تقدّم الفنون في مصر مساحةً للتفكير وسط بيئة إعلامية تغيب عنها الأصوات النقدية. يتطلّع السينمائيون والجماهير على السواء إلى مايُسمّى سينما مستقلة أو فنّية، كما تقول المخرجة منى لطفي التي تعمل على فيلمها الوثائقي الأول، وهي عضو في مجموعة "حصّالة" المستقلة لصناعة الأفلام في القاهرة. تشرح لطفي: "تهب رياح جديدة في السينما المصرية، حيث يعمل المخرجون خارج إطار الصناعة التجارية وتبحث الجماهير عن أفلام وشخصيات يمكنها التماهي معها". تحول القيود القانونية والاجتماعية دون قدرة الفنون على استكشاف أفكار من خارج نطاق المعايير السياسية والاجتماعية المحدّدة - مثل المعايير المتعلّقة بالوحدة والنظام العام والأخلاق العامة - لكن ظهرت بعض الفرص المحدودة في صناعة الإفلام لتقديم شخصيات وروايات مختلفة قليلاً.

يلقي الوثائقي الذي تعمل لطفي على إخراجه بعنوان "في الأعماق الرمادية"، نظرة عن كثب إلى المصريين وعلاقتهم المتقلّبة مع الدولة التي تشهد مؤخراً تبدّلاً مع كل منعطف تاريخي وتغيير في هوية الرئيس، وذلك من خلال قصّة منجم فحم المغارة في شمال سيناء الذي تم إغلاقه، والذي تأثّر بمختلف الأحداث التي شهدتها البلاد منذ افتتاحه في العام 1964. يتصدّر شمال سيناء عناوين الأخبار بوتيرة متزايدة بسبب التمرد الإسلامي الذي تشهده المنطقة منذ وقت طويل، والذي كثّف هجماته على الجيش المصري، بيد أن الفيلم يتحدّث عن عمّال منجم المغارة وتجاربهم الشخصية في العمل في مثل هذه الظروف القاسية عندما كانت حكومة جمال عبد الناصر تضمن التوظيف لجميع الطلاب الثانويين والخريجين الجامعيين. تقدّم قصص عمّال المنجم عن العمل لساعات طويلة في بيئة معزولة عن الخارج، صورة مجازية عن مقاومة الظلام واليأس في إشارةٍ إلى تغلّب المصريين على الخيبات والإخفاقات التي تسبّبت بها الحكومات المتعاقبة على امتداد أكثر من ستين عاماً، كما تقول لطفي التي تأمل بعرض فيلمها الوثائقي في مطلع العام 2016: "نحن عالقون في هذه الدورة من الإحباط والأمل، والنور والظلام، وهي موجودة أيضاً داخل كل شخص منا، وعلينا نحن السينمائيين أن نستعمل مهاراتنا للتفكير ملياً في وضعنا وفي مانمرّ به الآن".

صحيح أنه كانت لمصر سابقاً ثقافة سينمائية مزدهرة جعلتها تحتل الموقع الأول في صناعة الأفلام في المنطقة، إلا أنه بعد التراجع العام في الفنون المصرية منذ السبعينيات، باتت معظم دور السينما تكتفي حالياً بعرض الأفلام الهوليوودية الناجحة والأفلام المصرية التي تنتمي إلى النزعة السائدة وتعتمد بمعظمها على شخصيات وروايات نمطية. يستقطب السينمائيون التجاريون الجماهير من خلال الشخصيات المثيرة مثل الراقصة الشرقية الحاضرة في كل الأفلام، أما التوصيف الأعمق للعلاقة بين الرجل والمرأة، مثلاً، فغائب إلى حد كبير. بدلاً من ذلك، تهدف معظم الأفلام الرائجة إلى تحقيق أرباح سريعة، على غرار تلك التي تنتجها شركة السبكي للإنتاج السينمائي التي تحقّق نجاحاً هائلاً وبات اسمها مرادفاً ل الكوميديا التهريجية المتدنّية النوعية. وكذلك تمتلئ المساحة السينمائية التجارية بأفلام الميلودراما العاطفية. يقول المخرج كريم حنفي الذي لقي فيلمه "باب الوداع" الذي يقدّم فيه وصفاً سوداوياً عن أسرة في وسط القاهرة، قبولاً كبيراً من الجمهور في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في العام 2014: "عدد دور السينما قليل نسبياً بالمقارنة مع عدد السكان، وهي موجّهة تجارياً. إذاً يشاهد الناس هذه الأنواع من الأفلام لعدم توافر أنواع أخرى ولأنهم متعطّشون للثقافة، وليس بالضرورة لأنهم يحبّون مشاهدة مثل هذه الأفلام".

