بعد الهجوم الأخير في تكريت، يحوّل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أنظاره نحو الأنبار، حيث لاتزال مناطق محدودة فقط من المحافظة الغربية الواسعة تحت سيطرة الحكومة. لكن فيما تستمر المواجهة ضد الدولة الإسلامية، تدور معركة حيوية أخرى داخل العراق على الدولة العراقية في ذاتها. تضع هذه المعركة العبادي والفصائل الشيعية القومية في مواجهة مجموعة من الميليشيات المدعومة من إيران وأجنحتها السياسية التي توسَّع نفوذها بصورة دراماتيكية إبان انهيار الجيش العراقي في الشمال في حزيران/يونيو 2014.

على الرغم من أنه يبدو أن هجوم تكريت تم بمبادرة إيرانية، نجح العبادي بمهارة في جعل الدولة العراقية لاعباً أساسياً. في البداية، انصب الاهتمام الإعلامي على وجود قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي، في محافظة صلاح الدين، وعلى التقارير عن تقدُّم الميليشيات المدعومة من إيران باتجاه تكريت، مسقط رأس صدام حسين. وأبرز هذه الميليشيات عصائب أهل الحق التي انبثقت عن التيار الصدري الإسلامي القومي في العام 2004 وأصبحت بمثابة وكيل عن إيران خلال الحرب الأهلية السابقة؛ ومنظمة بدر التي تأسّست في إيران في العام 1982 والتي يُعتبَر قائدها المخضرم هادي العامري العرّاب السياسي لقوات الحشد الشعبي؛ وكتائب حزب الله، وهي عبارة عن مجموعة أصغر حجماً معروفة بعملياتها النوعية، بقيادة رجل يدعى أبو مهدي المهندس القائد العسكري لقوات الحشد الشعبي وهو مقرَّب من سليماني.

مع تعثُّر التقدّم باتجاه تكريت الذي كانت تقوده الميليشيات في منتصف آذار/مارس الماضي، سنحت الفرصة أمام العبادي من أجل دعوة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة للمشاركة في الهجوم على تكريت، عبر استهداف مواقع داعش الأكثر تحصيناً داخل المدينة، الأمر الذي فرض تراجع المليشيات - ليس فقط لأن الولايات المتحدة طلبت ذلك، إنما أيضاً لأن الميليشيات لم تستطع أن تسمح لنفسها بالتعاون مع القوات الأميركية. ثم أصدر العبادي أوامره للقوات الحكومية كي تتقدّم بقيادة القوات الخاصة المعروفة باسم "الفرقة الذهبية". لقد عزّزت النزهة التي قام بها العبادي في وسط تكريت في الأول من نيسان/أبريل الجاري، برفقة محافظ صلاح الدين رائد الجبوري، والتي جرى إخراجها بإتقان شديد - عزّزت إذاً الانطباع بأن الحكومة تتولّى زمام الأمور.

الخطوة الأقوى التي قام بها العبادي لإخضاع قوات الحشد الشعبي تمثّلت في التصويت داخل مجلس الوزراء في 7 نيسان/أبريل الجاري الذي وضع تلك القوات رسمياً تحت سلطته بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، بحسب ماينص عليه الدستور العراقي. وتتعزّز هذه السطة من خلال نفوذ المال، بما أن الحكومة هي التي تُخصّص أموالاً من الموازنة لتسديد رواتب عناصر قوات الحشد الشعبي. وقد يتم أيضاً تعزيزها بواسطة التشريعات، على غرار مشروع قانون "الحرس الوطني"، الذي من شأنه أن يمنح هيكلية قانونية لقوات الحشد الشعبي ويؤدّي إلى إنشاء وحدات من عناصر مجنَّدين محلياً في المحافظات كافة, الشيعية والسنية، مايضع السلطة في أيدي رئيس الوزراء. بيد أن هذا المشروع يواجه عرقلة في مجلس النواب، والشرعية الوحيدة التي تتمتع بها قوات الحشد الشعبي حالياً مستمدة من إدراجها في الموازنة وتخصيص أموال لها؛ فليس هناك من قوانين تنظّم هيكليتها أو هرميتها القيادية مثلاً.

كي نفهم بطريقة أسهل التحدّي الذي يواجهه العبادي في إعادة تثبيت سلطة الدولة، يجب إلقاء نظرة على صعود الميليشيات الشيعية. يمكن تقسيم نمو تلك الميليشيات قبل حزيران/يونيو 2014 إلى ثلاث مراحل. المرحلة الأولى كانت قبل العام 2003، عندما دعمت إيران سلسلة من الفصائل الإسلامية في سياق حربها مع العراق خلال الحكم البعثي. وقد كانت كل تلك الفصائل منبثقة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن حزب الدعوة الذي يُعتبَر التنظيم الأم لجميع الإسلاميين الشيعة، والذي تأسّس في العام 1958 ويتولّى رئاسة الوزراء في العراق منذ العام 2005. الفصيل الأقوى بينها كان منظمة بدر، الجناح المسلّح لما يُعرَف الآن بالمجلس الأعلى الإسلامي العراقي. في حين أن المجلس كان أداة بيد إيران في تلك المرحلة، حافظت بعض الفصائل، مثل حزب الدعوة، على شيء من الاستقلال عن إيران.

