تمحورت التغطية الإعلامية لأخبار تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، في مراحلها الأولى، على سيطرة التنظيم السريعة على الأراضي وتوسيع سلطة الخلافة نحو ليبيا التي تتّسع فيها رقعة الفوضى. بيد أن جهود الدولة الإسلامية في هذه الدولة الشمال أفريقية لم تنجح في تحويل هذه المخاوف واقعاً على الأرض، نظراً إلى أن التنظيم - الذي كان يُعتقَد من قبل أنه يسيطر على مدن مثل درنة وسرت - هو مجرد واحد من فصائل كثيرة تتنافس على النفوذ في هذه المناطق.

لايعني ذلك أن الدولة الإسلامية تفشل في ليبيا - بل إن مسار التنظيم داخل ليبيا يعكس استراتيجيته العراقية التي سعت إلى زيادة مزاياه التنافسية إلى أقصى حد على المستوى المحلي. وتحويل الدولة الإسلامية مركز الثقل من درنة إلى سرت قرار استراتيجي متعمّد إلى حد كبير انطلاقاً من الافتراض بأن سرت تؤمّن فرصاً أكبر للتنظيم بالمقارنة مع درنة.

لكن على النقيض من العراق وسورية، لاتتوافر في ليبيا بعض الظروف الأساسية التي سمحت للدولة الإسلامية بتحقيق مكاسب سريعة في المشرق خلال الصيف المنصرم؛ فالتنظيم يفتقر إلى الروابط الراسخة مع القبائل والمجموعات الاجتماعية الليبية النافذة، كما أنه لاوجود لانقسام مذهبي قوي في ليبيا أو لعدو مشترك يمكن حشد الدعم ضده. لذلك تبدو استراتيجية الدولة الإسلامية في ليبيا موجّهة، بدلاً من ذلك، نحو التسريع في انهيار الدولة وتقويض مشاعر القومية المشتركة لدى الليبيين. في غضون ذلك، يعمل التنظيم أيضاً على تعزيز الظروف التي من شأنها أن تتيح له ترسيخ نفوذه وبناء هوية وطنية-دينية تنسجم مع آراء الخلافة.

في هذا الإطار، يُرجَّح أن الهجوم الأخير الذي شنّته الدولة الإسلامية على البنى التحتية النفطية في حوض سرت لم يكن بدافع الرغبة في الاستيلاء على النفط وبيعه من أجل تحقيق الأرباح - أقلّه ليس في المدى القصير. وكما أظهرت تجربة الحصار النفطي الذي فرضه القائد السابق في قوات حرس المنشآت النفطية الليبية، ابراهيم الجضران، في العام 2014، لايزال من الصعوبة بمكان تهريب النفط الخام من دون علم الدولة الليبية، وذلك بفضل المساعدات الدولية لليبيا. تدرك الدولة الإسلامية ذلك جيداً. وهي تسعى، من خلال عرقلة وصول السلطات الحاكمة الليبية إلى النفط، إلى تسريع انهيار البلاد عبر التسبّب بتفاقم مشكلات الدولة المالية وتقويض قدرة الحكومة على تأمين السلع والخدمات العامة. 

لكن توسّع الدولة الإسلامية في سرت منذ منتصف العام 2014 يمنح التنظيم حكماً العديد من المزايا الاستراتيجية الإضافية. أولاً، لطالما عُرِف عن المدينة أنها تؤوي مجموعات إسلامية وجهادية. على الرغم من أن التنظيم التابع لجماعة أنصار الشريعة في سرت لم يتشكّل رسمياً قبل حزيران/يونيو 2013، إلا أنه يجسّد التيار الإسلامي والجهادي في المدينة الذي بدأ نشاطه بعيد اندلاع الثورة. على امتداد العام 2012، كانت المجموعات الإسلامية المسلّحة تستعرض قواها بصورة مستمرة في سرت، عبر تنظيم مواكب من الآليات الحربية التي ترفع الأعلام السوداء. كما بذلت بعض المجموعات جهوداً لفرض التشدّد أكثر في التقيّد بالشريعة في المدينة. وقد رصّت هذه المجموعات صفوفها في حزيران/يونيو 2013 وأعلنت رسمياً عن إنشاء جماعة أنصار الشريعة في سرت. وقد حافظت على روابط قوية مع جماعة مصراتة والكتائب الثورية. كان القائد الأول لجماعة أنصار الشريعة في سرت يدعى أحمد علي الطيار، وهو مصراتي كان يتولى قيادة كتائب الفاروق في تلك المدينة خلال ثورة 2011. وتحدّثت تقارير إضافية عن بذل جهود لتجنيد أشخاص للانضمام إلى الجهاد في العراق وسورية، ومنها الجهود التي بُذِلت انطلاقاً من مسجد الرباط في سرت، الذي استضاف أيضاً الشيخ تركي البنعلي، الذي يُعتبَر الآن من أبرز المنظّرين العقائديين في تنظيم الدولة الإسلامية، لإلقاء سلسلة من المحاضرات في حزيران/يونيو 2013.

