مزيد من الأموال لمحاربة داعش، لاتزال الجهود الهادفة إلى معالجة أزمة اللاجئين السوريين في المنطقة - والتي يمكن أن تكون لها تداعيات أوسع انتشاراً - تعاني من النقص في الطواقم البشرية والتمويل. تستمر أوضاع اللاجئين في التدهور، إذ يواجهون مزيداً من القيود والمشقات الاقتصادية، ويتعرّضون في حالات كثيرة للعنصرية والضغينة. إلا أنه يكفي بذل جهود متضافرة لرفع التحديات الأمنية والإنسانية من أجل المساهمة في تحقيق الاستقرار الإقليمي في المدى الطويل وكبح صعود الحركات المتشدّدة مثل تنظيم الدولة الإسلامية.

أطلقت الأمم المتحدة مناشدتها الإنسانية الأكبر من أجل مساعدة سورية في العام 2015، بطلب توفير 8.4 مليارات دولار، مع تخصيص أكثر من خمسة مليارات دولار لمعالجة أزمة اللاجئين التي يُتوقَّع أن تطال مايزيد عن 4.2 ملايين شخص بحلول نهاية العام 2015. ويأتي هذا النداء الجديد بعد حصول عجز قدره 1.7 مليار دولار في تمويل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التي كانت تحتاج إلى 3.7 مليارات دولار في العام 2014. ويعود النقص في التمويل إلى الضغوط الشديدة التي تتحمّلها المنظمات الإنسانية الكبرى التي تعمل على معالجة العديد من الأزمات العالمية فيما تتحمل وطأة عدم الوفاء بالتعهدات والنقص في المساهمات النقدية الكافية. كما في الأعوام السابقة، يبدو أن المجتمع الدولي سيقصّر إلى حد كبير عن تأمين التمويل الكافي لمساعدة اللاجئين، ودعم اقتصادات البلدان المضيفة، وتقديم الخيارات المناسبة لإعادة توطين اللاجئين.

منذ اندلاع الحرب السورية، يخوض المجتمع الدولي نقاشَين متمايزَين، الأول نقاش استراتيجي محوره الأمن الصلب يركّز على احتواء تداعيات الحرب والحؤول دون زعزعة الاستقرار في المنطقة. ومع تطوّر الحرب، أضيف ضرب مشروع الدولة الإسلامية إلى الأجندة الأمنية. في موازاة ذلك، يدور نقاش حاد محوره الأمن الناعم حول السبيل الأفضل لمساعدة السوريين ومعالجة "الأزمة الإنسانية الأسوأ منذ اندلاع الحرب الباردة". لقد دفع الفصل الذي يفرضه الأمر الواقع بين مسائل الأمن الصلب والأمن الناعم، بالمجتمع الدولي إلى إعطاء الأولوية للأمن الصلب على حساب الأمن الناعم. حالياً تنفق بلدان على غرار الولايات المتحدة أكثر من 300000 دولار في الساعة على التكاليف العسكرية المترتّبة عن محاربة الدولة الإسلامية، فضلاً عن إنفاق المليارات على تدريب القوات العراقية والكردية وتجهيزها لمواجهة التهديد السلفي-الجهادي. نظراً إلى الطريقة التي أُنفِق بها الجزء الأكبر من هذا التمويل حتى الآن، ثمة مايدعو للقلق من أن التركيز المجتزأ والقصير الأمد في شكل عام على مسائل الأمن الصلب أدّى إلى حصر الرد الدولي في نطاق ضيّق، وذلك على حساب المعالجة الفعالة للأزمة السورية الأوسع وتداعياتها الإنسانية. 

الجدير ذكره أن هذه التداعيات الإنسانية تحمل أيضاً أبعاداً استراتيجية، على مستوى الاستقرار الإقليمي وكذلك لناحية قدرة الدول المجاورة لسورية على أن تكون شريكة فعالة في مواجهة الدولة الإسلامية. فيما تُنفَق الأموال على المبادرات الأمنية، لاتزال الدول المجاورة لسورية تتخبّط في مواجهة التحدّيات الهائلة الناجمة عن توفير السكن والرعاية الصحية أو سواها من الخدمات الأساسية للاجئين. ترزح البنى التحتية للبلدان المضيفة تحت ضغوط شديدة، وتتخبّط لمواجهة التأثير الاقتصادي الواسع الناجم عن تدفّق اللاجئين. فعلى سبيل المثال، يعاني لبنان من ارتفاع البطالة وانخفاض الأجور مع اضطرار السوريين إلى القبول بالعمل مقابل أجور أكثر تدنّياً، وفي ظروف أشد قسوة بالمقارنة مع اللبنانيين، كما أنهم يتمتعون بحقوق أقل. فقد تدنّت الرواتب في قطاعَي الخدمات والزراعة بنسبة 50 في المئة في لبنان بين العامَين 2011 و2013 - وينطبق الأمر على كل البلدان المضيفة التي تشهد ديناميات متشابهة، ماولّد ضغوطاً داخلية شديدة تؤثّر في الأداء الاقتصادي، والتماسك الاجتماعي، وفي نهاية المطاف، في الاستقرار الداخلي.

