أسفر سقوط الرمادي في 17 أيار/مايو الماضي عن نتيجتين اثنتين لن يتبدّل أيٌّ منهما بمجرد استعادة السيطرة على المدينة. أولاً، تسبّب سقوط الرمادي بإضعاف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في مقابل خصومه السياسيين، لاسيما رئيس الوزراء السابق نوري المالكي والميليشيات الموالية لإيران المتحالفة مع المالكي. ثانياً، أدّى إلى تفاقم الطبيعة المذهبية للنزاع عبر منح هذه الميليشيات تفويضاً لاستعادة السيطرة على الأنبار. ففي حين أن المعركة على الرمادي كانت منذ كانون الثاني/يناير 2014 بعيدة عن الطابع المذهبي إلى حد كبير - مع تشكُّل وحدات الجيش والشرطة من الشيعة والسنّة على السواء في مواجهة المجاهدين السنّة - تقدّمت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران إلى الواجهة.

قبل سقوط الرمادي في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية في أيار/مايو الماضي، دارت معركة ضارية استمرت نحو 17 شهراً، وانتقل خلالها عدد كبير من المناطق المجاورة للمدينة من مقلب إلى آخر بصورة متكررة. ففي مطلع العام 2015، فيما كان الوضع يزداد سوءاً، قامت القيادات السياسية والعشائرية السنّية في الأنبار بما لم يكن وارداً من قبل وبدأت تدعو الميليشيات الشيعية إلى التدخّل. وجاء سقوط الرمادي بعدما مُنِعت قوات الحشد الشعبي من المشاركة في القتال ليقضي على أي رأسمال سياسي ربما كان العبادي يتمتع به كقائد حربي في تلك المرحلة. ومع تراجع وحدات جيشه نحو شرق الأنبار لتنظيم صفوفها من جديد، لم يكن أمامه من خيار سوى دعوة الحشد إلى التدخل في الأنبار. وكذلك وضع ديوان محافظة الأنبار تحفّظاته جانباً وصوّت لصالح تدخّل الحشد في الأنبار، إنما حدث ذلك في 17 أيار/مايو، في الوقت الذي كانت فيه المدينة على وشك السقوط.

ولم يخجل قادة الميليشيات أنفسهم من الإعلان بوضوح بأن سقوط الرمادي يعني أنهم باتوا أصحاب الأمر والنهي. وسرعان ماذهبوا بعيداً في خطوتهم هذه، متّخذين الهتاف المذهبي "لبّيك يا حسين!" شعاراً لعملية واسعة في محافظتَي صلاح الدين والأنبار. وقد أعلنت قوات الحشد أن هادي العامري، رئيس منظمة بدر الموالية لإيران، سيكون "القائد الميداني" في الأنبار. في الثالث من حزيران/يونيو الماضي، حمّل العامري رئيس الوزراء مسؤولية سقوط الرمادي متّهماً إياه بالإذعان للضغوط الغربية التي طالبته بمنع قوات الحشد من التدخل. ورداً على سؤال حول ماإذا كانت قوات الحشد ستشارك في "تحرير" الأنبار، قال أبو مهدي المهندس، القائد العسكري العام للحشد، للمراسلين إن قواته "ستتولّى القيادة" في الأنبار.

بعد الانتقادات، جرى تغيير اسم العملية ليصبح "لبيك يا عراق"، بيد أن قادة الميليشيات استمروا في تثبيت وجودهم بكل تبجّح. وقد صدر أحد أقوى التصاريح على لسان زعيم عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، الذي تكلم بلهجة قائد حربي وطني يمثّل الأكثرية الشيعية. فقد وجّه الخزعلي سهامه إلى العبادي لافتاً إلى أنهم غيّروا اسم العملية بناءً على طلب رئيس الوزراء، "لكننا مازلنا نقول ‘لبيك يا حسين!’"

