تُحرز تركيا تقدّماً في المحادثات مع حزب العمال الكردستاني حول نزع السلاح. ففي خطوة غير مسبوقة في 28 شباط/فبراير الماضي، أطلّ مسؤولون من حزب العدالة والتنمية الحاكم ومن حزب الشعوب الديمقراطي الخاضع لسيطرة الأكراد، معاً أمام وسائل الإعلام لقراءة رسالة موجّهة من عبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني الموجود في السجن، دعا فيها الحزب إلى عقد مؤتمر خلال الربيع الجاري لمناقشة وضع حد للنزاع المسلح، في إطار اتفاق شامل من أجل نشر الديمقراطية على مستوى البلاد كوسيلة لمعالجة المطالب الكردية الأساسية. بيد أن الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في 7 حزيران/يونيو المقبل - فضلاً عن الخلافات حول الحرب في سورية حيث يحارب المقاتلون الأكراد تنظيم "الدولة الإسلامية" - تجعل من المستبعد التوصّل إلى اتفاق سلام.

تكهّنت التقارير الإعلامية، طوال أسابيع، بأن حزب العمال الكردستاني على وشك أن يعلن تخلّيه عن سلاحه، الأمر الذي من شأنه أن يشكّل قراراً مفصلياً. لكن الدعوة إلى عقد مؤتمر للحزب بدلاً من إطلاق تعهّد جازم بهذا الخصوص، بدّدت تلك الآمال. فقد أعلن أوجلان عن إطار عمل من عشر نقاط يشكّل أساساً لمتابعة المحادثات. ووضع قائمة مبهمة من المبادئ للاسترشاد بها في مرحلة رسمية جديدة من المفاوضات، تشمل من جملة أمور أخرى إعادة تعريف السياسة الديمقراطية، وإنشاء هيكلية أمنية جديدة، وتعزيز الحكم المحلي.

وقد أعلن قياديو حزب العمال الكردستاني المتمركزون في جبال قنديل في شمال العراق أن الحزب لاينوي إلقاء سلاحه قبل موافقة حزب العدالة والتنمية على استعمال خريطة الطريق التي وضعها أوجلان ركيزةً لكل المباحثات في المستقبل. لكن في غضون ذلك، يعوّل حزب العدالة والتنمية على نجاح محادثات السلام الكردية لتحقيق فوز انتخابي قوي في الانتخابات المقبلة التي يُتوقَّع أن تكون من الأكثر أهمية في التاريخ التركي. كي يحصل حزب العدالة والتنمية على أكثرية من المقاعد في مجلس النواب وينشئ بصورة أحادية نظاماً رئاسياً تنفيذياً ذا صلاحيات غير مسبوقة، كما طالب الرئيس رجب طيب أردوغان في العلن، ينبغي عليه أن يحافظ على الدعم من قاعدته الانتخابية المحافظة والقومية مع إقناع ناخبيه الأكراد في الوقت نفسه بأنه محرِّك السلام الأساسي. في الانتخابات السابقة، حصل حزب العدالة والتنمية على نصف الأصوات الكردية في جنوب شرق تركيا، وهو يطلب الآن من ناخبيه دعم عملية التسوية الكردية لأنه من شأنها وضع حد للعنف والمساهمة في تعزيز الازدهار الاقتصادي. لقد اعتمد حزب العدالة والتنمية باستمرار على الخطاب الديني كي يُصوّر السلام التركي-الكردي بأنه فعل أخوة إسلامية. 

أما بالنسبة إلى حزب الشعوب الديمقراطي، فقد كان الهدف من الإعلان الصحافي تعزيز صورته وإظهاره بأنه يملك خطة واضحة للمفاوضات على مشارف الانتخابات في حزيران/يونيو المقبل، والتي سيترشّح فيها بصفة حزبية بدلاً من تقديم مرشحين مستقلين، وذلك لأول مرة في تاريخه، بهدف كسب مزيد من الشرعية السياسية. تكمن الاستراتيجية الانتخابية لحزب الشعوب الديمقراطي في تعزيز الصوت الكردي في الشرق والجنوب الشرقي، والتواصل مع الناخبين الذين يميلون إلى اليسار وكذلك الناخبين المتردّدين في الغرب التركي، لاسيما في العاصمة اسطنبول. يأمل حزب الشعوب الديمقراطي، من خلال تكثيف الدعوات العلنية من أجل الإصلاحات الديمقراطية التي يعجز حزب العدالة والتنمية عن تطبيق معظمها أو لايبدي استعداداً لذلك - يأمل إذاً في الحصول على نسبة من الأصوات تتخطّى عتبة العشرة في المئة المطلوبة للفوز بمقاعد رسمية في البرلمان. بيد أن مهمة حزب الشعوب الديمقراطي ستكون أسهل إذا تخلّى حزب العمال الكردستاني وأخيراً عن سلاحه.

المشكلة هي أن المطالب الواسعة التي يرفعها حزب العمال الكردستاني - بما في ذلك وضع دستور تركي جديد - تتطلب أشهراً، لابل سنوات من المفاوضات المعقّدة. غالب الظن أن هذا سيسبّب مشكلة لحزب العدالة والتنمية فيما يصعّد حزب الشعوب الديمقراطي اتهاماته بأن الحكومة تعطّل خطة السلام. من المقرر أن تبدأ عطلة البرلمان التركي في مطلع نيسان/أبريل المقبل، ولذلك يُستبعَد إحراز تقدّم قبل الانتخابات في 7 حزيران/يونيو المقبل. في الوقت الذي تحتدم فيه الحملة الانتخابية، غالب الظن أن كلاً من حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطي سيحاول الظهور في موقع الحزب الأكثر التزاماً بالتوصل إلى اتفاق عن طريق التفاوض. لكن خوفاً من خسارة أصوات القوميين، سيتفادى حزب العدالة والتنمية تقديم تنازلات كبيرة لحزب الشعوب الديمقراطي أو لحزب العمال الكردستاني، مايُقلّل أكثر فأكثر من احتمالات موافقة هذا الأخير على إلقاء سلاحه.