حتى الآونة الأخيرة، لم تكن الأفلام الأجنبية والمستقلة تُعرَض في دور سينما مجهّزة كما يجب، بل في معاهد على غرار المركز الثقافي الفرنسي الذي يُنظّم مهرجاناً سنوياً في الربيع تُعرَض فيه أحداث الأعمال السينمائية للمخرجين المصريين. منذ آذار/مارس 2014، يسدّ مشروع "زاوية" الفراغ في هذا المجال، وهو عبارة عن سينما من شاشة واحدة تضم 170 مقعداً وتعرض أفلاماً مستقلة لمنتجين أجانب ومصريين داخل مبنى مرمّم في وسط القاهرة. تقول نادية العيسى التي تدير شباك التذاكر في صالة "زاوية" وتعمل على تصميم المشروع وتسويقه: "يزداد الاهتمام بهذا النوع من السينما في مصر، وجمهورنا يتوسّع". في الأشهر الستة الأولى من العرض، باع مشروع "زاوية" عشرة آلاف تذكرة؛ وقد عرض مؤخراً أفلاماً في إطار مهرجان "بانوراما الفيلم الأوروبي" السنوي. تبحث هذه النزعة عن بعض البوادر المشرقة في المجتمع، لاسيما وسط الجيل الشاب الذي بدأ يطرح الأسئلة عن المعايير الاجتماعية والهوية المصرية. لقد أُعجِبت الجماهير كثيراً بفيلم "يهود مصر: نهاية رحلة" الذي عرضه مشروع "زاوية" إلى درجة أنهم طالبوا بعرض إضافي لجزئه الأول "يهود مصر"، وهو وثائقي للمخرج أمير رمسيس صدر في العام 2012 ولقي استحساناً كبيراً، وقد تولّى رمسيس تمويل الجزء الأكبر من تكاليفه ويروي فيه كيف كان اليهود والمسيحيون والمسلمون يتعايشون معاً في المجتمع نفسه.

بيد أن مشروع "زاوية" اضطُرّ إلى الرضوخ لسلطات الرقابة المصرية، وفضّل أحياناً الامتناع عن عرض بعض الأفلام بدلاً من حذف مشاهد منها. قبل عرض أي فيلم على الجمهور في مصر، يجب أن يمرّ أولاً على هيئة الرقابة، مع العلم بأن السلطات لاتعترض عمل المؤسسات المعروفة مثل المركز الثقافي الفرنسي بقدر ماتفعل مع دور السينما المحلية، كما يشرح المحامي أحمد عزت المتخصص في قضايا حرية التعبير. يضمن دستور كانون الثاني/يناير 2014 الحقوق الثقافية التي يتم التطرق إليها تحديداً في المواد 47 إلى 50، وفي المادتَين 65 و67، لكن القوانين الأخرى تنص على خلاف ذلك. حتى إن رئيس الوزراء ابراهيم ملهب أبطل في نيسان/أبريل 2014 قرار هيئة الرقابة، وحظَر عرض الفيلم "حلاوة روح" من بطولة الممثلة والمغنّية اللبنانية هيفا وهبي التي تؤدّي دور مغنّية في ملهى ليلى يُعجَب بها الرجال في الحي الذي تعيش فيه وسكانه هم من أبناء الطبقة العاملة، وذلك على خلفية تلميحاته الجنسية، مع العلم بأن دور السينما كانت قد باشرت بعرضه للبالغين فقط. وقد دفعت خطوة رئيس الوزراء برئيس هيئة الرقابة في مصر إلى الاستقالة تعبيراً عن احتجاجه. يقول عزت تعليقاً على القرار الحكومي الذي أبطلته محكمة إدارية في تشرين الثاني/نوفمبر 2014: "لايملك رئيس الوزراء صلاحية اتخاذ مثل هذا القرار - إنه تصرف غير قانوني".

