الأسبوع المنصرم، خاضت جماعة أكناف بيت المقدس (وهي مجموعة تابعة لحركة حماس تدافع عن سكان مخيم اليرموك)، معركة ضارية في مواجهة هجمات تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة على مخيم اليرموك. وفي خضم هذه الهجمات، شنّ النظام السوري قصفاً عشوائياً على المخيم ذي الكثافة السكانية العالية، مستخدماً أكثر من 40 برميلاً متفجّراً، تحت ذريعة استهداف الدولة الإسلامية1.

إن انسحاب تنظيم داعش من  اليرموك مؤخراً قد لايُغيّر الكثير على الأرض بالنسبة إلى سكّان اليرموك الذين يخضعون للحصار منذ عامَين أي قبل وقت طويل من اندلاع الصدامات الأخيرة. بدأ النظام السوري في تموز/يوليو 2013 فرض حصار على المخيم الذي يقع على بعد أقل من أربعة أميال من قلب العاصمة دمشق، وكان يضم سابقاً 160000 لاجئ فلسطيني. وقد أسفر الحصار عن مصرع أكثر من مئتَي شخص بسبب سوء التغذية، وجفاف الماء من الجسم، والنقص في الأدوية الضرورية لمعالجة أمراض وإصابات قابلة للشفاء. ومنذ كانون الأول/ديسمبر 2012، اعتقل النظام مئات الناشطين في المجتمع المدني أثناء محاولتهم الخروج من اليرموك، معتبراً أنهم يتحدّون سياسات النظام وخطابه. وقد تعرّض بعضهم للتعذيب ولقي مصرعه في الحجز، في حين قضى آخرون نحبهم في الهجمات الجوية أو القصف بالبراميل المتفجّرة أو تحت رصاص القنّاصة2.

أما الآن فيبدّل النظام خطابه حول اليرموك. فعلى الرغم من الحصار الذي يفرضه النظام السوري منذ عامَين ونصف العام، بهدف احتواء التهديد الإرهابي كما يزعم، ادّعى نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد مؤخراً أن النظام السوري بذل كل الجهود الممكنة من أجل تقديم المساعدات الإنسانية والطبية إلى اللاجئين الفلسطينيين وأنه ساعدهم على الخروج من اليرموك بأمان. لكن منذ بدء الحصار، لم يسمح النظام السوري سوى بوصول النذر اليسير من المساعدات إلى المدنيين المتبقّين في المخيم، وأجيز لـ94 شخصاً فقط الخروج من المخيم الأسبوع الماضي عن طريق رواقه الشمالي الذي يخضع لسيطرة النظام. ومنذ بدأت الدولة الإسلامية هجومها على المخيم، جازف مابين 2000 و4000 شخص بالفرار عن طريق الطرف الجنوبي لليرموك الذي تسيطر عليه الدولة الإسلامية وجبهة النصرة في شكل أساسي.

تتواجد جبهة النصرة في مخيم اليرموك منذ فترة طويلة تعود إلى ماقبل هجوم الدولة الإسلامية التي تتحرّك في منطقة الحجر الأسود المجاورة منذ ماقبل هجمات الأسبوع الماضي التي جاءت، كما يُفترَض، رداً على قيام أنكاف بيت المقدس بخطف عددٍ من عناصر داعش. لكن النظام السوري لم يبادر سوى مؤخراً إلى إعطاء الأولوية لمحاربة المسلحين الموجودين داخل المخيم. فقد صرّح وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية، علي حيدر، في 8 نيسان/أبريل الجاري: "الأولوية الآن لإخراج ودحر المسلّحين والإرهابيين من المخيم. وفي المعطيات الحالية، لابد من حل عسكري".

