تكشف نظرة عن كثب إلى نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في إسرائيل بالمقارنة مع انتخابات 2013، عدم حدوث تبدّل كبير في ميزان القوى بين اليسار واليمين في البلاد. بيد أن قرار زيادة الحد الأدنى للأصوات المطلوبة من أجل فوز الأحزاب بمقاعد في الكنيست، من 2 إلى 3.25 في المئة، ستكون له على الأرجح تأثيرات على السياسة المحلية في المدى الطويل.

لقد كان وزير الخارجية الإسرائيلي الصقوري أفيغدور ليبرمان وراء إطلاق هذا التغيير بهدف منع الأحزاب العربية الصغيرة من دخول الكنيست. لكن الأحزاب العربية، وخوفاً من عدم حصولها على الحد الأدنى المطلوب من الأصوات، توحّدت في قائمة مشتركة. على الرغم من أن الآمال التي سبقت الانتخابات بأن تحشد القائمة المشتركة 15 مقعداً وتصبح العضو الأساسي في كتلة يسارية قادرة على إطاحة نتنياهو، لم تتحقّق، إلا أن القائمة العربية المشتركة باتت ثالث أكبر قوة في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) - وهذه سابقة في السياسة الإسرائيلية - عبر زيادة تمثيلها إلى 13 مقعداً، أي بنسبة نحو 20 في المئة. من شأن هذا النجاح الانتخابي، في حال توظيفه كما يجب، أن يرسي الأسس اللازمة لإعادة تأهيل المعسكر الموالي للديمقراطية والسلام في إسرائيل، وربما أيضاً أن يضعه في موقع جيد يخوّله تشكيل ائتلاف قادر على الفوز في الانتخابات المقبلة. يجب بذل مجهود هائل من أجل تحقيق ذلك، لكن ثمة إدراك متزايد في صفوف القائمة وفي بعض الأوساط في اليسار اليهودي بأن هناك فرصة فريدة الآن لايجب تفويتها.

جرى تشكيل القائمة، قبل شهرَين فقط من الانتخابات، انطلاقاً من أربعة أحزاب سياسية متباعدة1. فقد جمعت الحركة الإسلامية (التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر) مع العلمانيين الليبراليين، والنسويين، والقوميين العرب، والاشتراكيين. وضمّت أيضاً نواباً مسلمين ومسيحيين ويهوداً. ولهذه الغاية، كان على القائمة أن تقنع عرب إسرائيل بأنه بإمكان هذه الأحزاب العمل معاً عبر تنسيق حملة وطنية فعّالة ركّزت على الوحدة في وجه الحكومة اليمينية التي تسعى إلى تهميش الفلسطينيين، وتفادت المسائل الخلافية. يعتبر عدد كبير من عرب إسرائيل البالغ عددهم 1.7 مليون نسمة أن الكنيست غير فعّال، وقد اختاروا في السابق مقاطعة الانتخابات الوطنية. بيد أن الحملة التي خاضتها القائمة المشتركة ساهمت في زيادة نسبة الاقتراع لدى الناخبين العرب، من 56 في المئة في العام 2013 إلى نحو 65 في المئة في الانتخابات الأخيرة، وقد صوّت 85 في المئة من الناخبين العرب لمصلحة القائمة المشتركة. وهكذا حصلت القائمة على تفويض لتمثيل عرب إسرائيل ككل من خلال التنسيق بين أعضائها.

أما حكومة نتنياهو التي يُرجَّح أن تكون ائتلافية فيُتوقَّع أن تواصل سياساتها السابقة القائمة على الخطابات والتشريعات التمييزية والقومية المتشدّدة. وغالب الظن أنها ستستمر في توسيع المستوطنات، وإضعاف السلطة الفلسطينية، والإبقاء على هدنة هشّة مع حماس، فيما تواصل، على الصعيد الاقتصادي، إلحاق الأذى بالشرائح الأكثر فقراً في المجتمع، والتي يشكّل العرب جزءاً كبيراً منها. يقول المتحدث باسم القائمة، رجا زعتري، إنه يجب أن تبقى القائمة المشتركة موحّدة، إنما عليها أيضاً أن تمنح كل فريق في التحالف مجالاً كي يسعى بصورة مستقلة إلى تحقيق بعض أولوياته البرلمانية، بهدف مواجهة التحديات المطروحة2. من شأن التفكّك أن يلحق ضرراً فادحاً بمصداقية جميع الأفرقاء في القائمة، بعدما أمضوا الجزء الأكبر من حملتهم في محاولة إقناع الناخبين بأن تحالفهم هو مسألة مبدأ وليس مدفوعاً بالمصلحة في الاحتفاظ بالمقاعد في الكنيست.