المرحلة الثانية من نمو الميليشيات كانت بعد العام 2003. الميليشيا الأساسية التي تحدّت منظمة بدر كانت جيش المهدي، الجناح المسلّح للتيار الصدري. لقد انبثق الصدريون عن تيار أنشأه محمد صادق الصدر الذي أصبح نجله مقتدى الصدر رمزاً للتيار. خلال الحرب الأهلية في 2005-2006، حارب البدريون والصدريون على السواء المقاتلين السنّة، في حين قتلت فرق الموت آلاف المدنيين السنّة. وفي جانب أساسي، أتاح تقدّم منظمة بدر على صعيدَي القوة العسكرية والتنظيم، للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي الحصول على حصة أكبر من حجمه في الانتخابات، وقد تسلّل عدد كبير من عناصر منظمة بدر إلى الأجهزة الأمنية. وبات العراقيون يربطون الصدريين بالإجرام، ماأثار رد فعل قوياً ضدهم سمح لرئيس الوزراء نوري المالكي بأن يُقدّم نفسه في صورة القومي عبر خوض حرب ضد الصدريين في العام 2008.

أما المرحلة الثالثة في نمو الميليشيات فبدأت في العام 2010، وتمحورت حول الانتخابات النيابية. على الرغم من أن ائتلاف دولة القانون برئاسة المالكي فاز بغالبية من الأصوات في المناطق الشيعية، حقّق ائتلاف العراقية العلماني الذي يتألف في شكل أساسي من السنّة، أكثرية ضئيلة على الصعيد الوطني. تحوّل المالكي نحو إيران للحصول على المساعدة، فكانت هذه بداية تحالف بين الطرفَين. صحيح أن كلاً من الولايات المتحدة وإيران دعم المالكي، لكن إيران فقط استخدمت إعادة انتخابه لتشكيل تحالف مستمر معه.

في حين رعى المالكي ميليشيات متعددة، برز في شكل أساسي ارتباطه بمجموعتين اثنتين. تمثّل الارتباط الأول في تحالف جديد مع منظمة بدر بقيادة العامري الذي وضع مقاعد المنظمة في مجلس النواب بتصرّف المالكي في العام 2010، وانشق رسمياً عن المجلس الأعلى الإسلامي في العام 2011، وانضم إلى ائتلاف المالكي في انتخابات المحافظات في العام 2013. أما الارتباط الثاني والذي يحمل مضامين أبعد فتمثّل في رعاية المالكي لعصائب أهل الحق المنبثقة عن التيار الصدري والتي لم يكن لها حضور قوي قبل أن تبدأ إيران بدعمها. ففي العام 2010، كانت لاتزال مجموعة صغيرة، لكن حضورها أصبح واضحاً في بغداد خلال ولاية المالكي الثانية (من كانون الأول/ديسمبر 2010 إلى أيلول/سبتمبر 2014). يبدو أن كمال الساعدي، النائب عن ائتلاف دولة القانون، يؤمّن الارتباط السياسي بين المالكي والمجموعة؛ في عرض عسكري نظّمته عصائب أهل الحق في حزيران/يونيو 2012، ألقى الساعدي كلمة حذّر فيها من أن المالكي هو هدفٌ لمؤامرة تستهدف العراق برمته. ثم شارك في فعاليات مماثلة أقامتها عصائب أهل الحق في أيار/مايو 2013.

بحلول حزيران/يونيو 2014، عندما انهارت فرق الجيش التي كانت تدافع عن الموصل، وتراجعت أمام الهجوم الذي شنّه تنظيم داعش، كان قد أصبح لمنظمة بدر وعصائب أهل الحق وميليشيات شيعية أصغر حجماً حضور راسخ في العراق. وفي لحظة من الإحباط الوطني، في 13 حزيران/يونيو 2014، بعد ثلاثة أيام من سقوط الموصل، ألقى عبد المهدي الكربلائي، ممثل آية الله العظمى علي السيستاني، خطبة ذات أهمية بالغة. وأصدر فتوى اعتبر فيها أن القتال ضد داعش جهادٌ في سبيل الله، وناشد المؤمنين التطوع في القوات الأمنية بأعداد كافية. لكن اللغة التي استخدمها ("من هنا فإن على المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيين دفاعاً عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم... عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية") فضلاً عن التوضيحات اللاحقة تُظهر أن السيستاني لم يمنح الشيعة تفويضاً لشنّ حرب ضد السنّة في شكل عام، بل من أجل دعم الدولة. بيد أن الفتوى أمّنت غطاء لصعود الميليشيات ماأدّى إلى انتشار ذهنية الدولة العسكرية وسيطرة الميليشيات على بغداد والمناطق المحيطة بها.