يمكن أن نفهم هذه الأولوية المفاجئة للحكومة السورية على ضوء الانتكاسات الكبرى التي مُني بها النظام خارج دمشق، من جملة أمور أخرى. ففي 28 آذار/مارس الماضي، استولى متمردون بقيادة جبهة النصرة على إدلب في الشمال. وتشق قوات متمردة أخرى طريقها من الجنوب. وفي 25 آذار/مارس الماضي، سيطرت مجموعات ثورية عدة، بينها جبهة النصرة، على بصرى الشام شمال الحدود مع الأردن، ماجعل قوات بشار الأسد تتراجع إلى عتبة السويداء (جبل الدروز) حيث يحاول جيش المجاهدين (ميليشيات درزية) حماية الأقلية الدرزية مهما كان الثمن. وقد تحوّل الأسد، بعدما أضعفته هذه الخسائر، نحو محافظة دمشق حيث وجد نفسه في موقع ممتاز لاستغلال الوضع في اليرموك. حتى إن الحكومة السورية عرضت بسخاء تمويل المجموعات الفلسطينية لهزم داعش. قد يتمكن النظام من الجلوس والتفرّج فيما تتقاتل جبهة النصرة والدولة الإسلامية وأكناف بين المقدس والمجموعات الثورية الفلسطينية في مابينها وتصفّي بعضها بعضاً.

يستميت اللاجئون الفلسطينيون في مخيم اليرموك الآن من أجل إنقاذ أبناء قومهم من مجزرة، حتى لو اقتضى ذلك القبول بالمساعدة من النظام. في خضم هذه الاضطرابات، يستطيع الأسد أن يزعم في العلن أنه "ينقذ الفلسطينيين" في حين أنه مسؤول عن مقتل مئات النشطاء السياسيين الفلسطينيين وعن حصار اليرموك الخانق المستمر منذ عامَين. بيد أن المرضى والعجائز والمصابين لايزالون بأمس الحاجة إلى المساعدة. لقد غادر معظم عمال الرعاية الصحية المخيم، وأغارت الدولة الإسلامية على الإمدادات الطبية المحدودة في المركزين الطبيين الوحيدين المتبقّيَين في اليرموك، مستشفى الباسل ومستشفى فلسطين، اللذين دمّرهما أيضاً القصف الجوي3. علاوةً على ذلك، لم يحصل السكّان على الماء أو المعونات الغذائية منذ بدء أعمال العنف الأخيرة.

لقد تحوّل سكان اليرموك الحاليون والسابقون على الفور نحو وسائل التواصل الاجتماعي والعمل الفني السياسي أملاً في لفت انتباه المنظمات الناشطة تماماً كما فعلوا عند بدء الحصار. لايعلّقون آمالاً كبيرة على إنقاذ المخيم الذي أنشأه أسلافهم في العام 1957. أملهم الوحيد الآن هو إنقاذ البشر والنأي بأنفسهم عن لعبة الشطرنج المهلكة التي يقودها الأسد. هذا النزاع تذكيرٌ صارخ بأنه مادام الفلسطينيون من دون دولة ويفتقرون إلى الحق في الحصول على ملاذ، سيظلون معرضين للهشاشة مهما بذلوا من مجهود في إعادة الإعمار. ففي غياب التدخّل الحازم من الأفرقاء الدوليين والمنظمات الدولية الفاعلة لتأمين المساعدات الإنسانية الحيوية إلى سكان اليرموك، قد يشهد العالم على مجزرة جديدة فيما يعلق الفلسطينيون أكثر فأكثر في نزاع لاشأن لهم به.

ناتاشا هول محللة مستقلة متخصصة في شؤون اللاجئين والأزمات الإنسانية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. يقول النشطاء إن عدد الأشخاص الذين يسقطون الآن جراء القصف بالبراميل المتفجرة أكبر من عدد الضحايا الذين يسقطون على أيدي داعش.
2. بالاستناد إلى مقابلات أجرتها الكاتبة مع نشطاء في المجتمع الأهلي وأعضاء في لجان التنسيق المحلية في مخيم اليرموك، 8 نيسان/أبريل 2015.
3. بحسب العاملين في المجال الإنساني في مؤسسة جفرا للإغاثة والتنمية الشبابية التي تعمل مع سكان اليرموك على الأرض، 3-5 نيسان/أبريل 2015.