إلى جانب العراقيل التي تفرضها الرقابة، يواجه السينمائيون الذين يعملون خارج إطار النزعة السائدة، متاهةً من التحديات البيروقراطية التي تجعل من الصعب إنتاج فن نقدي. ينبغي على المخرجين الحصول على ترخيص من نقابة المهن السينمائية التي لاتمنح صفة العضوية الدائمة سوى للسينمائيين الذين درسوا في الأكاديميات السينمائية الرسمية في البلاد. أما السينمائيون الذين لايملكون هذه المؤهّلات - معظم المصريين الذين يريدون دراسة الإخراج إما يسافرون إلى الخارج وإما يتعلّمون من خلال الممارسة عبر تصوير مواد بواسطة الكاميرات الرقمية ثم يحاولون لاحقاً تحويلها إلى أفلام قصيرة - فيُضطرّون إلى تسديد رسوم مرتفعة إلى النقابة للحصول على إذن للعمل على مشروع معيّن، وفي حال مخالفتهم هذا البند، يمكن محاكمتهم أمام محكمة جنائية. ويجب الحصول أيضاً على إذن من وزارة الداخلية لتصوير الفيلم وإلا يواجه طاقم العمل خطر الاعتقال عند التصوير في الشارع، كما أنه ينبغي على هيئة الرقابة الموافقة مسبقاً على النصوص التي تعيدها عادةً إلى المخرجين مع التنقيحات المطلوبة. يقول عزت: "لايتحدّث معظم الفنانين عن التغييرات التي يُضطرون إلى القيام بها لأنهم يريدون إنهاء عملهم. لكن هناك ثغرة خطرة بين الواقع في الشارع ونظرة الناس إلى أنفسهم وكيفية تصويرهم في الأفلام".

في البلدان الأخرى، تسعى السينما المستقلة عادةً إلى إضافة تنوّع إلى صناعة الأفلام وتقديم روايات وآراء بديلة. أما في مجتمع محافظ على غرار مصر التي تواجه تحدّيات سياسية واجتماعية معقّدة ومتشابكة، فيقول السينمائيون إنهم يسعون إلى التفكير ملياً في الأحداث مع جماهيرهم في نوعٍ من التبادل. بيد أن معالجة المسائل الحسّاسة التي تحيط بالسياسة والجنس والدين بأسلوبٍ يدقّق في السلطة ويسلّط الضوء على المحظورات الاجتماعية تصطدم بعراقيل وتعقيدات بسبب الإجراءات البيروقراطية ومنظومة الرقابة التي تهدف إلى فرض قيود على إنتاج مثل هذه الأفلام بذريعة الدفاع عن النظام الاجتماعي وقيَم البلاد. تقول حنفي: "تمرّ بلادي في أوضاع سيئة جداً في الوقت الحالي. لكن الناس لايزالون يتمتعون بحس فنّي عالٍ في حياتهم اليومية - يرسمون تصاميم مدهشة على عربات الـ"توك توك"، هناك موسيقى في الشوارع، وقصص حب محرّمة، والمقاهي أشبه بالعروض المسرحية. هذا ماأراه في مدينتي، ونحن السينمائيين نفتح باباً إلى عالم آخر". لكن العوالم التي يستطيع هؤلاء المخرجون تصويرها، وحتى لو كانت جزءاً من الواقع اليومي للناس، تخضع لرقابة مشدّدة من الدولة التي تمارس سيطرة أبوية على الثقافة بدلاً من أن تترك للمواطنين حرية الاختيار ليقرّروا بأنفسهم مايريدون مشاهدته.

أنجيلا بوسكوفيتش كاتبة وباحثة ومنتجة ثقافية مقيمة في القاهرة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.