في 14 أيار/مايو الماضي، عيّن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وزراء جدداً في أكبر تعديل حكومي تشهده البلاد منذ ثلاث سنوات. فقد طُلِب من أكثر من عشرة وزراء مغادرة حكومة عبد المالك سلال، بينهم العديد من الوزراء الذين عُيِّنوا في مناصبهم العام الماضي، وعلى رأسهم وزراء الداخلية والمال والطاقة. لكن على الرغم من تغيير نحو ثلث الوزراء في الحكومة التي ترزح تحت وطأة الفساد، لايمكن تصنيف التعيينات الجديدة بأنها تبشّر بتغيير مهم، كما كان عمار سعداني، أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، قد وعد في وقت سابق هذا العام.

تشير التعيينات الأخيرة إلى محاولة الحكومة إلهاء الرأي العام عن مجموعة من المسائل التي يرى فيها بوتفليقة ومعانوه تهديداً لهم، لاسيما الشفافية والوضع الصحّي المتردّي لبوتفليقة. فمنذ تعرُّض الأخير لسكتة دماغية، ظهرت شكوك وتكهّنات جدّية حول قدرته على الحكم. بيد أن المحيطين ببوتفليقة يزعمون أن قدراته الذهنية سليمة، وأنه يستمر في الحكم، لكن الجزائريين ليسوا واثقين مَن يحكم البلاد. فضلاً عن ذلك، تطالب أحزاب المعارضة برحيله من السلطة وبإجراء انتخابات مبكرة.

رداً على تزايد الانتقادات على هاتين الجبهتين، أجرى مكتب الرئيس الذي تولّى إدارة التعديل الحكومي، ثلاثة تغييرات بالغة الأهمية في الحقائب الوزارية. أولها استبدال وزير الداخلية والجماعات المحلية، الطيب بلعيز، بنور الدين بدوي، وزير التكوين والتعليم المهنيين سابقاً الذي يتحدّر من جنوب الجزائر. وقد عُيِّن بلعيز مستشاراً خاصاً لدى رئيس الجمهورية برتبة وزير دولة. يشير المراقبون إلى أن الهدف من هذه الخطوة هو تحضير بلعيز ليكون خلفاً محتملاً لبوتفليقة. ثانياً، استُبدِل وزير الطاقة يوسف يوسفي، الذي أثار الكثير من الانتقادات على خلفية تعاطيه مع الاحتجاجات التي اندلعت في الجنوب ضد التنقيب عن الغاز الصخري في عين صالح والفضائح المتعددة التي طالت شركة "سوناطراك" - استُبدِل إذاً بصلاح خبري الذي كان يتولّى سابقاً منصب مدير عام المعهد الجزائري للبترول. ثالثاً، استُبدِل وزير المال محمد جلاب بعبد الرحمن بن خلفة، مدير عام جمعية المصارف والمؤسسات المالية.

ظاهرياً، تشير هذه التعديلات في المناصب إلى رغبة الحكومة في إصلاح هذه القطاعات وسط الاستمرار في انخفاض أسعار النفط. بالفعل، حاولت الحكومة تقنين النفقات العامة وتطبيق إجراءات تقشّفية فيما تبذل أيضاً جهوداً حثيثة لاستقطاب مزيد من الشركات الأجنبية للاستثمار في قطاع الطاقة من أجل المساعدة على الحدّ من آثار تراجع إنتاج النفط والغاز. لكن المحاكمات التي تطال شخصيات رفيعة المستوى في قضايا الفساد في قطاع الطاقة أبقت على الشكوك لدى الطبقة السياسية الجزائرية حول قدرة الحكومة على إصلاح نفسها في الأصل. فهذه الطبقة ترى في التعديل الحكومي إجراء يهدف إلى تحقيق مآرب سياسية عبر إقالة الوزراء المتورطين في قضايا الفساد الأخيرة، مع الحرص في الوقت نفسه على بقاء الحكومة على ولائها لبوتفليقة وأزلامه.

