يشكّل التنقل تحدّياً مستمراً بالنسبة إلى سكّان القاهرة. فنظراً إلى أن العاصمة المصرية تضم عدداً كبيراً من السكان يصل إلى نحو 22 مليون نسمة فضلاً عن مساحتها الشاسعة، يُضطر عدد كبير من المقيمين فيها إلى الجمع بين أشكال متعدّدة من وسائل النقل - منها المترو وحافلات النقل العام والحافلات الصغيرة شبه الخاصة - في نظام مواصلات معقَّد يُثقل كاهل الأشخاص ذوي الدخل المنخفض. ومايزيد الطين بلة غياب الآليات الديمقراطية التي تتيح للسكان ممارسة ضغوط على الحكومة من أجل تحسين الخدمات في هذه المدينة الكبرى التي تتوسّع بسرعة والتي يُتوقَّع أن يصل عدد سكانها إلى 40 مليون نسمة بحلول العام 2050.

يعي محمد جيداً التحديات التي يطرحها النقل العام. فطوال عشرة أعوام، كان محمد، 44 عاماً، الذي يعمل وكيلاً لبيع التذاكر، يقطع مسافة 22 كيلومتراً خمسة أيام في الأسبوع في رحلة تستغرق ساعة ونصف الساعة، من منزله في وسط العاصمة إلى مطار القاهرة الدولي حيث كان يعمل. يروي: "كنت أستقل حافلة وقطارَين لأصل إلى المطار"، فقد كان ينتظر الحافلة في محطة غير رسمية على الطريق الذي كان يسلكه إلى عمله. ليست لحافلات النقل العام خطوط محددة، وعندما تشتد الزحمة على الطرقات، ليس وصولها مضموناً. يقول محمد: "أحياناً، كانت تنقضي نصف ساعة من دون أن تصل الحافلة، لذلك كي أصل إلى العمل في الوقت المحدد، كنت أستقل سيارة أجرة إلى فندق مجاور، ومن هناك أصعد في حافلة سريعة إلى المطار، لكن الكلفة كانت أكبر". في يوم العمل العادي، كان ينفق نحو 15 جنيهاً مصرياً للتنقل من وإلى عمله، مايشكّل نحو 30 في المئة من معاشه الشهري وقدره ألف جنيه مصري.

معاناة محمد أمرٌ شائع في القاهرة، حيث يتكبّد السكّان مشقّة كبيرة لإيجاد وسائل نقل عامة موثوقة وبكلفة مقبولة. يقول أحمد زعزع، وهو مصمّم مديني ومهندس معماري شارك في تأسيس منصة "مَدْ"، وهي عبارة عن مبادرة مستقلة تعنى بمسائل التنمية المدينية: "لاتغطّي شبكة المترو عشرة في المئة من القاهرة". لهذا أصبحت الحافلات الصغيرة وسيلة النقل الأهم بين وسائل النقل العام، كونها تغطّي كل شبر من العاصمة. يشرح زعزع: "عندما تتوقّف هذه الحافلات عن العمل بسبب تنفيذ إضراب مثلاً، تتوقف المدينة عن العمل أيضاً".

تعمل الحافلات الصغيرة التي تتسع لأربعة عشر راكباً في قطاع خاص شبه نظامي، حيث تكتفي الحكومة بتنظيم الطرقات التي تعبرها تلك الحافلات. تختلف رسوم نقل الركّاب بحسب المسافة التي يريدون قطعها، وقد ارتفعت هذه الرسوم بعدما أقرّت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي زيادة أسعار المحروقات في العام 2014. خلافاً لحافلات النقل العام التي حافظت على الرسوم نفسها بعد الارتفاع في أسعار الوقود، حمّل سائقو الحافلات الخاصة الركاب عبء تسديد التكلفة الإضافية للمحروقات. يتألف ركّاب الحافلات الخاصة الصغيرة في شكل أساسي من أصحاب الدخل المتوسط الأدنى الذين يثمّنون سرعتها وموثوقيتها، في حين يستقل الأشد فقراً الحافلات العامة الصغيرة (يتراوح سعر التذكرة من 2 إلى 2.50 جنيه مصري) أو الحافلات الكبيرة المؤلفة من طبقة واحدة (يتراوح سعر التذكرة من جنيه إلى جنيهين) التي تشغّلها هيئة النقل العام بالقاهرة. وترتفع أسعار التذاكر أكثر في خطوط الحافلات الجديدة والحافلات الصغيرة المجهّزة بمكيفات مع "واي فاي"، والتي يفضلها أصحاب الدخل المتوسط. وفي شكل من أشكال الهرمية في قطاع المواصلات، تسير الحافلات ذات أسعار التذاكر الأدنى على الطرقات الأقدم في المدينة.

