الشهر الماضي، وقّع وزير الخارجية الأميركي جون كيري مذكرة تفاهم مع محسن مرزوق الذي عرّف عنه بأنه "وزير الشؤون السياسية" في تونس. بيد أن مرزوق ليس وزيراً، ولاحتى عضواً منتخباً في مجلس النواب. فقبل أسبوع واحد من التوقيع، أصبح مرزوقي أمين عام حزب نداء تونس الحاكم. السبب الظاهري خلف أهليته لتوقيع مذكرة التفاهم هو أنه عشية رأس السنة الجديدة 2014، وفي خطوة لم تثر، على نحو متوقَّع، اهتماماً كبيراً لدى الصحافة، أصدر الرئيس باجي قائد السبسي مرسوماً رئاسياً عيّن فيه مرزوق وزيراً مستشاراً لدى رئيس الجمهورية. لكن مراسم التوقيع أثارت الامتعاض في تونس. فقد شكّك بعض المحامين الدستوريين في قانونيتها، فاضطر مرزوق والناطق باسم الرئاسة إلى الرد.

تسلّط هذه الحادثة الضوء على أن التوزيع الملتبس للصلاحيات بين الرئاسة ومجلس النواب - بحسب ماينص عليه الدستور التونسي الجديد - يظهر إلى العلن في الممارسة. ففي حين حقّقت تونس انتقالاً سلمياً إلى حد ما من خلال إجراء انتخابات حرة وعادلة أجمع الكل تقريباً على الإشادة بها، تبقى ركائز الديمقراطية في البلاد ضعيفة. وعلى الرغم من ظهور سياسة قائمة على تباين الآراء وتعدُّد الأحزاب في مجلس النواب الجديد الشرعي والمتجدّد النشاط، ليس الوضع مستقراً على الإطلاق. فالرئيس باجي قائد السبسي يعمد إلى تمكين المسؤولين في حزب نداء تونس عن طريق تعيينهم في الحكومة، فضلاً عن ممارسة تأثير على نواب الحزب الذين يشكّلون الأكثرية في البرلمان الحالي ويخضعون له بوصفه رئيس الحزب. يُظهر ذلك استمرار بعض العادات السياسية القائمة على حكم الحزب الواحد، ويؤشّر إلى أن النخب السياسية المتمرّسة تجيد استغلال الالتباس في صلاحيات البرلمان وسلطته القانونية ومكانته خلال "عملية انتقال ديمقراطي".

نظرياً، النظام التونسي هو بموجب الدستور نظام شبه رئاسي، حيث الرئيس مسؤول عن ضبط السياسات العامة في مجالات "الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي" (الفصل 77). من جهة أخرى، رئيس الوزراء هو رأس الحكومة، وإلى جانب وظائفه الأخرى، "يتصرّف في الإدارة ويبرم الاتفاقيات الدولية ذات الصبغة الفنية"، مع العلم بأنه يستطيع تفويض سلطاته إلى الوزراء (الفصل 92). وفي حال نشوب نزاعات حول اختصاص كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة - كما في حالة مرزوق - ينص الدستور على أن المحكمة الدستورية هي التي تبتّ في القضية (الفصل 101). لكن المحكمة الدستورية لم ترَ النور بعد. في هذه المنطقة القانونية الرمادية، يمارس المخضرمون العادات السياسية القديمة نفسها. فالرئيس السبسي يبذل جهوداً متزايدة لتثبيت مركزية السلطة في أيدي الرئاسة وحول شخصه، مستخدماً حزب نداء تونس أداةً لتحقيق غايته. يعكس هذا النهج منظومة الحزب الواحد التي كانت سائدة في عهدَي بن علي وبورقيبة اللذين كان السبسي جزءاً منهما.

في حين فاز حزب نداء تونس بغالبية المقاعد في الانتخابات التشريعية في تشرين الأول/أكتوبر 2014، انتظر نواب الحزب حتى فوز السبسي في الانتخابات الرئاسية بعد شهرَين قبل أن يحاولوا تشكيل حكومة؛ عملياً، يتمتّع السبسي، من خلال الدور المزدوج الذي يؤدّيه كرئيس للبلاد وللحزب الذي يملك العدد الأكبر من المقاعد في مجلس النواب، بنفوذ كبير جداً على السلطتَين التنفيذية والتشريعية. فضلاً عن ذلك، قام بتعيين العديد من حلفاء حزب نداء تونس - وكذلك أشخاص كانوا ينتمون إلى حزب بن علي، التجمع الدستوري الديمقراطي، الذي كان يحكم البلاد سابقاً - كي يعملوا معه مباشرةً في منصب مستشارين لدى الرئاسة. توخياً للإنصاف، لابد من الإشارة إلى أن سلفه وخصمه الانتخابي، منصف المرزوقي، لجأ إلى ممارسة مماثلة، بيد أن رئاسته لم تحظَ بالمستوى نفسه من الدعم من المصالح النافذة في قطاعات الأعمال والإعلام والبيروقراطية.