وقد هدفت خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السوريين التي وضعتها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في العام 2014، إلى معالجة هذه المخاوف، لكن تبيّن أنها ليست كافية. فقد سعت الموازنة إلى تغطية تسجيل اللاجئين ومساعدتهم في إعادة التوطين ودعم الفئات المعرضة للخطر، إنما أيضاً إلى تأمين المواد الغذائية والتعليم والرعاية الصحية والمأوى والمياه والصرف الصحي وسواها من الاحتياجات الأساسية، فضلاً عن زيادة الفرص المتاحة لتوليد الدخل. بيد أن الثغرات التمويلية أرغمت منظمات الأمم المتحدة على وقف برامج المساعدات الحيوية أو تقليصها، من القسائم الغذائية إلى المبادرات في مجالَي المياه والصرف الصحي، أو خفض أعداد المستفيدين. وبالأهمية نفسها، دفع النقص في التمويل هذه المنظمات إلى إعطاء الأولوية للتدخلات الطارئة مثل تأمين الحصص الغذائية، وذلك على حساب البرامج الإنمائية في المدى الأطول التي تؤمّن التدريب المهني والمساعدة على التوظيف أو زيادة معدلات الالتحاق بالتعليم. فضلاً عن ذلك، من شأن غياب هذه البرامج المستدامة الطويلة الأمد أن يؤدّي إلى تهميش الأشخاص، وجعلهم عرضةً للتجنيد من التنظيمات المتطرّفة ومجموعات الجريمة المنظّمة، مايؤثّر بدوره في الاستقرار الإقليمي الأوسع.

في هذا السياق، تشكّل زيادة المساعدات للاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة لهم أولوية استراتيجية أساسية. والخطوة الأولى في هذا الإطار يجب أن تكون الالتزام الراسخ بتلبية الاحتياجات التمويلية للأمم المتحدة والوفاء بالتعهدات التي لم تلقَ طريقها إلى التنفيذ بعد. في العام 2014، أنفقت الجهتان اللتان تتصدّران قائمة المانحين في أزمة اللاجئين السوريين، وهما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، نحو 1.7 مليار دولار و586 مليون دولار على التوالي. لكن المجتمع الدولي - ولاسيما البلدان ذات الدخل المرتفع - فشل في شكل عام في تخصيص الموارد الكافية من أجل الاستجابة للاحتياجات الإنسانية.

مع مرور الوقت واستمرار الحرب السورية، ينبغي أيضاً على المنظمات الدولية والدول أن تنفق الأموال بطريقة استراتيجية من أجل مساعدة اللاجئين والمجتمعات المضيفة بطريقة فعالة وناجحة. وقد عزّزت استراتيجيات المساعدات الدولية، مثل الخطة الإقليمية للاجئين والمرونة للعام 2015، المرونة لدى المجتمعات المضيفة إلى جانب الجهود الآيلة إلى تقديم المساعدات والإغاثة في المدى القصير. وقد قال مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريس: "نحتاج إلى هندسة جديدة للمساعدات تربط الدعم للاجئين بالخطوات التي تُتَّخذ من أجل تثبيت الاستقرار في المجتمعات التي تستضيفهم". مثلاً، يحتاج لبنان إلى 2.5 مليار دولار لإعادة مستوى الخدمات إلى ماكان عليه قبل الحرب السورية، بحسب البنك الدولي. ويشير تقرير آخر إلى أن أزمة اللاجئين دفعت بـ170000 لبناني إضافي نحو الفقر بحلول نهاية العام 2014.

علاوةً على ذلك، من شأن إعادة توطين أعداد أكبر من اللاجئين أن تخفّف من العبء الملقى على كاهل الدول المجاورة لسورية وأن تحدّ من خطر زعزعة الاستقرار الإقليمي. لقد تعهّد المجتمع الدولي حتى الآن بإعادة توطين نحو 80000 لاجئ سوري، لكن هذا العدد يبقى أقل من الهدف الذي حدّدته المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والمتمثل بإيجاد موطن جديد لـ130000 لاجئ سوري بحلول نهاية العام 2016. على الرغم من تسجيل زيادة في التعهدات لإعادة توطين اللاجئين السوريين في الأشهر القليلة الماضية، إلا أنه تبيّن أنه من الصعب تحقيق أهداف إعادة التوطين، إذ يُحظر إعادة توطين السوريين في بلدان الخليج، كما أنهم يجدون مشقّة كبيرة في الوصول إلى أوروبا والمكوث فيها (ماعدا ألمانيا والسويد اللتين تلقّيتا معاً نحو 64 في المئة من جميع طلبات اللجوء السياسي إلى الاتحاد الأوروبي). وأعلنت الولايات المتحدة التي تعتمد رسمياً سياسة إعادة التوطين المفتوحة، عن نيتها زيادة عدد السوريين المعاد توطينهم من 350 إلى 10000 في السنة. لكن حتى تاريخه، لايزال أكثر من 95 في المئة من اللاجئين السوريين يتواجدون في خمس دول إقليمية: لبنان والأردن وتركيا والعراق ومصر.

إذا لم تُضبَط هذه الأزمة، سوف يكون للضغوط المتزايدة في المجتمعات المضيفة تأثير سلبي على المستوى الإقليمي، على الصعيدَين الإنساني والامني، الأمر الذي سيضع مزيداً من العراقيل أمام الجهود الهادفة إلى نشر الاستقرار في المنطقة ومحاربة التطرف. الاستثمار في أهداف الأمن الصلب على حساب الأمن الناعم قد يؤدّي في نهاية المطاف إلى الفشل في تحقيق الأمرَين معاً.

بينيديتا برتي زميلة أبحاث في معهد دراسات الأمن القومي، وتتابع دراسات مابعد الدكتوراه في جامعة بن غوريون، وزميلة في برنامج TED 2015، ومؤلفة "التنظيمات السياسية المسلحة".

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.