يعيد الجهاد الإسلامي الفلسطيني الذي لطالما اعتُبِر تنظيماً عنيفاً، اختراع نفسه. فالحركة التي تأسّست بهدف مقاومة إسرائيل عن طريق الوسائل المسلّحة والتي صنّفتها الولايات المتحدة في خانة المنظمات الإرهابية، أضافت الدبلوماسية والخدمات الاجتماعية إلى عدّة عملها - وقد بدأت هذه المقاربة تحقّق بعض النتائج. فالأفرقاء الدوليون الذين تجاهلوا الجهاد الإسلامي الفلسطيني في السابق أو عاملوه معاملة المنبوذين، يعمدون الآن إلى إدراجه في حساباتهم الدبلوماسية. على الرغم من أن التنظيم لايزال يلجأ إلى العنف دعماً لرؤيته عن التحرير الفلسطيني، إلا أنه يُظهر بوادر بأنه يقوم بتوسيع مهمته ويسير ببطء على الطريق نفسه الذي سلكته قبله حركة فتح ومن ثم حركة حماس.

على المستوى الوطني، أنشأ الجهاد الإسلامي الفلسطيني عدداً من المجموعات البحثية والنضالية غير الربحية التي تُعنى بالمسائل السياسية والأمنية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. في الأعوام القليلة الماضية، نجح الجهاد الإسلامي الفلسطيني في تقديم نفسه كحركة سياسية-اجتماعية عبر الاستثمار في الإغاثة الإنسانية، والرعاية الاجتماعية، وعمليات الإنقاذ. فعلى سبيل المثال، عقب حرب إسرائيل-غزة الأخيرة، بنى التنظيم ملاجئ، ووزّع حصصاً من المواد الغذائية، وأدّى دوراً أساسياً في إنقاذ الأشخاص المحتجزين تحت الأنقاض. على الرغم من عدم توافر تقديرات حول عدد المنظمات التابعة للجهاد الإسلامي الفلسطيني وأعداد عمّاله الاجتماعيين، زاد التنظيم موازنته لمواجهة المشاكل الإنسانية المتعاظمة في غزة.

ظهرت المؤشرات الأولى عن المقاربة الجديدة للجهاد الإسلامي الفلسطيني بعدما قرّر التنظيم المشاركة في عملية المصالحة الفلسطينية في العام 2005. ثم وافق في العام 2011 على المشاركة في اللجنة التسييرية المؤقتة لمنظمة التحرير الفلسطينية. في السابق، أدان الجهاد الإسلامي مراراً وتكراراً علاقات منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل واتهمها بالفساد. وكذلك رفض التنظيم المشاركة في الانتخابات الفلسطينية لاختيار المجلس التشريعي - في العامَين 1996 و2006 - والتي كان يُعتقَد أنها تتم تحت مظلة عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية. بيد أن التنظيم يُبدي الآن استعداداً للتنافس على المقاعد في المجلس الوطني الفلسطيني في الانتخابات المقبلة.

تسبّب الانقسام السياسي الفلسطيني، لاسيما بين حركتَي "فتح" و"حماس"، طيلة ثماني سنوات، بإحداث فراغ سياسي. فبعد المحاولات الفاشلة الكثيرة التي بذلتها الدول العربية للتوسّط في النزاعات، ظهر الجهاد الإسلامي الفلسطيني في موقع المحاوِر الفلسطيني غير المتوقَّع القادر على تحقيق التسوية ووضع حد للانقسام. منذ ذلك الوقت، يجري قادة الجهاد الإسلامي الفلسطيني مباحثات مستمرة مع حركتَي فتح وحماس، وقد نظّموا ندوات وحلقات عمل لتسليط الضوء على عواقب الشقاق الفلسطيني. في مطلع العام 2015، أحضر أمين عام الجهاد الإسلامي الفلسطيني، رمضان شلّح، ونائبه زياد النخالة، وفوداً فلسطينية متنوّعة إلى مصر من أجل استئناف الحوار وتسهيل التعاون. على الرغم من أن هذه المحاولة باءت بالفشل، إلا أنها كانت مبادرة مدروسة بعناية بالتنسيق مع المسؤولين السياسيين المصريين، وقد ساهمت في ترسيخ مكانة الجهاد الإسلامي كمحاوِر فلسطيني قادر على العمل مع جميع الأفرقاء العرب المعنيين.

كما شارك الجهاد الإسلامي الفلسطيني في المفاوضات خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة في العام 2014، حيث كانت مشاركة التنظيم ضرورية للتوصّل إلى وقف إطلاق النار الذي أدّى إلى إنهاء النزاع. لقد ساهم ذلك على مايبدو في تحسين علاقات التنظيم مع مصر، وذلك خلافاً للعلاقات بين هذه الأخيرة وحماس، نظراً إلى أن إسرائيل أبدت استعداداً للتفاوض مع الجهاد الإسلامي الفلسطيني عن طريق مصر، إدراكاً منها للإمكانات العسكرية للتنظيم وشعبيته داخل المجتمع الفلسطيني.