وكذلك سعت الدولة الإسلامية إلى تعبئة السكان المتعاطفين معها في سرت. كما في العراق وسورية، تعطي الدولة الإسلامية في ليبيا الأولوية لبناء الشبكات وجهود التجنيد التي تستهدف الأشخاص والمجتمعات المهمَّشة بفعل الديناميات الحالية للنفوذ السياسي. ففي سرت، مسقط رأس معمر القذافي حيث لقي مصرعه في تشرين الأول/أكتوبر 2011، مدّ التنظيم يده إلى القبائل التي كانت موالية للنظام السابق ولديها تاريخ طويل من النزاع مع مصراتة. في الواقع، لقد عمدت الدولة الإسلامية مراراً وتكراراً إلى مهاجمة القوات المصراتية في سرت والمناطق المحيطة بها، واستفزازها، وليس قوات ابراهيم الجضران الموالية لحفتر في الشرق. ربما يحاول التنظيم بهذه الطريقة شحن القبائل التي كانت موالية للنظام السابق، مثل قبائل القذاذفة والفرجان وورفلة، والتي تشعر بغيظ شديد من التأثير المتزايد الذي تمارسه مصراتة في حوض سرت منذ اندلاع الثورة.

في شرق ليبيا، تستهدف رسائل الدولة الإسلامية حفتر ومجلس النواب اللذين يلقيان دعماً في أوساط القبائل التي كانت موالية للنظام السابق في حوض سرت. وفي مدينة سرت، يركّز التنظيم على المؤتمر الوطني العام وقوات فجر ليبيا وقوات مصراتة. في حين أنه يستحيل التحقّق من صحة المزاعم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن أفراداً من النظام السابق يقاتلون إلى جانب الدولة الإسلامية في سرت وحولها - والتي يبدو أن جزءاً كبيراً منها مصدره الآلة الترويجية لقوات فجر ليبيا - تحاول الدولة الإسلامية بوضوح استغلال هذه المظالم وهذا الشعور بالتهميش.

نظراً إلى موقع سرت على مقربة من الجبهة الأمامية للمعارك بين قوات فجر ليبيا وقوات الكرامة، التحالفَين المتناحرَين في البلاد، تستغل الدولة الإسلامية النزاع عبر تأليب كل واحد من التحالفَين على الآخر، كما فعلت في سورية. إذاً تتموضع الدولة الإسلامية بين التحالفَين، فلايعود من مصلحة أيٍّ منهما الدخول في مواجهة معها، لأن ذلك يجعله عرضةً للهجوم من التحالف الآخر. يبدو أن هذه الديناميات تصبّ من جديد في مصلحة الدولة الإسلامية؛ فقد اضطُرَّت قوات مصراتة إلى وقف القتال ضد الدولة الإسلامية في سرت من أجل مواجهة قوات الكرامة التي جدّدت هجماتها على طرابلس في أواخر آذار/مارس الماضي.

على الرغم من أن الدولة الإسلامية فشلت حتى الآن في الحصول على الدعم الكامل من أيٍّ من القبائل الكبيرة في حوض سرت، لايزال التنظيم يرفض حكومتَي طرابلس وطبرق اللتين أنشئتا بعد الثورة ويعتبرهما غير شرعيتين. قد يلقى هذا الموقف أصداء لدى الشباب في سرت والقبائل التي كانت موالية للنظام السابق، والذين يشعرون بأنهم منبوذون من المنظومة السياسية الحالية. وعلى نطاق أوسع، تهدف هذه الرسالة على الأرجح إلى كسب الدعم من الشرائح السكانية الكبيرة والمتزايدة التي لاتؤيّد المؤتمر الوطني العام ولامجلس النواب.

