عندما قرر حزب الشعب الديمقراطي الذي يسيطر عليه الأكراد خوض الانتخابات العامة المزمع إجراؤها في تركيا في حزيران/يونيو 2015 بصفته الحزبية وليس عبر تقديم مرشحين مستقلين، أثار قراره سجالاً واسعاً في أوساط الأكراد في تركيا. فطوال أكثر من عقدَين، عمدت الأحزاب التابعة للأكراد إلى ترشيح مستقلين بهدف الالتفاف على الحد الأدنى من الأصوات المطلوب على المستوى الوطني - عشرة في المئة - كي يتمكّن أي حزب من الفوز بمقاعد في مجلس النواب. لكن بما أن نسبة أصوات القاعدة الناخبة الموالية لحزب الشعب الديمقراطي تمثّل نحو 6 إلى 8 في المئة من الناخبين على المستوى الوطني، يجازف الحزب بخسارة كل مقاعده، وبالتالي حرمان الأكراد من التمثيل في البرلمان.

لكن إذا سارت الأمور في هذا الاتجاه، سيكون لها أيضاً دور محوري على الساحة التركية ككل. فإذا فشل حزب الشعب الديمقراطي الذي يتحدّر معظم ناخبيه من الجنوب الشرقي الكردي، في الحصول على عتبة العشرة في المئة من الأصوات، على الأرجح أن كل المقاعد التي كانت محسوبة سابقاً على الحزب ستذهب إلى الحزب الذي يحتل المرتبة الثانية من ناحية الشعبية في المناطق الكردية، أي حزب العدالة والتنمية الحاكم. في هذه الحالة، سوف يتمتّع حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه الرئيس رجب طيب أردوغان، بزخم إضافي لتعديل الدستور بصورة أحادية واعتماد النظام الرئاسي. يستند الدستور التركي الحالي إلى النظام البرلماني حيث رئيس الوزراء هو رئيس الحكومة والسلطة التنفيذية. على الرغم من أن الدستور يمنح الرئيس صلاحيات واسعة، مثل رئاسة مجلس الأمن القومي وتعيين القضاة في المحاكم العليا، يبدو أن أردوغان يسعى إلى نظام رئاسي تنفيذي يسيطر على السلطتَين التشريعية والقضائية.

بيد أن حزب الشعب الديمقراطي اتخذ قراره بالمشاركة رسمياً في انتخابات حزيران/يونيو بعدما نال رئيسه المشارك، صلاح الدين دميرتاز، 9.8 في المئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية في آب/أغسطس 2014. إلا أن سلسلة من استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً تشير إلى أن دميرتاز أكثر شعبية من حزب الشعب الديمقراطي. علاوةً على ذلك، فإن نسبة الأصوات التي حصل عليه دميرتاز في آب/أغسطس لاتعبّر فعلياً عن مستوى الدعم الحقيقي له، نظراً إلى أن نسبة الاقتراع (74.1 في المئة) كانت الأدنى بين الانتخابات التي أجريت في الأعوام الأخيرة، كما أن بعض المجموعات اليسارية اختارت التصويت له احتجاجاً على مرشح حزب الشعب الجمهوري، أكمل الدين إحسان أوغلو. بحسب استطلاعات الرأي، لاتتعدّى نسبة التأييد لحزب الشعب الديمقراطي 8.5 في المئة في أفضل الأحوال.

على الرغم من هذه الاستطلاعات، اعتبر حزب الشعب الديمقراطي أن الوقت قد حان من أجل الحصول على تمثيل سياسي أكبر. وقد تعرّض الحزب لانتقادات حادة من ليبراليين ويساريين آخرين بسبب التزامه الصمت خلال احتجاجات متنزه غيزي ضد أردوغان عام 2013. فقد استمر القياديون في حزب الشعب الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني في تجنّب انتقاد أردوغان على خلفية مزاعم الفساد، انطلاقاً من رغبتهم الشديدة في عدم تهديد وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني في آذار/مارس 2013. منذ توقيع وقف إطلاق النار، مدّ حزب العدالة والتنمية يده إلى زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، الموجود في السجن، وأقرّ قانوناً جديداً يجيز إجراء مباحثات سلام رسمية مع ميليشيات حزب العمال الكردستاني، وروّج صورة إيجابية عن أوجلان في وسائل الإعلام المملوكة من الدولة في إطار ماسمّاه المراقبون "عملية سلام" جديدة. 

بيد أن المخاوف من عدم استمرار الحوار - بسبب تعبئة مقاتلي حزب العمال الكردستاني في سورية وشمال العراق - تدفع بالمجموعات الكردية إلى السعي إلى تحقيق نتائج فعلية قبل الانهيار المحتمل للمباحثات بين حزب العدالة والتنمية وحزب العمال الكردستاني. تسري شائعات في الأوساط الكردية المحلية بأن الرئيس أردوغان اتّفق مع حزب العمال الكردستاني على تطبيق اللامركزية في المناطق المأهولة بالأكراد في مقابل تشجيع حزب الشعب الديمقراطي على المشاركة بصفته الحزبية في الانتخابات. في غضون ذلك، يأمل السياسيون الأكراد بأن تدفع زيادة الضغوط البرلمانية بأردوغان نحو تقديم مزيد من التنازلات فيما يستمر العمل بوقف إطلاق النار. في هذا السيناريو، يخرج حزب العمال الكردستاني رابحاً في مختلف الأحوال، لذلك يشجّع حزب الشعب الديمقراطي على القيام بهذه المجازفة الانتخابية.