وتزيد الحرب في سورية من تعقيدات المسألة. لقد حقّق حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري الذي تجمعه روابط بحزب العمال الكردستاني، وجناحه المسلّح، وحدات حماية الشعب، تقدماً عسكرياً في شمال سورية، مايجعل حزب العمال الكردستاني أقل ميلاً إلى التخلي عن سلاحه. وقد برز حزب الاتحاد الديمقراطي كمجموعة معارِضة موثوقة في سورية وحليف أساسي للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. يسيطر حزب الاتحاد الديمقراطي حالياً على إقليم روج آفا الذي يديره الأكراد في إطار من الحكم الذاتي ويتألف من ثلاثة كانتونات غير متحاذية الأراضي في شمال سورية. يريد حزب العمال الكردستاني أن يتشارك المسؤولية في النجاح السياسي والعسكري الذي حقّقه حزب الاتحاد الديمقراطي، وذلك انطلاقاً من التقارب العقائدي والعملاني بينهما. إذاً في حال تعبئة مقاتلي حزب العمال الكردستاني في سورية وشمال العراق في الربيع مع اشتداد القتال، من غير المرجّح أن يتخلّى الحزب عن سلاحه في سياقٍ يتمتّع فيه الأكراد بالاعتراف الدولي الذي لطالما تاقوا للحصول عليه. ليست تركيا مرتاحة للاهتمام الذي يحصل عليه حزب الاتحاد الديمقراطي على خلفية دوره في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وقد رفضت العمل العسكري المشترك. ومؤخراً، أعلن اتحاد الجماعات الكردية الذي يضم حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي تحت جناحه، أن حزب العمال الكردستاني جاهز للقتال في الموصل وفي أي مكان لطرد الدولة الإسلامية.

لكن عدم إلقاء السلاح يحمل أيضاً مخاطر لحزب العمال الكردستاني. إذا أرسل الحزب مزيداً من المقاتلين إلى سورية، فسوف يتسبب ذلك بإنهاك موارده العسكرية، وربما تعاظُم حدّة التشنّجات الكردية-العربية مع تمدّد المعارك إلى القرى العربية السنّية. لكن يبدو أن وحدات حماية الشعب صامدة في روج آفا، حتى إنها لاتسعى في الوقت الحالي للحصول على دفق منتظم من التعزيزات من حزب العمال الكردستاني.

سوف يجد حزب العدالة والتنمية صعوبة في إحراز تقدّم في المحادثات مع حزب العمال الكردستاني حول نزع سلاحه فيما يسود بين المقاتلين الأكراد عبر الحدود التركية-السورية شعورٌ بالتضامن ووحدة الهدف في مواجهة "الدولة الإسلامية". لقد أصبحت نتيجة المحادثات مرتبطة بمصير روج آفا. يخشى حزب العدالة والتنمية أن يدفع التعاون مع حزب العمال الكرستاني في سورية بأكراد تركيا إلى السعي كي يحصلوا هم أيضاً على الحكم الذاتي. بيد أن الحكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية أضاعت فرصة قيّمة لبناء الثقة مع الأكراد في سورية وتركيا على السواء العام الماضي، عندما امتنعت عن دعم كوباني خلال الأزمة الإنسانية التي تسبّب بها هجوم الدولة الإسلامية على البلدة.

يتعيّن على حكومة حزب العدالة والتنمية اتخاذ خطوات أكثر جرأة لضمان حقوق الأكراد، لكن مع تصاعد الضغوط الانتخابية، يبدو أنه لن يكون بالإمكان سوى اتخاذ بوادر صغيرة مثل السماح بصدور رسالة أخرى عن أوجلان لتلاوتها على الحشود في تجمّع النوروز، وهو مهرجان كردي يرتدي أهمية سياسية، في ديار بكر. وقد تحدّثت تقارير إعلامية، خلال الأيام القليلة الماضية، عن أن حزب العدالة والتنمية في صدد إنشاء أمانة سر تتألف من سجناء من حزب العمال الكردستاني في إمرالي (حيث يمضي أوجلان عقوبة بالسجن المؤبد). وقد تشمل الخطوات الأخرى إنشاء لجنة للرقابة منتظرة منذ وقت طويل من أجل التنسيق مع الحكومة في المجالات الأساسية، مثل الأمن والحقيقة والمصالحة، والإفراج عن بعض المقاتلين الأكراد الموجودين في السجون والذين يعانون من وضع صحي شديد التأزّم.

خلال الأشهر المقبلة، قد ينظر حزب العدالة والتنمية في تقديم تعاون عسكري محدود لوحدات حماية الشعب - بحسب مجريات المعارك مع الدولة الإسلامية - لكن من غير المرجّح أن يتحوّل إلى تعاون أكثر رسمية. علاوةً على ذلك، قد لايتخلّى حزب العمال الكردستاني عن سلاحه، لكن من المستبعد أيضاً أن يخرق وقف إطلاق النار الذي يمكن أن يستخدمه بمثابة أداة للمساومة في المفاوضات. سيجعل كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطي من السلام قضية محورية في حملاته الانتخابية، لكن ذلك لن يُترجَم تحرّكاً مجدياً يقود إلى التوصل إلى اتفاق عن طريق المفاوضات.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

بورجو أوزتشيليك طالبة دكتوراه في كلية السياسة والدراسات الدولية في جامعة كامبريدج. تركّز في أبحاثها على السياسة الكردية في تركيا والعراق وسورية.