أبعد من هذه التغييرات في الحقائب الوزارية، تشمل التعيينات الحكومية الجديدة أيضاً وزير المال عبد الرحمن بن خلفة، ووزير النقل بوجمعة طلاي، ووزير الأشغال العامة عبد القادر عوالي، فضلاً عن تعيين وزراء جدد في حقائب الثقافة، والاتصالات، والتعليم العالي. وقد طالت معظم هذه التعديلات وزراء متورّطين في قضايا الفساد الأخيرة. فوزير الطاقة السابق يوسف يوسفي - فضلاً عن مسؤولين حكوميين آخرين، ورجال أعمال، وشركات أجنبية - ضالعٌ في تهم فساد في المحاكمات بحق شركة "سوناطراك". وكذلك، أظهرت الأحكام الصادرة في فضائح ابتزاز الأموال في قضيتَي الطريق السريع الذي يربط بين الشرق والغرب، ومصرف خليفة، تورّط بعض من كبار المسؤولين الحكوميين السابقين، بينهم وزير العمل السابق أبو جرة سلطاني ووزير الإسكان الحالي عبد المجيد تبون، إلى جانب مسؤولين آخرين في وزارات المال والنقل والأشغال العامة.

على الرغم من أن الرئاسة الجزائرية تمكّنت سابقاً من تخطّي هذه الفضائح، تستمر المعركة على السيطرة بين دائرة الاستعلام والأمن، والجيش، والرئاسة. ومع أن دائرة الاستعلام والأمن كانت تسيطر على الساحة السياسية في البلاد، أدّت نزعاتها السلطوية إلى فقدانها الحظوة لدى الأحزاب السياسية والمنظمات الأهلية، كما أنها تفقد السيطرة بصورة متزايدة على عملية صنع القرارات. ومايزيد من حدّة الالتباس أنها غالباً ماتصطدم مع الفريق المحيط ببوتفليقة الذي يستمر في تضييق الخناق على المعارضة - بما في ذلك من خلال منع حرية التعبير والصحافة، وزجّ المعارضين في السجون - مايتسبّب بتفاقم التململ الشعبي. ومن الأمثلة عن هذا التجاذب تركيز وسائل الإعلام التابعة لدائرة الاستعلام والأمن على فضيحتَي "سوناطراك" والطريق السريع، في إطار المحاولات التي تبذلها الدائرة من أجل ابتزاز الرئاسة. وهكذا لم يبقَ أمام الفريق المحيط ببوتفليقة من خيار سوى التضحية بالوزراء المتورّطين لتفادي نقمة شعبية على الدولة.

وفي سياق المحاولات التي تبذلها الرئاسة للحفاظ على سيطرتها في مواجهة دائرة الاستعلام والأمن، تعمل أيضاً على تطبيق خطة طويلة الأمد عبر استيعاب الأحزاب السياسية عن طريق شراء ولاء المنظمات الأهلية الجزائرية - مادفع بدائرة الاستعلام والأمن إلى اتخاذ موقف دفاعي. وتردّ الدائرة عبر قيامها أيضاً بتوسيع تحالفاتها داخل الأحزاب السياسية والمجموعات الأهلية. يمكن أن تمهّد استقالة عبد القادر بن صالح مؤخراً من حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الطريق أمام أحمد أويحيى، حليف دائرة الاستعلام والأمن، لتسلّم قيادة الحزب من جديد.

تعي الرئاسة تماماً أن المجتمع الجزائري بات متنبّهاً جداً للشوائب ونقاط الضعف التي تعاني منها، وأنه يمكن أن يطرح الشباب الناشطون وأشكال أخرى من المعارضة السياسية تحدّياً مباشراً على النظام. ومن شأن المحاولات السطحية التي يقوم بها النظام للإيحاء بأنه يتحرّك في موضوع التوريث، ومايبذله من جهود محدودة لمكافحة الفساد، فضلاً عن سعيه إلى استمالة المجتمع المدني، أن تجعله يخسر مزيداً من قدرته على إلهاء الجزائريين عن المشكلات البنيوية الكبيرة التي تعاني منها الدولة.

عبدالله براهيمي خرّيج وزميل في كلية ماكسويل في جامعة سيراكوز، ومستشار مستقل لمنظمات أهلية جزائرية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.