لطالما كانت لحماس علاقة معقّدة مع المجموعات السلفية-الجهادية التي تعمل في غزة. لكن في الأسابيع القليلة الماضية، سلّطت سلسلة من الصدامات بين حماس والتنظيمات التابعة لمايُسمّى الدولة الإسلامية في القطاع، مثل أنصار الدولة الإسلامية، الضوء على أن التوازن المعقّد بين الفصائل المسلّحة الناشطة ربما يزداد هشاشةً ويصبح أقل استقراراً يوماً بعد يوم.

ليست الحركات السلفية ظاهرة جديدة في غزة، فهناك مجموعات اجتماعية وسياسية غير عنفية - مثل حزب التحرير - تعمل في غزة منذ الثمانينيات على الأقل. لكن خلال العقد الماضي، شهد القطاع صعود عدد صغير من المجموعات غير المحكمة التنظيم التي تصف نفسها بالسلفية الجهادية. ظهرت هذه المجموعات بدايةً قبيل الانسحاب الإسرائيلي في العام 2005، لكنها ازدادت نفوذاً في خضم الصدامات بين حركتَي فتح وحماس وماأعقبها من سيطرة حماس على قطاع غزة في العام 2007. وقد حافظت هذه الخلايا الجهادية المحلية على روابط عقائدية (إنما ليس عملانية) مع تنظيم القاعدة، وتنشط في غزة منذ العام 2007، حيث تعارض حكومة حماس واعتدالها المتصوَّر، فيما تشنّ هجمات محدودة في معظمها ضد أهداف داخلية، فضلاً عن إطلاق صواريخ على إسرائيل.

لقد اعتمدت حماس مقاربات مختلفة في التعامل مع المجموعات السلفية الجهادية مع مرور الوقت، بدءاً من التغاضي عن الحراك السلفي الجهادي المحلي وصولاً إلى شنّ حملات ناشطة للتضييق عليه. حتى تاريخه، وقعت المواجهة الأقوى في صيف 2009، عندما تحدّى عبد اللطيف موسى، زعيم جند أنصار الله وإمام مسجد ابن تيمية في رفح، حكومة حماس وأعلن إنشاء "الإمارة الإسلامية" في رفح، ماأدّى إلى اندلاع مواجهة عنيفة بين أنصاره السلفيين وحكومة حماس أسفرت عن مقتل قادة التنظيم وانهياره. 

منذ ذلك الوقت، لم تشهد العلاقة بين حماس والمجموعات السلفية تحسّناً كبيراً، على الرغم من أنه بعد إطاحة حكومة مرسي في صيف 2013 في مصر، سعت حماس بحسب التقارير إلى تجميد النزاع مع المعسكر السلفي الجهادي من خلال محاولتها تحقيق انفراج في العلاقات وتبنّيها جزئياً موقفاً أكثر تساهلاً. وغالب الظن أن تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية جراء علاقة الحركة الهشّة مع مصر أدّى دوراً في دفعها نحو العمل من أجل تعزيز الوحدة داخل القطاع.

لكن منذ حرب صيف 2014 مع إسرائيل، احتدمت التشنّجات الداخلية من جديد. فالتيارات السلفية الجهادية تبرز أكثر فأكثر على الخارطة منذ صعود مشروع الدولة الإسلامية. فقد دفع صعود الدولة الإسلامية، فضلاً عن طلاقها العلني جداً مع تنظيم القاعدة، بعددٍ من المجموعات الجهادية التي تتخذ من غزة مقراً لها، إلى تبديل ولائها ونقله من أيمن الظواهري إلى أبو بكر البغدادي. على الرغم من أنه ليست لهذه التنظيمات بالضرورة روابط عملانية قوية مع الدولة الإسلامية في العراق وسورية، ومع أن المعسكر "المؤيد للدولة الإسلامية" لايزال صغيراً ومجزّأ من الداخل، تراقب حماس عن كثب صعود المعسكر "السلفي الجهادي" على الساحة العامة.