على الرغم من المحاولات التي يبذلها السبسي لاقتطاع مزيد من الصلاحيات للرئاسة، لايزال بإمكان البرلمان أن يتحوّل إلى مؤسسة قوية تشكّل منبراً للمصالح السياسية المتنافسة. يواجه مجلس النواب بعض العوائق في هذا المجال، لاسيما على ضوء المحاولات التي يقوم بها رجال الأعمال وأباطرة الإعلام لشراء النفوذ في البرلمان. ففي حين تكثر الشائعات عن شراء الأصوات وتفشّي الفساد على الساحة السياسية منذ الانتفاضة، أحد الأمثلة الصارخة عن التقاء المصالح بين الأعمال والسياسة هو نجاح حزب الاتحاد الوطني الحر. فهذا الحزب الذي أسّسه رجل الأعمال سليم الرياحي لاحقته التقارير عن ارتكاب مخالفات في الانتخابات التشريعية الأولى التي أجريت في تونس في العام 2011، لكنه حلّ ثالثاً في انتخابات 2014 ويملك 16 مقعداً في مجلس النواب. في غضون ذلك، تحرّكت المنظمات الأهلية للعمل مع كبار النواب من أجل الدفع باتجاه إجراء إصلاحات ديمقراطية في مختلف المجالات، من قطاع الطاقة مروراً بالإعلام وصولاً إلى الإنماء المناطقي. وقد نجحت منظمة "البوصلة" في العمل على تعزيز الشفافية والمساءلة داخل مجلس النواب، من خلال قيامها على نحو منتظم بنشر محاضر المداولات والتصويت، وسجلات حضور النواب المنتخبين. ودعت منظمة حكومية تدعى IWatch مؤخراً البرلمان إلى مراقبة المؤسسات الحكومية الأخرى.

الخلافات بين المجموعات السياسية تحت قبّة البرلمان مؤشر إيجابي. تعتمد الديمقراطية التونسية على ركيزة قوية من السياسة القائمة على تباين الآراء التي تتم ممارستها عبر مجلس النواب. عندما يكون البرلمان قوياً وشفّافاً وخاضعاً للمساءلة ويتمتع بشرعية شعبية، سوف تجد النخب صعوبة أكبر في تركيز النفوذ من جديد في أيدي السلطة التنفيذية، كما كانت تفعل قبل الانتفاضة. في المرحلة الراهنة، يبدو أن عدداً كافياً من التونسيين العاديين لايزال يؤمن بأن أصواته يمكن أن تلقى آذاناً صاغية في مجلس النواب وتُترجَم تحرّكاً رسمياً من شأنه أن يساهم في زيادة مداخيلهم وتحسين مستوى معيشتهم. إذا اعتُبِر أن توسيع الصلاحيات الرئاسية أو الحزبية - بما في ذلك إعادة تركيز السلطة في القنوات التي تربط بين الرئاسة ووزارة الداخلية والشركات الكبرى وبارونات الإعلام - يؤدّي إلى القضاء على السلطة المؤسساتية لمجلس النواب، فسوف ينحى الخلاف السياسي والمعارضة أكثر فأكثر نحو سلوك مسارات غير مؤسساتية مثل الاحتجاجات في الشوارع أو العنف. تفادياً لهذا السيناريو، بإمكان الولايات المتحدة وسواها من الداعمين المحتملين للاستثناء التونسي أن يتجنّبوا تكرار الخطأ نفسه الذي ارتُكِب في حادثة مرزوق ومذكرة التفاهم التي تعزّز السلطات الرئاسية من خلال تدعيم مكانة الأشخاص المعيَّنين من قبل الرئيس عن طريق إجراءات بروتوكولية مريبة ومثيرة للتساؤلات.

فاضل علي رضا زميل زائر رفيع المستوى في "منتدى مراحل الإنتقال" في مؤسسة ليغاتوم. يعمل صحافياً ومحللاً متخصصاً في الشؤون التونسية والليبية بعد انتفاضات 2011. يمكنكم متابعته عبر تويتر: fadilaliriza@.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.