على الرغم من ذلك، من المستبعد أن يسعى تنظيم الدولة الإسلامية إلى خوض مواجهة في حوض سرت إلا إذا اعتبر أن الظروف في مصلحته. في العراق، بعدما أدّت الزيادة في عديد الجنود الأميركيين وإنشاء مجالس الصحوة إلى تراجع التنظيم على مستويَي القيادة والعناصر العاديين، تحلّى بالصبر الاستراتيجي وعاود العمل سراً من جديد، حيث أعاد تنظيم صفوفه ووسّع شبكاته على مستوى القاعدة القتالية. وقد استغلت الدولة الإسلامية الفوضى في سورية المجاورة لإعادة ابتكار نفسها. غالب الظن أن الخطوات المقبلة التي سيقوم بها التنظيم في ليبيا سوف تعكس هذه المقاربة. فطموحاته تذهب أبعد من سرت، وحتى من ليبيا، وقد يتبّين أن سرت قاعدة مناسبة للتوسّع في جنوب ليبيا، كما في منطقة الساحل والصحراء الكبرى.

تقيم سرت منذ وقت طويل علاقات قبلية واقتصادية مع فزان، وتقع على طول طرقات السفر الأساسية إلى المنطقة. في الواقع، تتجلّى إحدى المحاولات الأولى والأكثر علنية التي تبذلها الدولة الإسلامية بهدف التجنيد في ليبيا، من خلال شريط فيديو بلغة الطوارق يظهر فيه رجلان من الطوارق يقاتلان إلى جانب التنظيم. يوجّه الرجلان دعوةً إلى الطوارق في ليبيا والصحراء والساحل للانضمام إلى الدولة الإسلامية. وفي أسلوبٍ محنّك يُظهر كيف تتلاعب الدولة الإسلامية بمشاعر التهميش والإقصاء من خلال محاولاتها الهادفة إلى الانتشار والتوسع، يشير الرجلان في شريط الفيديو إلى الخلافة بأنها "دولة حقيقية". ونظراً إلى فشل الطوارق في تحقيق حلمهم بإنشاء دولتهم الخاصة في الساحل، بدأ المقاتلون الشباب الطوارق يتسلّلون من جديد إلى ليبيا فيما تراوح التطلعات الوطنية للشعب الأزوادي مكانها في شمال مالي. وعلى نطاق أوسع، تشير روابط الدولة الإسلامية مع شبكات تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في جنوب ليبيا، وانضمام جماعة بوكو حرام في نيجيريا إلى الخلافة مؤخراً - تشير إذاً إلى أنه بإمكان الدولة الإسلامية أن تتحيّن فرصاً أكبر في ليبيا والمنطقة بدلاً من التحصّن في بلدة النوفلية المغبرّة جنوب شرق سرت.

يعتبر كثرٌ في ليبيا والخارج أن المعركة الحاسمة التي تحدّد مصير الدولة الإسلامية في غرب ليبيا باتت وشيكة في سرت وحولها، بيد أن أنماط السلوك السابقة تشير إلى أن الدولة الإسلامية تعتمد أسلوباً استراتيجياً جداً إلى درجة أنها لن تسعى إلى خوض مثل هذه المواجهة في الوقت الحالي. الأغلب هو أن الدولة الإسلامية ستستمر في التموضع بين الأفرقاء المتناحرين في البلاد، والعمل على استقطاب المجموعات المهمّشة والمظلومة، والسعي إلى تقويض قدرات الدولة للتسريع في انهيارها، وترويج رؤيتها الوطنية. في المدى القصير، ستحتل السيطرة على الأراضي المرتبة الثانية فيما تُعطى الأولوية لهذه الأهداف الأساسية بالنسبة إلى التنظيم.

كيفن كايسي باحث متخصّص في السياسة والأمن والثقافة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أمضى كيفن الجزء الأكبر من العام 2014 يعمل انطلاقاً من العاصمة الليبية طرابلس.ستايسي بولارد باحثة ميدانية واختصاصية في العلوم السياسية المقارنة متخصّصة في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.