إذا تجاوز حزب الشعب الديمقراطي عتبة العشرة في المئة، يمكنه أن يحصل على أكثر من 50 مقعداً في مجلس النواب، الأمر الذي من شأنه أن يشكّل انتصاراً غير مسبوق في السياسة الكردية. أما إذا لم يتمكن من الحصول على نسبة العشرة في المئة من الأصوات، وهو الاحتمال الأكثر ترجيحاً، فيقول قادته إن القاعدة الناخبة الكردية ستلجأ إلى التحركات المدنية لتحقيق أهدافها، بحسب السياسة التي درج عليها حزب العمال الكردستاني. قد تتسبّب هذه المواجهة بإغضاب أكراد تركيا في شكل عام لكن من شأنها أن تعزّز حزب العمال الكردستاني كتنظيم. في هذا السيناريو، تخطط التيارات الكردية لإنشاء برلمان كردي في ديار بكر، وتلجأ إلى تصعيد لهجتها في انتقاد حرمان الأكراد من التمثيل السياسي في البرلمان التركي. يأمل حزب العمال الكردستاني بأن تدفع هذه الخطوات الجريئة بالرئيس أردوغان نحو تكثيف المفاوضات والوفاء بوعده بتطبيق اللامركزية في المناطق ذات الأكثرية الكردية.

في حال عجز حزب الشعب الديمقراطي عن الحصول على نسبة العشرة في المئة من الأصوات، ثمة خطر حقيقي بأن يحظى أردوغان بدعم برلماني كافٍ من أجل تحويل البلاد إلى نظام رئاسي. قال صلاح الدين دميرتاز قبل الانتخابات الرئاسية في آب/أغسطس الماضي: "بعد الانتخابات الرئاسية، قد تتحول تركيا، في انعطافة خطيرة، إلى حكم الرجل الواحد". من شأن قدرة الأحزاب الموالية للأكراد على التفاوض مع أردوغان أن تتراجع إلى حد كبير، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأحزاب الأخرى التي تميل نحو اليسار، والتي سوف تُحمِّل حزب الشعب الديمقراطي مسؤولية السماح لأردوغان بترسيخ سلطته. وقد يُنظَر إلى خطوة الحزب بأنها أدّت إلى بيع البلاد بغية تحقيق مآرب ضيّقة على المستوى التنظيمي، ومن شأنها أيضاً أن تؤدّي إلى نفور المؤيّدين في المجموعات اليسارية الذين يتعاطفون مع حزب الشعب الديمقراطي.

يواجه سياسيون أكراد آخرون ضمن الحركة القومية، مخاطر إضافية. لطالما سعى أوجلان إلى إرساء توازن بين الأحزاب الكردية وقادة ميليشيات حزب العمال الكردستاني، ومن خلال ذلك، الحفاظ على سيطرته على الحركة ككل. سيظهر حزب العمال الكردستاني في موقع الممثّل الأول للأكراد في حال فشل حزب الشعب الديمقراطي في الحصول على نسبة العشرة في المئة من الأصوات. كما أن نقمة الأكراد من سياسة أردوغان في كوباني أدّت إلى تعزيز الدعم لحزب العمال الكردستاني. صحيح أن هذا الأخير لايملك الموارد اللازمة لشن حرب جديدة، إنما ليس لديه أيضاً محفّز جدّي للتخلّي عن سلاحه في إطار عملية السلام، الأمر الذي سيؤدّي إلى تعزيز مكانته في السياسة التركية على حساب حزب الشعب الديمقراطي.

علاوةً على ذلك، قد ينهار حزب الشعب الديمقراطي كمشروع سياسي. العام الماضي، بناءً على طلب أوجلان تعزيز التحالف السياسي للأكراد مع اليسار التركي، انقسم التحالف الكردي المؤلف من حزب الشعب الديمقراطي وحزب السلام والديمقراطية إلى مجموعتين مختلفتين: حزب الأقاليم الديمقراطي الذي يتنافس في الانتخابات المحلية ويمثّل البلديات، وحزب الشعب الديمقراطي الذي يخوض الانتخابات العامة على مستوى البلاد. في إطار السياسة الكردية، يدعم حزب الشعب الديمقراطي مايُعرَف بـTurkiyelilesme، أي فكرة أنه على الأكراد أن يسعوا إلى بناء مستقبل سياسي ضمن النظام القانوني في تركيا، ويتخلوا عن الانفصالية. في حال مُني حزب الشعب الديمقراطي بالهزيمة في الانتخابات، سيصبح حزب الأقاليم الديمقراطي الحزب القانوني الأبرز الموالي للأكراد الذي يركّز في شكل خاص على تقرير المصير في الأقاليم المأهولة بالأكراد. من شأن ذلك أن يدفع باليسار التركي إلى تهميش الحركة الكردية وأن يؤدّي إلى زيادة احتمال صعود الانفصالية العنيفة من جديد.

يقع عبء هذه المغامرة العالية الرهانات على كاهل حزب الشعب الديمقراطي الذي لايزال لديه وقت كافٍ للتفكير في إجراء تحول استراتيجي. المفاوضات بين أوجلان وأردوغان مستمرة، وقد تدفع التغييرات في الديناميكية القائمة بين حزب العدالة والتنمية وحزب العمال الكردستاني بحزب الشعب الديمقراطي إلى تغيير قراره الانتخابي المثير للجدل. إلا أنه ينبغي على الحزب أن يستمر في دراسة منافع هذه المقاربة ومخاطرها بدقّة وجدّية.

مصطفى غوربوز زميل في السياسات في مركز السياسة العالمية في جامعة جورج مايسون وزميل أبحاث في معهد Rethink في واشنطن. شارك في تحرير "سوسيولوجيا الإسلام"، ومؤلّف "تحويل النزاع الإثني: الحركات الكردية المتنافسة في تركيا" (يصدر قريباً، مطبعة جامعة أمستردام).

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.