أثار بيان الكربلائي الكثير من الجدل لأسباب عدة منها أن السيستاني كان دائماً قوة تعمل من أجل الوحدة الوطنية وترفض ممارسة الشيعة للأمن الذاتي في مواجهة السنّة. لم يأتِ البيان في ذاته على الإشارة تحديداً إلى المواطنين الشيعة، على الرغم من أن الخطبة التي سبقته مباشرةً تضمّنت بطريقة غير معهودة تعليقات عن الاستعدادات الميدانية للحرب تحت قيادة "الإمام المهدي"، ماأضفى على النداء طابعاً أكثر شيعية. (تُقسَم خطبة الجمعة عادةً إلى شقَّين: ديني وسياسي). وقد عزّز التجاوب الشعبي، مع تدفّق المتطوعين للانخراط في الميليشيات، هذا الشعور.

بعيد ذلك، أنشأ المالكي المنظمة الجامِعة للميليشيات المسمّاة الحشد الشعبي، والتي تُعرَف اختصاراً بالحشد. وقد عرض المالكي نحو 750 دولاراً في الشهر على المتطوعين تشمل الراتب وتعويض المخاطر وبدل الطعام، مع العلم بأنه خلال الجزء الأكبر من العام 2014، لم يحصل سوى قلة من المتطوعين على رواتبهم. لم يكن لديه أي أساس قانوني للقيام بذلك، ماعدا منصبه الدستوري كقائد أعلى للقوات المسلحة.

قيادة الحشد هي المسألة الأكثر إثارة للجدل في السجال المستمر حول تكاليف الحرس الوطني. على الرغم من نية السيستاني الواضحة بتشجيع الشيعة على الانضمام إلى القوات المسلحة، انخرط السواد الأعظم من المتطوعين في القوات غير النظامية، وأبرزها المجموعات التي تدين بالولاء لإيران والتي تشمل منظمة بدر بقيادة العامري، العرّاب السياسي لقوات الحشد، وعصائب أهل الحق. يبدو أن أبو مهدي المهندس، قائد كتائب حزب الله الذي تصنّفه الولايات المتحدة (والكويت) على لائحة الإرهاب، والذي اتّخذه المالكي مستشاراً له في ولايته الثانية، يتولّى الآن القيادة العسكرية لقوات الحشد. فبعدما أدّى دوراً غامضاً الخريف الماضي، عقدَ في 31 كانون الأول/ديسمبر المنصرم مؤتمره الصحافي الأول بصفته "نائب رئيس" الحشد. الرئيس الاسمي لقوات الحشد الشعبي هو مستشار الأمن القومي فالح الفياض، وهو إسلامي خاضع وغير كاريزماتي مرتبط برئيس الوزراء الاسبق (ووزير الخارجية الحالي) ابراهيم الجعفري، إلا أنه ليس واضحاً إذا كان يمارس أية سيطرة فعلية.

لكن على الرغم من بروز المجموعات الموالية لإيران، ثمة مجموعة أخرى من القوات الشيعية التطوعية التي تتماهى بوضوح مع الدولة الإسلامية. إنها مرتبطة إما بمؤسسة السيستاني في كربلاء وإما بالأحزاب الشيعية الراسخة، لاسيما الصدريين والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي. لقد أنشئت ميليشيا الصدر الأساسية، "سرايا السلام"، خلفاً لجيش المهدي. وقد انتهج الصدريون خطاً قومياً مشيرين إلى أنه يجب حل قوات الحشد الشعبي بأسرع وقت ممكن وانضمام المتطوعين إلى وحدات تخضع لسلطة رئيس الوزراء المباشرة. لديهم مصلحة واضحة في هذا الإطار: فاز مرشحو التيار الصدري بـ34 مقعداً في الانتخابات البرلمانية العام الماضي، في حين لم تفز عصائب أهل الحق سوى بمقعد واحد، ومع ذلك ازداد نفوذها بفعل الدعم المشترك من إيران والمالكي. أما المجلس الأعلى الإسلامي فقد تبنّى موقفاً أكثر التباساً، لكنه أقرب إلى العبادي منه إلى العامري على المستوى السياسي.

إذاً الساحة مهيّأة، حيث يدور الصراع السياسي الأساسي بين العبادي والعامري. يملك حزب العامري 22 مقعداً في مجلس النواب، وحلفاؤه أكثر نفوذاً على الأرض في الوقت الحالي، بعدما عرفوا زخماً في الأشهر الأخيرة بسبب دورهم على الجبهة الأمامية في مواجهة المجاهدين السنّة. بيد أن العبادي يملك المنصب الدستوري، ونفوذ المال، ويمكنه الاعتماد على الدعم من الفصائل الشيعية التي من مصلحتها الحفاظ على نظام سياسي مستقل في العراق. إذاً السؤال المطروح هو الآتي: هل تنتهي مرحلة السنوات الثلاث التي تفصلنا عن الانتخابات العراقية المقبلة بسيطرة أشخاص مثل العبادي أو العامري على الحكم؟

كيرك إيتش سويل محلل للمخاطر السياسية مقيم في عمان في الأردن وناشر الرسالة الإخبارية Inside Iraqi Politics التي تصدر كل أسبوعين. يمكنكم متابعته على تويتر: @uticensisarabic

هذا المقال هو الأول في سلسلة من المقالات تحت عنوان "الميليشيات الشيعية ومستقبل الدولة العراقية".

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.