بما أن سائقي الحافلات الخاصة الصغيرة يتقاضون عمولة على الراكب، غالباً مايقودون بسرعة عالية جداً ويسيرون بطريقة متعرّجة في محاولة للحصول على أكبر عدد ممكن من الركاب - منتهكين بذلك عدداً كبيراً من قوانين السير. الحوادث أمرٌ شائع، ولطالما شكّلت السلامة على الطرقات مسألة ملحة. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يلقى نحو 12000 مصري حتفهم سنوياً في حوادث السير، مايجعلها من الأسباب الرئيسة للوفاة. والأكثر مدعاة للقلق هو ماأوردته "مؤسسة ندى لطرق مصرية آمنة" في مؤتمر نظّمته وزارة النقل المصرية في 5 أيار/مايو الجاري، عن أن حوادث السير هي السبب الأول للوفاة لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم من 15 إلى 19 عاماً، والسبب الثاني للوفاة لدى الأولاد بين الخامسة والرابعة عشرة من العمر.

ومايزيد هذه الفوضى سوءاً أن الناس لايعرفون دائماً ماهي الطرقات التي تعبرها الحافلات الخاصة الصغيرة أو المحطات التي تتوقف فيها. يستعمل السائقون الإشارات اليدوية ليخبروا الركاب عن وجهاتهم في النقاط الصاخبة والمكتظة التي ينتظرون فيها للصعود في الحافلة؛ ويستخدم الركاب إشارات مماثلة لإعلام السائقين بأنهم يريدون ركوب الحافلة. لكن بغية تحسين الخدمات، يعمل زعزع على مشروع لوضع خريطة بالطرقات التي تسلكها الحافلات الخاصة الصغيرة والمحطات التي تتوقف فيها. يقول: "نريد زيادة إمكانات الحافلات الصغيرة ودراسة مشاكلها من أجل التخلص من الزحمة في المحطات".

وتتحمّل النساء عبئاً إضافياً في التنقّل، فهن لايعانين فقط لإيجاد وسائل موثوقة بأسعار مقبولة، إنما أيضاً وسائل آمنة للتنقّل. وفقاً لدراسة أجرتها مبادرة "خريطة التحرش" في حزيران/يونيو 2014، وهي أول مبادرة مستقلة تستخدم البيانات التي جُمِعت من الناس لدراسة التحرش الجنسي في مصر، تحتل وسائل النقل العام المرتبة الثانية بين الأماكن التي تشهد العدد الأكبر من حالات التحرّش الجنسي. ومن أجل الحد من التحرش الجنسي بالنساء في وسائل النقل العام، عمدت الحكومة المصرية منذ العام 1989 إلى تخصيص مقصورتين في كل مترو للنساء. لكن في فترة الذروة، يصعب تطبيق هذا الإجراء، وغالباً ماتضطر نساء كثيرات إلى الصعود في المقصورات المختلطة. تقول مونيكا ابراهيم، مديرة الاتصالات في مبادرة "خريطة التحرش": "عندما يحدث شيء ما في إحدى هذه المقصورات، غالباً مايقول الركّاب للمرأة إنه كان عليها الركوب في المقصورة المخصصة للنساء، لأن هناك نظرة خاطئة".

بالنسبة إلى الراكبات اللواتي ينتقلن من خط المترو الأساسي الأول إلى الخط الأساسي الثاني عند نقطة الشهداء - نقطة التحويل الوحيدة في المدينة بعد إغلاق محطة السادات في ميدان التحرير في آب/أغسطس 2013 - يمكن أن يواجهن خطراً كبيراً بسبب الاكتظاظ الشديد. في تشرين الأول/أكتوبر 2013، وسط الارتفاع في وتيرة التقارير عن التحرش الجنسي، أرسلت وزارة الداخلية المصرية شرطيات إلى المحطات المزدحمة. تروي نرمين، وهي مستشارة تسويق في الثامنة والعشرين من العمر، التقيناها في مقصورة النساء المكتظة التي قالت إنها تستقلها دائماً خلال فترة الذروة: "غالباً ماأرى شرطيات في محطة الشهداء". على الرغم من زيادة انتشار الشرطة، تقول إنها لاتزال تشعر بعدم الأمان: "أصبح سعر التذكرة في الحافلة الخاصة الصغيرة التي أستقلها عادةً، مرتفعاً. أركب ’توك توك‘من محطة المترو وإليها، فأنا لاأشعر بالأمان بالسير في الشوارع في الحي حيث أقيم لأنني مسيحية ومعظم النساء من حولي محجّبات".

