في الأول من نيسان/أبريل الجاري، رفعت البحرين سعر الغاز الطبيعي المخصص للاستخدام الصناعي بمعدّل 0.25 دولار أميركي لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فضلاً عن فرض زيادة بنسبة 25 في المئة في كلفة الغازولين الذي يُباع للمراكب في المراسي الخاصة. إنها الزيادة الأولى في أسعار المحروقات منذ العام 1983، وقد تتمدّد تدريجاً لتطال الجمهور الأوسع فيما تحاول الحكومة خفض كلفة دعمها لمصادر الطاقة. على الرغم من أنه يُتوقَّع أن تنخفض عائدات الحكومة البحرينية بمعدل الثلث هذا العام بسبب تراجع أسعار النفط، إلا أنها قد تكون فرصة سانحة أمام الدولة لتحقيق الإصلاحات الهيكلية الضرورية جداً في قطاع الطاقة، وخفض الدعم الحكومي للمحروقات، وفرض ضرائب محدودة.

تقدّم البحرين، على غرار الدول الأخرى في مجلس التعاون الخليجي، مجموعة منوّعة من المنافع الاقتصادية لمواطنيها مثل التوظيف في القطاع العام، والرعاية الاجتماعية، والدعم الحكومي للسلع والخدمات. تُعتبَر هذه القنوات والآليات لتوزيع الإيرادات النفطية أساسية من أجل ضمان الاستقرار السياسي والولاء للنظام. لكن في ظل معدلات النمو الاقتصادي اللافتة والطفرة السكانية خلال العقد المنصرم، يلقي الاستهلاك الداخلي المتزايد بضغوط على قدرة الدولة على تأمين البنى التحتية والسكن والدعم الحكومي. ومن المتوقّع أيضاً أن تُسجَّل زيادة في الإنفاق على القطاع الأمني - الذي يشكّل الحصّة الأكبر في موازنة البحرين - فيما تستمر الحكومة في كبح التململ الشعبي.

بغية مواجهة هذه التحديات، اختارت البحرين الوسيلة الأقرب إلى المتناوَل من خلال كبح الدعم الحكومي للمحروقات. أما أشكال الإنفاق المتكرر الأخرى ذات الأبعاد الأوسع نطاقاً، مثل رواتب القطاع العام والخدمات الحكومية، فتترتّب عنها استحقاقات أكبر من الناحية السياسية. بحسب التقديرات، أنفقت البحرين في العام 2013 نحو ثلث موازنتها الحكومية (أو 9 في المئة من إجمالي الناتج المحلي) على دعم المواد الغذائية والمحروقات والمرافق العامة. هذه الإعانات الحكومية غير قابلة للاستدامة في الوقت الذي يُتوقَّع أن يتجاوز الدين العام 50 في المئة من إجمالي الناتج المحلي خلال العام الجاري. حالياً، تطال الخفوضات في الدعم للمحروقات المستخدمين الصناعيين، مايعني أن تأثيرها الاجتماعي يقتصر على الحد الأدنى، بيد أن خفض الدعم لأسعار المحروقات التي يدفعها المستهلكون الأفراد والأسر سيحمل معه خطراً سياسياً كبيراً. من البدائل المحتملة لبرنامج الدعم الشامل المطبّق حالياً اعتماد منظومة التحويلات المباشرة إلى الشرائح السكانية ذات الدخل المنخفض، كما هو الحال في الهند مثلاً.

من جهة أخرى، تعتمد الإيرادات الحكومية في البحرين إلى حد كبير على أسواق الطاقة العالمية. في العام 2013، شكّلت صادرات النفط الخام والمكرَّر 88 في المئة من الدخل الحكومي، وكان ثلاثة أرباع تلك الصادرات من حقل أبو صفا البحري الذي تتشاركه البحرين مع السعودية التي تسيطر على الحقل. سوف يؤدّي تراجع أسعار النفط إلى انخفاض شديد في العائدات الحكومية، لكن من غير المتوقّع أن تكون له تأثيرات كبيرة على النمو الاقتصادي، نظراً إلى أن القطاع النفطي في البحرين هو الأصغر في المنطقة ويشكّل نحو 26 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. لايشكّل النفط 75 في المئة من كل الصادرات وحسب، إنما أيضاً نحو نصف الواردات، لأن البحرين تشتري النفط الخام بسعر السوق من السعودية بهدف تكريره. سوف يؤدّي التراجع الأخير في أسعار النفط إلى خفض فاتورة الصادرات والواردات على السواء، لذلك يُتوقَّع أن يقتصر التأثير الصافي على التجارة، على حدّه الأدنى.

على الرغم من أن القطاعات غير النفطية، مثل التصنيع والبيع بالتجزئة، كانت المحفّز الأساسي خلف النمو في إجمالي الناتج المحلي في الأعوام الأخيرة، إلا أن السياسة الضريبية في البحرين لاتزال في بداياتها، ولاينعكس هذا النمو في مالية الدولة. ويزيد تناقص الإيرادات الحكومية المستمدّة من المصادر غير النفطية، من الاعتماد على العائدات النفطية، نتيجة تحرير التجارة وخصخصة بعض الخدمات الحكومية. ثمة حاجة ماسة إلى أن تبحث الدولة عن مصادر بديلة للدخل عن طريق الضرائب والرسوم. لقد ناقشت اقتصادات مجلس التعاون الخليجي تطبيق الضريبة على القيمة المضافة في مختلف أنحاء المنطقة، مع الإشارة إلى أن تراجع الإيرادات النفطية يقدّم فرصة سانحة من أجل حشد الدعم السياسي للمشروع.

