في حين تخوض الحكومتان المتنافستان في ليبيا نزاعاً أهلياً، مايستقطب الاهتمام المحلي والدولي، تستمر في طرابلس المحاكمات التي تطال شخصيات بارزة في نظام معمر القذافي. فهذا الشهر، تواصلت الإجراءات القضائية بحق الساعدي القذافي، وقدّم المحامون المرافعة الأخيرة دفاعاً عن سيف الإسلام القذافي و36 من المسؤولين الآخرين في عهد القذافي الذين يواجهون جميعاً تهماً بارتكاب جرائم حرب ضد الشعب الليبي خلال انتفاضة 2011. على الرغم من أن رئيس قسم التحقيقات في مكتب المدعي العام، صادق السور، يصرّ على أن المحاكمات في طرابلس "مستقلة ولاتتأثّر بالحرب"، مضيفاً أن "القضاء مستقل تماماً، بغض النظر عن السلطة التنفيذية في البلاد"، تحيط علامات استفهام عدّة بالإجراءات القضائية.

تراجَع الاهتمام المحلي والدولي بمحاكمة رموز عهد القذافي وسط المشاغل المتعلقة بمدى شفافية هذه المحاكمات، وحجب وقائعها عن الرأي العام، وعدم ضمان حقوق المدعى عليهم.مسؤولون في النظام السابق ينتظرون انطلاق إجراءات المحاكمة خلال جلسة في 25 كانون الثاني/يناير الماضي. تصوير طوم وستكوت

علاوةً على ذلك، على الرغم من توقُّع صدور حكم نهائي في قضية سيف الإسلام والمسؤولين الآخرين في 28 تموز/يوليو المقبل، غالب الظن أنه لن يكون لذلك تأثير مباشر على المفاوضات بين طرابلس وطبرق أو أنه لن يقدّم مساهمة مهمة لمسار العدالة الانتقالية. بعد استئناف محاكمة رموز النظام السابق في طرابلس، أصدرت وزارة العدل في البيضاء بياناً جاء فيه: "لايمكن إصدار أحكام حيادية ومستقلة بحد السلاح في ظل ميليشيات غير شرعية"، وغسلت يدَيها عملياً من أية مسؤولية عن الإجراءات القانونية في طرابلس، مبديةً معارضتها للمؤسسات القانونية وممارساتها.

في العاشر من أيار/مايو الماضي، بدأت الإجراءات القضائية بحق الساعدي، الابن الثالث للقذافي المعروف بحبه لكرة القدم وحياة الترف والانغماس في الملذات والـ"بلاي بوي". الساعدي متهم بارتكاب العديد من الجرائم قبل الثورة، بما في ذلك مقتل لاعب كرة القدم والمدرب الليبي بشير الرياني في العام 2006. على الرغم من إطلاق تحقيق في "الوفاة غير الطبيعية" للرياني، لم تتوصّل الإجراءات الأولية إلى أي نتيجة. في حال وُجِد الساعدي مذنباً بارتكاب جريمة قتل، قد يواجه عقوبة الإعدام - إلا في حال أعلن النسيب الأقرب للرياني على قيد الحياة مسامحته له، وفي هذه الحالة تحكم عليه المحكمة بالسجن المؤبّد. فضلاً عن ذلك، يواجه الساعدي سبع تهم أخرى على الأقل في قضايا اعتداء وخطف وعنف تعود إلى ماقبل الثورة، كما أنه متهم بارتكاب جرائم عدة خلال مرحلة الثورة، تتمثّل في زرع ألغام أرضية، وتسليح الميليشيات الموالية للقذاقي، واستقدام مرتزقة أجانب إلى ليبيا1. لاتزال جرائم أخرى قيد التحقيق، لكن يمكن أن تكتمل وقائعها بحلول جلسة المحاكمة المقبلة في 19 تموز/يوليو.

أجريت جلسة المحاكمة من دون كثير من الضجيج الإعلامي، مايتعارض بشدّة مع مشاهد ترحيل الساعدي من النيجر إلى ليبيا في آذار/مارس 2014، عندما انتشرت صوره عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو يرتدي بزة المساجين الزرقاء وقد حُلِق شعر رأسه ولحيته في سجن الحدباء. علاوةً على ذلك، لم تجرِ أي منظمة دولية لحقوق الإنسان مقابلة مع الساعدي منذ ترحيله. في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، زار ممثّلو الأمم المتحدة سجن الحدباء في طرابلس، لكنهم مُنِعوا من مقابلة الساعدي. كما أنه لايُسمَح للجمهور بحضور جلسات المحاكمة التي تُجرى في قاعة أنشئت خصيصاً لهذا الغرض داخل سجن الحدباء. يعتمد مراقبو المحاكمات الدوليون على صور متلفزة غير مكتملة في معظم الأحيان، أما الصحافيون الغربيون القلائل الذين حاولوا متابعة وقائع المحاكمات في طرابلس فقد واجهوا صعوبة كبيرة للتمكّن من حضور الجلسات بصورة منتظمة.