لقد اعتمدت حماس موقفاً أشد قسوة تجاه هذه المجموعات في الأشهر القليلة الماضية، أملاً منها بخنق هذه النزعة في مهدها، واعتقلت في مطلع نيسان/أبريل الماضي رجل دين يُشتبَه بانتمائه إلى تنظيم الدولة الإسلامية. وأعقبت ذلك موجة أشد عدوانية من الاعتقالات، كما أبدت سلطات حماس في غزة اهتماماً متزايداً بمراقبة الأشخاص الذين يعلنون تعاطفهم مع الدولة الإسلامية. وقد تسبّبت هذه التوقيفات، على نحو غير مفاجئ، بعدد من عمليات الثأر، منها تفجير عبوة ناسفة على مقربة من مقر الأونروا. وتصاعدت حدّة التشنجات في مطلع شهر أيار/مايو الجاري، بعد مهلة الـ72 ساعة التي منحها تنظيم أنصار الدولة الإسلامية لحركة حماس من أجل تحرير جميع السلفيين الموقوفين، وقيام حماس بتدمير مسجد المتحابين الصغير في خضم حملة التوقيفات المستمرة. فرد أنصار الدولة الإسلامية في غزة بشنّ هجمات ضد حماس، منها هجوم بقذائف الهاون على قاعدة تابعة لكتائب القسام جنوب غزة، كما وجّهوا مزيداً من التهديدات إلى حماس وكتائب القسام تحديداً.

من جهتها، قلّلت حماس إلى حد كبير من شأن التأثير الذي تمارسه هذه الهجمات، ونفت مراراً وتكراراً وجود تنظيمات تابعة للدولة الإسلامية في غزة، مدّعيةً أنها موجودة فقط على الإنترنت. مما لاشك فيه أن حماس ليست مهدّدة عسكرياً، في المرحلة الحالية، من الصعود الظاهري لهذه المجموعات غير المحكمة التنظيم وغير المتطورة في معظمها، وماتبديه من عداء متزايد للحركة. لكن في الوقت نفسه، يثير صعود المعسكر السلفي-الجهادي، في أحدث تجلّياته، قلق حماس على الصعيد السياسي.

يطرح هذا الأمر عدداً من التحديات على حركة حماس التي تتخبّط أصلاً لمعالجة المشاكل الاقتصادية الحادّة في غزة. فالإغاثة المنشودة التي كان يُفترَض أن تصل إبان الإعلان عن تشكيل حكومة الوحدة في ربيع 2014 لم تتبلور بعد، كما أن الأضرار التي تكبّدتها غزة جراء حرب صيف 2014 مع إسرائيل، وتعثُّر إعادة الإعمار، أدّت إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها القطاع. تعجز حماس إلى حد كبير عن تسديد رواتب أكثر من 40 ألف موظف، مايتسبّب بتعاظم الاستياء داخل غزة وارتفاع وتيرة الإضرابات التي يتوسّع نطاقها أكثر فأكثر.

من شأن تعاظم الاستياء في غزة أن يتيح للمجموعات المتشدّدة، مثل التنظيمات المؤيّدة للدولة الإسلامية، استقطاب مجنّدين جدد. وإن كان في الماضي من عبرة، يمكن أن يكون بعض هؤلاء المجنّدين من داخل صفوف حماس، إذ إن هذه المجموعات قد تتمكّن من تجنيد مقاتلين مهمّشين غاضبين من حرمانهم من التعويضات المادية أو من توقّف النضال المسلّح ضد إسرائيل. من شأن حماس - التي تركّز كثيراً على الحفاظ على الوحدة والتماسك والمعنويات في صفوفها - أن تجد في هذه الانشقاقات إشكاليةً كبيرة جداً. أكثر من ذلك، يؤدّي صعود المجموعات المسلّحة المتنافسة إلى تزايد احتمالات اندلاع فتنة داخلية في غزة. أخيراً، قد يقرّر المعسكر السلفي الجهادي، في مسعى منه لإضعاف حماس وتقويض قبضتها على غزة، زيادة وتيرة هجماته الصاروخية على إسرائيل، ماقد يدفع بدوره الأوضاع نحو التصعيد، وهو ماتصبو إليه بشدّة المجموعات السلفية الجهادية. 

يشكّل أنصار الدولة الإسلامية والتنظيمات التابعة لها شريحة صغيرة جداً من سكان غزة. لكن مزيج الشلل السياسي وتعثُّر إعادة الإعمار والمشاكل الاقتصادية المستمرة، يمثّل تهديداً خطيراً لمستوى الدعم لحركة حماس واستقرار غزة في المدى الطويل.

بينيديتا برتي زميلة أبحاث في معهد دراسات الأمن القومي. تتابع دراسات مابعد الدكتوراه في جامعة بن غوريون، وهي زميلة في برنامج TED 2015، ومؤلّفة "التنظيمات السياسية المسلحة".

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.