يمكن مقاربة الضريبة على القيمة المضافة بطريقة فعالة وتطبيقها بمستويات متدنّية لخفض التأثير السلبي على المجموعات الهشّة اجتماعياً إلى أدنى حد ممكن. مثلاً، يمكن إعفاء المواد الغذائية والسلع الأساسية من الضريبة على القيمة المضافة فيما تُفرَض معدلات ضريبية أعلى على الكماليات وفائض الاستهلاك. علاوةً على ذلك، تعيد البحرين تقويم الرسوم التي تُجبى مقابل بعض الخدمات الحكومية، مثل إضافة رسم للرعاية الصحية قدره 72 ديناراً (192 دولاراً أميركياً) في السنة، على رسوم التأشيرات للرعايا الأجانب. على الرغم من أن زيادة الرسوم على الجاليات الاغترابية يلقى قبولاً أكبر على الصعيد السياسي في الوقت الراهن، إلا أنه يجب أيضاً زيادة الرسوم على الخدمات التي تُقدَّم للمواطنين، وذلك بصورة تدريجية. تاريخياً، لاتحبّذ البحرين وسواها من اقتصادات الخليج فرض ضرائب ورسوم، مايحول دون تمكُّن هذه البلدان من أن تحصد المنافع التي يؤمّنها تنوّعها الاقتصادي.

البرلمان الحالي في البحرين مؤيّد للحكومة بشدة، نظراً إلى مقاطعة المجموعات المعارضة لمعظم الانتخابات التي أجريت مؤخراً. لذلك ستجد الدولة سهولةً في إقرار تشريعات غير شعبية في المدى القصير. لكن في المدى الطويل، يتطلب خفض الدعم الحكومي وإصلاح السياسة الضريبية الدعم من شرائح أوسع من المجتمع. يتوقّف نجاح الإصلاحات الاقتصادية على المناخ السياسي والعقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها.

تحقَّق أحد الإنجازات في هذا المجال في العام 2008، عندما فرضت البحرين ضرائب على الشركات التي توظّف عمالاً أجانب، بهدف تقليص ثغرة الرواتب وتشجيع القطاع الخاص على توظيف أبناء البحرين. وقد ذهبت الرسوم التي جُمِعت إلى موازنة الدولة، واستُخدِمت في تدريب البحرينيين على وظائف ذات قيمة مضافة عالية. في ذلك الوقت، حارب المحافظون في النظام ومجتمع الأعمال بشدة ضد فرض الضريبة. لكن تمت الموافقة على التغييرات مع دعم جمعية الوفاق، وهي المجموعة المعارِضة الأكبر في البلاد، للاستراتيجيات التي وضعها ولي العهد ومجلس التنمية الاقتصادية. وقد أبدت الحكومة استعداداً للعمل مع التيارات المعارِضة، وأوضحت كيف سيتم إنفاق العائدات الضريبية كي تعود بالفائدة على الطبقة العاملة المحلية. وفي هذا السياق، يجب أن تلتزم الإصلاحات في المستقبل بإطار عمل مشابه. إلا أنه جرى تعليق الضريبة على العمل في العام 2011 (ثم أعيد العمل بها بعد عامَين إنما بمستويات أدنى بكثير)، في إطار تكتيكٍ استخدمه النظام لمعاقبة الوفاق وأنصاره في مقابل تعزيز مكانته في أوساط الشركات والجاليات الاغترابية.

يتطلب خفض الدعم الحكومي وتطبيق الضرائب من الدولة توسيع بعض أشكال التمثيل والمشاركة العامة في صنع السياسات. لكن يبدو أن الدولة تحكم قبضتها أكثر على المجتمع المدني، وتواجه المجموعات السياسية المعارضة رد فعل سلبياً من الرأي العام إبان قرارها البقاء خارج العملية البرلمانية. يجب أن يدرك النظام أن عليه تقديم تنازلات سياسية كي تتبلور الإصلاحات الاقتصادية في الأعوام القليلة المقبلة.

فيما تتّجه البحرين نجو عجز مالي كبير في العام 2015، بإمكان الدولة أن تستثمر التراجع في أسعار النفط عبر خفض الهدر على الإعانات الحكومية وزيادة إيراداتها عن طريق الضرائب والرسوم. يقتضي ذلك من الحكومة القيام بإصلاحات اقتصادية سريعة وحاسمة في الأشهر المقبلة. أما في المدى الطويل، فينبغي على البحرين تحقيق الاستدامة المالية لعقدها الاجتماعي الحالي من خلال الخطاب السياسي الهادف.

علي عبد العال طالب دكتوراه في كلية الدراسات المشرقية والأفريقية. تشمل اهتماماته البحثية التاريخ الاقتصادي والاقتصاد السياسي لدول الخليج العربي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.