لكن الوحدة ليست كافية؛ يجب أن تُظهر القائمة فعالية، حتى فيما تبقى خارج أروقة السلطة من دون القدرة على المشاركة في عملية صنع القرارات. يشير استطلاع أجرته جامعة تل أبيب مع الناخبين العرب إلى أن معظمهم يريدون من ممثّليهم أن يركّزوا أولاً على الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية الضاغطة، ثم معالجة مسألة المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية. واقع الحال هو أن التركيز على تحسين الخدمات العامة والتعليم والعمالة، والحد من الإجرام، ومكافحة التمييز سيكون المعيار الذي سيحاسب الناخبون العرب ممثّليهم على أساسه. من شأن اتخاذ خطوات ملموسة في هذه المجالات أن يساهم في الحفاظ على تصويت الثقة الذي حازت عليه القائمة المشتركة.

فضلاً عن ذلك، سوف يشكّل التعاون مع الشركاء المحتملين في الطيف السياسي اليهودي عاملاً أساسياً في جعل القائمة جزءاً لاغنى عنه في أية معارضة قوية وفعالة في الكنيست الجديد. لقد أكّد زعتري أن القائمة تنوي تشكيل تحالف واسع النطاق دعماً للمساواة وإنهاء الاحتلال. إلا أن هناك اختلافات في صفوف القائمة حول الدور المحدّد الذي سيؤدّيه هذا التحالف في السياسة الإسرائيلية. فبعض الأعضاء، لاسيما من الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش) الاشتراكية، إلى جانب رئيس القائمة أيمن عودة، يشدّدون على أهمية الشراكة العربية-اليهودية وتقديم الدعم لمعسكر مؤيد للديمقراطية يستطيع إطاحة نتنياهو في المستقبل. في المقابل، يرى آخرون، لاسيما داخل التجمع الوطني الديمقراطي (بلد) القومي، أن دورهم في الكنيست هو احتجاج رمزي على الصهيونية، وبالتالي يتجنّبون التعاون مع الأفرقاء الآخرين. بيد أن الناخبين أقل انقساماً حول المسألة من الأحزاب التي تمثّلهم. ففي استطلاع أجرته صحيفة "هآرتس" قبل الانتخابات، قال 58 في المئة من المجيبين العرب الإسرائيليين إنه على القائمة أن تنضم إلى ائتلاف يساري، إذا تمكّن حزب العمل من تشكيل ائتلاف. وقال 22 في المئة إنه لايجدر بالقائمة الانضمام إلى تحالف يقوده حزب العمل، لكن مع ذلك، عليها أن تدعمه في الكنيست. 14 في المئة فقط اعتبروا أنه على القائمة ألا تدعم أي فريق كان.

يمكن أن يشكّل التركيز على المسائل الاجتماعية قضيةً يلتقي حولها المواطنون العرب واليهود المنتمون إلى طيف سياسي واسع. فعلى سبيل المثال، وفي خطوة رمزية قوية خلال السجال الذي سبق الانتخابات، توجّه عودة بالكلام إلى أرييه درعي، رئيس حزب شاس، أكبر الأحزاب الدينية المحافظة، مشيراً إلى أنه لدى الفقراء اليهود والمتديّنين (وعدد كبير منهم أيضاً هم من الفقراء) مصلحة مشتركة مع العرب في تحسين مستويات المعيشة. إذا تواصلت القائمة المشتركة مع اليهود الشرقيين ذوي الدخل المنخفض الذين يصوّتون عادةً لحزب شاس أو حزب الليكود إنما لديهم مصالح اقتصادية مشتركة مع العرب، فقد تتمكّن من مدّ جسور مع شرائح جديدة وتعزيز صفوف الكتلة الداعمة للديمقراطية والمساواة والسلام. لكن إذا انضم حزب العمل إلى ائتلاف نتنياهو، لاسيما بعد الكلام التحريضي الذي صدر عن رئيس الوزراء بحق عرب إسرائيل (هذا السيناريو مستبعد لكنه لايزال مطروحاً على طاولة المفاوضات الخاصة بتشكيل الائتلاف الحكومي)، فسوف يقوّض ذلك إلى حد كبير فرض تشكيل كتلة معارضة قوية.

حقّقت القائمة المشتركة في الانتخابات الأخيرة إنجازاً كان يُعتقَد أنه من المستحيلات - وهو أن قائمة عربية نجحت في أن تصبح القوة الثالثة الأكبر في الكنيست وأحيت من جديد بعض الآمال بالعملية الديمقراطية لدى السكّان المحرومين من حقوقهم. إذا استطاعت القائمة توظيف الزخم الذي ولّدته، فقد تتمكّن من إحداث تغيير كبير في السياسة الإسرائيلية في المستقبل المنظور.

ليهي بن شطريت أستاذة مساعدة في كلية الشؤون العامة والدولية في جامعة جورجيا في أثينا. محمود جرابعة باحث في مركز إيرلانغن للإسلام والقانون في أوروبا، ومقره ألمانيا. مؤلف "حماس: مسيرة متردّدة نحو السلام" (رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2010). يساهمان بانتظام في نشرة صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

1 الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش) الاشتراكية، والتجمع الوطني الديمقراطي (بلد)، والكتلة الموحدة للأحزاب (رام تال) التي تضم الحركة الإسلامية (الفرع الجنوبي) والحركة العربية للتجديد غير الإسلامية.
2 مراسلات مع الكاتبَين.