وثمة صعوبة أكبر في متابعة وقائع محاكمة سيف الإسلام، وهو الشقيق الأكبر للساعدي، والثاني في عائلة القذافي الذي أوقِف ويخضع للمحاكمة. وهو موقوف، منذ القبض عليه في العام 2011، في بلدة الزنتان الجبلية غرب ليبيا. ويتولّى المدعي العام في طرابلس حالياً محاكمته غيابياً بتهمة ارتكاب جرائم حرب بحق الشعب الليبي خلال الثورة. لقد أطل سيف الإسلام القذافي في البداية في قاعة المحكمة عبر شاشة في بث مباشر من الزنتان، لكن هذه الإطلالات توقّفت الصيف الفائت بعد اندلاع حرب أهلية في طرابلس بين مجموعتَين مسلّحتَين من الزنتان ومصراتة حافظت كلتاهما على وجود قوي في العاصمة بعد الثورة. وقد أكّد صادق السور: "لايزال في الزنتان، وهناك اتصالات بيننا وبين المدعي العام في الزنتان، وقد جرى تداول صوره عبر مواقع التواصل الاجتماعي"، مضيفاً: "نظراً إلى الوضع الأمني والأزمة في البلاد، لايمكننا إحضاره إلى هنا [طرابلس] الآن". لكن وزير العدل في حكومة طرابلس، مصطفى القليب، أقرّ بأن "لاأحد يعرف" في شكل مؤكّد مكان سيف الإسلام - أو إذا كان لايزال على قيد الحياة. وقد عبّرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" عن قلقها من أنه لم يُشاهَد أو يُسمَع صوته منذ أطلّ عبر شاشة في قاعة المحكمة العام الماضي2. في غضون ذلك، تبقى قضية سيف الإسلام في صلب خلاف دائر بين ليبيا والمحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت مذكّرة توقيف بحقه في أيار/مايو 2011، كما أصدرت أمراً من المحكمة بترحيله إلى لاهاي، لكن ليبيا اعترضت عليه.

تراجَع الاهتمام المحلي والدولي بمحاكمة رموز عهد القذافي وسط المشاغل المتعلقة بمدى شفافية هذه المحاكمات، وحجب وقائعها عن الرأي العام، وعدم ضمان حقوق المدعى عليهم.خلال جلسات المحاكمة في 27 نيسان/أبريل 2014، وُضِعت ثلاث شاشات في قاعة أنشئت خصيصاً للصحافيين بمحاذاة قاعة المحكمة في سجن الحدباء، وقد أطل عبرها سيف الإسلام القذافي والمدّعى عليهم الذين كانوا محتجزين آنذاك في سجن في مصراتة، وكذلك المدّعى عليهم الموقوفون في طرابلس. لم تعد هذه القاعة تُستعمَل الآن.

وكذلك قدّم المحامون مرافعتهم الأخيرة للدفاع عن 36 من المسؤولين السابقين في عهد القذافي، بينهم المسؤولان الاستخباراتيان السابقان عبدالله السنوسي وأبو زيد دوردة، وذلك في 30 أيار/مايو الماضي أمام محاميهم، وعددهم 21، و16 من أقربائهم، وحفنة من الصحافيين. وقد حضر الجلسة 28 فقط من المدّعى عليهم الـ37، وتواجدوا داخل قفص في قاعة المحكمة. يُشار إلى أن أربعة منهم خرجوا من السجن لتلقّي العلاج الطبي، لكن السور أصرّ على أنه يُتوقَّع أن يحضروا جلسة صدور الحكم، ماعدا شخص واحد يقبع بصورة دائمة في مستشفى للأمراض النفسية. خلال جلسات المحاكمة، وقف العديد من المدّعى عليهم في القاعة وقالوا إنهم يتعرّضون للتعذيب. نفى السور هذه المزاعم، قائلاً بأنه منذ إحالة قضيتهم إلى مكتب المدعي العام، لم يتعرّض أي من المدّعى عليهم لأي شكل من أشكال سوء المعاملة. بيد أن تقارير صادرة عن منظمات حقوقية وصحافيين تشير إلى أنه لامكتب المدعي العام ولاوزارة العدل يتمتّعان بالضرورة بسيطرة كاملة على سجن الحدباء. وقد أوردت منظمة العفو الدولية في العام 2014 مايأتي: "دخول المجمع يخضع لسيطرة مسؤولي السجن الذين يتبعون إسمياً فقط لوزارة العدل على ما يبدو". وذكرت أيضاً أن السجناء السابقين الذين كانوا من رموز نظام القذافي هم من ضمن الأشخاص الذين يتولّون إدارة منشأة الحدباء، وكانت الولايات المتحدة قد سلّمت بعضاً منهم إلى ليبيا بطريقة غير قانونية واحتُجِزوا في سجن أبو سليم السيئ السمعة.