وكذلك أفاد الجهاد الإسلامي الفلسطيني من التغييرات الأوسع في المشهد السياسي في الشرق الأوسط. كان لسقوط الإخوان المسلمين في مصر في العام 2013 تأثير سلبي جداً على حماس في غزة، لكن الجهاد الإسلامي حافظ على علاقاته مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومجموعات سياسية أخرى في مصر، وعمل على تعزيز تلك الروابط. على الرغم من أن قادة الجهاد الإسلامي يختلفون في الرأي عقائدياً مع النظام المصري الحالي، إلا أنهم اختطوا لأنفسهم مساراً ثالثاً وحافظوا على علاقات جيدة مع المسؤولين الأمنيين المصريين. فعلى سبيل المثال، يحافظ الجهاد الإسلامي على قنوات تواصل مع رئيس جهاز المخابرات العامة في مصر، كما قام قياديوه بالعديد من الزيارات الخاطفة إلى مصر، لاسيما منذ تسلّم السيسي السلطة.

على النقيض من حماس، حافظ الجهاد الإسلامي الفلسطيني أيضاً على علاقاته مع إيران على الرغم من اتّساع الهوة بين السنّة والشيعة في المنطقة. لم يشارك التنظيم في الحرب السورية إلى جانب المعارضة، كما أنه لم يقدّم دعماً عسكرياً أو لوجستياً للنظام. (حافظ على علاقاته مع القادة السوريين، آخذاً في الاعتبار أعداد اللاجئين الفلسطينيين في البلاد وروابطه السياسية مع إيران بوصفها حليفة أساسية للنظام السوري وداعِمة رئيسة للمقاومة ضد إسرائيل).

وعلى الصعيد الداخلي، يتخذ التنظيم أيضاً قراراً واعياً بتسليم أدوار قيادية إلى الشباب الفلسطيني الذي لاتزال حركتا فتح وحماس تقصيانه من عملية صنع القرار لديهما. بإمكان المهنيين الشباب الفلسطينيين الانضمام إلى الجهاد الإسلامي والارتقاء عبر مراتبه، فيقدّمون بذلك مساهمات مهمة لسياسة التنظيم وتفكيره الاستراتيجي. وهكذا يعمل قادة شباب كاريزماتيون على مختلف المستويات السياسية لبث نبض جديد في التنظيم وتعزيز مكانته لدى الفلسطينيين.

يعكس هذا التحول الداخلي انتهاز الجهاد الإسلامي الفلسطيني للفرصة المتاحة أمامه في وجه العجز الذي تعاني منه السلطة الفلسطينية على مستوى الديمقراطية. فالسلطة التي تفتقر إلى المصداقية والشفافية في نظر الفلسطينيين، لم تتمكّن من تأمين ظروف معيشية جيدة لشعبها، كما أنها عجزت عن تعزيز البنية السياسية والاجتماعية الأساسية في فلسطين. وقد زاد الحصار الإسرائيلي على غزة وغياب إعادة الإعمار، من معاناة 1.8 مليون غزّي في الأعوام الثمانية الماضية - وتركت إخفاقات السلطة الفلسطينية وفتح وحماس المجال مفتوحاً أمام الأحزاب الأصغر على غرار الجهاد الإسلامي الفلسطيني وأتاحت لها مجموعة من الفرص. وهكذا، يتّجه الجهاد الإسلامي أكثر فأكثر ليصبح ثالث أكبر تنظيم في فلسطين.

يراهن الجهاد الإسلامي على ترجمة هذا الزخم انتصاراً في الانتخابات. توقّعت استطلاعات الرأي الأخيرة فوزه بنحو 12 في المئة من أصوات الفلسطينيين في الانتخابات العامة المقبلة. لقد اختار التنظيم الاستثمار في التعليم واستقطاب الشباب المثقّفين، وقطفَ ثمار هذا الخيار مستلهِماً من فوز حماس في الانتخابات العامة الفلسطينية في العام 2006، والذي نُسِب إلى حد كبير إلى الخدمات التي قدّمتها الحركة في مجالات التعليم والعمل الاجتماعي والرعاية الاجتماعية، ماحفّز الجهاد الإسلامي على اعتماد استراتيجية مماثلة ودعم المجموعات المهمّشة في المجتمع. 

غالب الظن أن صعود الجهاد الإسلامي سيكون على حساب فتح وحماس. إذا حافظ التنظيم على مقاربته، الفرصة سانحة أمامه لسد الفراغ السياسي الناجم عن الانقسام بين حماس وفتح. من شأن هذا الصعود أن يُرسي توازناً في السياسة الفلسطينية، ويساهم في التخفيف من حدّة التشنّجات والاستقطاب في المشهد السياسي الفلسطيني.

هاني البسوس أستاذ مساعد في مادة العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية في غزة، وعضو في العديد من المؤسسات الأكاديمية والبحثية الفلسطينية والأوروبية، منها House of Wisdom وكلية الدراسات المشرقية والآسيوية في لندن.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.