لايزال مترو القاهرة الذي دُشِّن في العام 1987، واحداً من شبكتَي مترو وحيدتَين في أفريقيا، ويعبر 61 محطة على ثلاثة خطوط. يصعد 3.5 ملايين شخص على الأقل في المترو يومياً، ويسجّل عدد الركاب ازدياداً مطرداً من سنة إلى أخرى، بحسب إحصاءات هيئة مترو الأنفاق. وقد أضاف مترو القاهرة مؤخراً محطات جديدة إلى خط ثالث افتُتح في شباط/فبراير 2012، ويربط اثنَين من الميادين الأكثر ازدحاماً وحركة في المدينة على مقربة من وسط العاصمة، بحي هليوبوليس الراقي، لكن عدد الركاب في هذا الخط أقل بالمقارنة مع الخطين الآخرين. العمل جارٍ على بناء هذا الخط الذي يعبر محطات جديدة مضاءة ومجهّزة بشاشات رقمية وصولاً إلى المطار.

يُشار إلى أن مترو الأنفاق أنشئ في ثمانينيات القرن العشرين من أجل الحد من حركة السير المتنامية في شوارع القاهرة وسط ارتفاع معدلات الولادة والهجرة إلى المدن، وتعتبره الحكومة إنجازاً كبيراً. بيد أن النقّاد يقولون إنه بطيء وإن توسيع الشبكة مكلف. يقول يحيى شوكت، الباحث في شؤون البناء والعمارة لدى مبادرة "الحق في السكن": "وسائل النقل الثانوية التي يُفترَض أن تدعم المترو بدائية وتندرج في معظمها في إطار [خدمات] القطاع الخاص غير النظامي وشبه النظامي، مثل الـ’توك توك‘والحافلات الصغيرة".

يوافق كثر على أن السبب الحقيقي خلف المشاكل التي تعاني منها القاهرة في قطاع المواصلات هو غياب إطار عمل شامل للسياسات والاستثمارات في قطاع النقل العام. الدراسة الشاملة الأحدث حول النقل في المدن أُجريت في إطار "المخطط الاستراتيجي لإقليم القاهرة الكبرى" في الأعوام 2001-2004، لكن توصيتها بإنشاء هيئة للمواصلات من أجل تنسيق الاحتياجات كافة في قطاع المواصلات في القاهرة والإشراف عليها، لم تلقَ طريقها إلى التنفيذ، كما يقول شوكت. بدلاً من ذلك، تُطبَّق الحلول بطريقة مجتزأة، وتزداد التقارير عن آليات النقل العام السيئة الصيانة وتكرُّر حوادث القطارات، فقد سُجِّل وقوع مئة حادث قطار في العام 2014. حتى إن سائقي المترو نفّذوا إضراباً مؤخراً احتجاجاً على ماوصفوه بالظروف غير الآمنة في القطارات والأنفاق، بعدما خرج قطار فارغ على الخط الثالث الجديد عن مساره واصطدم بالجدار، ماأدّى إلى إصابة السائق بجروح.

في مصر حيث يُعيّن الرئيس جميع المحافظين وعددهم 27، ليس للسكّان رأي مسموع في الشؤون التي تنظّم حياتهم اليومية. تحدّد الحكومة المركزية المشاريع المدينية وتنفّذها، فلاتترك مجالاً أمام مخططي المدن والمصممين والمهندسين المعماريين لاتخاذ القرارات بصورة مستقلة مع العمدات أو مجالس المدن. بدلاً من البحث عن حلول شاملة للتحديات الكثيرة التي تواجهها القاهرة - على غرار المواصلات - تزيد حكومة السيسي الأمور سوءاً عبر السعي إلى تنفيذ مشاريع كبرى في المدن الأصغر المجاورة للعاصمة، آخرها المشروع الذي تم الكشف عنه في مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في شرم الشيخ في آذار/مارس 2015، والذي يقضي بإنشاء عاصمة جديدة وتبلغ كلفته 300 مليار دولار أميركي. يعلّق زعزع الذي تعمل منصّته "مَدْ" مع السكان في المستوطنات غير النظامية في القاهرة لإشراكهم في التصميم المديني: "نحتاج إلى حلول سويّة لمشاكلنا، وليس إلى هذه المشاريع الكبرى". يضيف: "لن تساهم هذه العاصمة الجديدة في حل مشاكل العاصمة القديمة التي تتوسّع بسرعة وبطريقة عشوائية، وفي غياب استراتيجية شاملة لتلبية احتياجات المدينة في مجال الخدمات مثل النقل العام. يعاني الناس الأمرين يومياً للانتقال من مكان إلى آخر".

أنجيلا بوسكوفيتش كاتبة وباحثة ومنتجة ثقافية مقيمة في القاهرة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.