تراجَع الاهتمام المحلي والدولي بمحاكمة رموز عهد القذافي وسط المشاغل المتعلقة بمدى شفافية هذه المحاكمات، وحجب وقائعها عن الرأي العام، وعدم ضمان حقوق المدعى عليهم.قاعة المحكمة في سجن الحدباء التي أنشئت خصيصاً لمحاكمة رموز النظام السابق. على الجدار خلف مقعد القاضي نص من القرآن عن العدالة. تصوير طوم وستكوت

يُتوقَّع صدور حكم نهائي في التهم الموجّهة إلى هؤلاء المسؤولين في جلسة المحاكمة المقبلة في 28 تموز/يوليو. (سيصدر أيضاً حكمٌ غيابياً في قضية سيف الإسلام، لكن في حال ظهر من جديد، ستتم إعادة محاكمته وجاهياً). كان يُفترَض أن تشكّل المحاكمات خطوة مهمة نحو الأمام على الطريق باتجاه تحقيق العدالة بعد الثورة في ليبيا، إلا أن الرأي العام لم يعد يُبدي اهتماماً بها. فمع الانهيار الذي تشهده ليبيا بعد الثورة، تبدّدت أحلام عدد كبير من الليبيين العاديين بالعدالة والحرية والتي كانت وراء اندلاع الثورة، وحلّ مكانها التوق إلى السلام والأمن والاستقرار. فضلاً عن ذلك، فإن عدم السماح للجمهور بحضور المحاكمات، وعدم الانتظام أحياناً في مواعيد الجلسات، والتغطية التلفزيونية المتقطعة جعلت من الصعب تتبُّع وقائع المحاكمات.

مع نزوح السفارات الغربية والجزء الأكبر من المجتمع الدولي من العاصمة طرابلس بعد وصول قوات "فجر ليبيا"، أي العملية العسكرية التي أصبحت مرادفاً لحكومة طرابلس، تراجَع أيضاً الاهتمام الدولي بالمحاكمات. لقد عبّر بعض المراقبين والمنظمات الدولية عن قلقهم بشأن النظام القضائي "الحر والعادل" الذي لايزال وليداً في ليبيا. فقد حذّرت حنان صلاح، الباحثة في الشؤون الليبية في منظمة "هيومن رايتس ووتش": "في حين أن المساءلة عن الجرائم الخطيرة، لاسيما تلك التي ارتكبها نظام القذافي، أساسية ليتمكّن الليبيون من السير قدماً، لايجوز أن تأتي على حساب الحقوق الأساسية المتمثلة في ضمان حسن سير الإجراءات القانونية"، لاسيما حرمان المدّعى عليهم من الحصول على التمثيل القانوني. وقد عبّرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن رأي مماثل: "إذا استمرت المحاكمة على هذا النحو، لن تلبّي المعايير الدولية. وسوف تتسبّب أيضاً بإضاعة فرصة تاريخية للكشف علناً عن الجرائم التي ارتُكبت في عهد النظام السابق والتقصّي بشأنها". بيد أن الاستمرار في الحد من قدرة المراقبين الدوليين على مواكبة سير المحاكمات يحول دون معالجة هذه المشاغل على نحو أوسع نطاقاً أو أكثر جوهرية.

وفي حين يضغط مكتب المدعي العام من أجل محاكمة المتهمين في جرائم حرب تعود إلى انتفاضة 2011، يُبدي بعض الليبيين اهتماماً أكبر بتحقيق العدالة والمساءلة في الجرائم التي ارتُكِبت منذ العام 2011. يقول أحمد، وهو طالب طب في الرابعة والعشرين من العمر: "أظن أن عدد الأشخاص الذين قُتِلوا منذ الثورة يفوق أولئك الذين لقوا مصرعهم خلالها"، في إشارة إلى مئات الاغتيالات في شرق ليبيا، والتي لم يُحاكَم أحد فيها، والنزاع الأهلي المستمر على العديد من الجبهات الأمامية في مختلف أنحاء البلاد. يضيف أحمد: "لكنني قلق بشأن المستقبل، فكما أرى، لاوجود للعدل والإنصاف في ليبيا".

طوم وستكوت صحافية وكاتبة بريطانية مقيمة في ليبيا.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. بالاستناد إلى مقابلة أجراتها الكاتبة مع صادق السور.

2. بالاستناد إلى مقابلة أجراتها الكاتبة مع حنان صلاح.