كورينا مولين أستاذة مساعدة زائرة في مادة العلاقات الدولية في جامعة تونس، وباحثة مشاركة في كلية الدراسات المشرقية والأفريقية. 

على الرغم من إجراء جولتين انتخابتين ناجحتين إلى حد كبير، وإقرار دستور حظي بثناء واسع، وفتح الساحتَين السياسية والعامة أمام مشاركة شرائح أوسع من المجتمع التونسي، لايزال "الانتقال الديمقراطي" في تونس موضع سجال. لقد دفعت العودة الظاهرية لدولة الأمن القومي بعدد كبير من المحللين إلى الاستنتاج بأن النضال من أجل الحقوق والعدالة مستمر.

والجانب الأبرز في هذا المجال هو بقاء إطار العمل القانوني-المؤسسي على حاله، والذي لطالما أتاح استخدام القانون أداة للسلطة، والتركيز على الخطاب الأمني الذي يتم من خلاله تأكيد شرعية الدولة وتطبيع العنف السياسي. وأحد الجوانب الأساسية في إطار العمل هذا قانون مكافحة الإرهاب الصادر في العام 2013. فقد تعرّض لانتقادات واسعة على خلفية تصنيفه مجموعة واسعة من الأنشطة السياسية في خانة الجرائم، لكن محاولات تعديله لجعله منسجماً مع معايير حقوق الإنسان الدولية باءت بالفشل. على الرغم من أن مشروع قانون مكافحة الإرهاب الذي تتم مناقشته حالياً في مجلس النواب التونسي قد يقدّم متنفّساً صغيراً، إلا أنه يمكن أن يتسبّب أكثر فأكثر بتقويض مجموعة من الحريات والحقوق المحميّة دولياً.

لاتزال القوانين الجزائية والعسكرية غير المعدَّلة تتيح للمسوؤلين الرسميين الإفلات من العقاب، وتجيز قانوناً مايعتبره كثرٌ قمعاً للمعارضة السياسية المشروعة. وقد انتقد الناشطون الحقوقيون مشروع القانون الذي اقتُرِح مؤخراً من أجل "حماية الشرطة والقوات المسلحة"، وسلّطوا الضوء على البنود التي من شأنها أن تفرض قيوداً شديدة على قدرة الصحافيين المستقلين والمدوّنين وسواهم على الكتابة عن ممارسات مكافحة الإرهاب وانتقادها. كما أن حرية التعبير والخصوصية تواجهان على الأرجح مزيداً من التهديد بسبب إخفاق الحكومة في وضع إطار عمل قانوني مرتكز على الدستور للاحتفاظ بالبيانات وتحديد "دور ووظيفة" وكالة الاتصالات السلكية واللاسلكية التونسية (التي غالباً ماتوصَف بأنها وكالة الأمن القومي التونسية).

غالباً مااستُعمِل الأمن القومي في تونس، كما في أجزاء كثيرة من العالم، أداةً للسيطرة الاجتماعية. ولايزال يُستخدَم ذريعةً لضبط "المجموعات الإِشكالية" بدءاً من الشباب المحرومين وصولاً إلى المجتمعات الحدودية المهملة. وغالباً مايردّد الإعلام الروايات التي تروّجها الدولة الأمنية. لايزال التعذيب وغياب الإجراءات القانونية مسائل ملحة، لاسيما في قضايا التهم الإرهابية. يخشى كثر أن تتدهور الأوضاع في أعقاب الهجمات المأسوية على متحف باردو الوطني في تونس. وقد جرى إرجاء اتخاذ أية خطوات فعلية من أجل التغيير البنيوي، وذلك بسبب تعثُّر عملية العدالة الانتقالية، ماحال دون فتح "الصندوق الأسود" لوزارة الداخلية التونسية والتدقيق فيه.

بيد أن السؤال إذا كانت المكاسب الديمقراطية التونسية هشّة جداً بحيث لايمكنها أن تصمد أمام الأجندة الحكومية الحالية لمكافحة الإرهاب يحدّ من إطار هذا النقاش. فالأسئلة الأكثر تصويباً للنقاش قد تشمل: هل النظام السياسي الحالي على قدر المثل العليا التي جرى التعبير عنها خلال الانتفاضة؟ هل يمكن تحقيق الديمقراطية بوجود قانون أمني عالمي مشدَّد القيود ونظام اقتصادي عالمي يقوِّض مساعي التغيير البنيوي في أي بلد كان؟ نظراً إلى محورية المظالم الاجتماعية والاقتصادية بالنسبة إلى الانتفاضة، هل يمكن إرساء نظام ديمقراطي يتيح إعادة توزيع السلطات والثروات كي تكتسب الحقوق المجرّدة جوهراً حقيقياً؟ هل يمكن إقامة نظام ديمقراطي حيث لايؤدّي السعي إلى فرض "الأمن" والحريات الفردية، إلى تعزيز هيكليات المواطنة أو توليد هيكليات مواطنة جديدة، بل يقود إلى تفكيكها؟

طرح هذه الأسئلة والإجابة عنها سوف يسمحان لنا بتجاوز النقاشات التي لاتزال تعرقل "الانتقال الديمقراطي" في تونس. وقد تضيء هذه الأسئلة أيضاً على أسباب تعاظم خيبة الأمل من السياسة المؤسسية في أوساط بعض الشرائح في المجتمع الونسي التي ربما ترغب في الديمقراطية ليس كغاية في ذاتها، إنما كوسيلة لبلوغ نظام سياسي أكثر عدالة. السؤال الذي يحاول كثرٌ في تونس - وأماكن أخرى في العالم - الإجابة عنه حالياً هو إذا كان تحقيق هذا النظام ممكناً أم لا في السياق الجيوسياسي والأمني القومي الحالي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.