بيد أن تحرّكات الحشد المتنافرة في الأنبار - حيث قاد العامري أولاً قوات الحشد لاستعادة السيطرة على الرمادي ليعود بعدها ويتحوّل نحو التركيز على الفلوجة - تُظهر كيف أن إخفاق الجيش وإضعاف العبادي وتمكين الميليشيات تسبّبت بغياب الترابط الاستراتيجي في صفوف القوات الموالية للحكومة. في الرمادي، وبعد انسحاب بعض قوات الحشد، لم يعد الجيش قادراً على السيطرة على المدينة بحسب الخطة. وكذلك تُصدر فصائل متفرّقة بيانات متواصلة عن عمليات جديدة وانتصارات ميدانية من دون إلحاق أية هزيمة فعلية بالعدو. وتختلف في مابينها حول الجهة التي يجب الإقرار بفضلها في نجاح العمليات - ففي الكرمة، شمال شرق الفلوجة، تبنّت كل من منظمة بدر والجيش وأحرار الكرمة (تنظيم محلي سنّي تابع لقوات الحشد) مسؤولية الانتصارات الأخيرة في المنطقة.

تجسّد أحداث الكرمة أيضاً، في ناحية من النواحي، ضعف قوات الحشد التي لايكفّ عناصرها عن الحديث عن "انتصاراتهم" والتذمّر ممن يقلّلون من شأن إنجازاتهم. حتى الآن، السجل العسكري لهذه القوات متفاوت إلى حد ما - فعلى النقيض من الجيش، لايُهزَمون عندما يكونون في موقع الدفاع، لكن الانتصارات المحدودة التي أحرزوها عند وجودهم في موقع الهجوم لم تتحقق إلا عندما كانوا يتمتّعون بتفوّق عددي هائل، كما في جرف الصخر وديالى وبعض المناطق في محافظة صلاح الدين.

على الرغم من هذا السجل العسكري المتفاوت، اكتسبت قوات الحشد مكانة عامة بحيث لايستطيع العبادي ولاأية شخصية شيعية أخرى انتقادها فعلياً. في 13 حزيران/يونيو الماضي، شدّد العبادي خلال مشاركته في فعاليات نظمتها قوات الحشد في الذكرى الأولى للفتوى التي أعلن فيها آية الله علي السيستاني الجهاد ضد تنظيم داعش، على الرؤية غير المذهبية لقوات الحشد. بالفعل، لم تؤسّس فتوى السيستاني قوات الحشد أو حتى تأتي على ذكر الميليشيات تحت أي مسمّى. تعود النواة الفعلية لقوات الحشد إلى الدعوة التي وجّهها المالكي لتعبئة "جيش احتياطي" في 11 حزيران/يونيو 2014، بعد يوم من سقوط الموصل. وقد سعى العبادي إلى وضع يده على قوات الحشد حتى في الوقت الذي أبدى دعمه لها، معتبراً أنها تستمد شرعيتها من خضوعها لحكمه.

في اليوم نفسه، قدّم زعيم عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، رؤية مختلفة عن قوات الحشد انطلاقاً من محافظة المثنى جنوب العراق. ففي كلمة ألقاها الخزعلي في ذكرى الثورة المدعومة من رجال الدين الشيعة ضد البريطانيين في العام 1920، رسم خطاً مستقيماً لـ"المقاومة الإسلامية" يبدأ من تلك الانتفاضة مروراً بالمعركة التي قادتها عصائب أهل الحق ضد القوات الأميركية بين العامَين 2004 و2011 وصولاً إلى الصراع ضد الدولة الإسلامية اليوم. كان هذا الكلام مثيراً للسخرية بطريقة لم يقصدها الخزعلي بالتأكيد؛ فثورة 1920 منيت بالفشل، وكذلك الأمر بالنسبة إلى حرب عصائب أهل الحق ضد الولايات المتحدة والتي أدّت في نهاية المطاف إلى اعتقال الخزعلي. لكن "ثورة 1920" هي موضع تبجيل في العراق اليوم، لاسيما في أوساط الشيعة، وتسعى قوات الحشد وقيادتها إلى اكتساب الهيبة والمكانة عبر ربط نفسها بهذه الرواية في عيون العراقيين.

من الناحية العملية، قوات الحشد مهمة لأنها تعزّز إلى حد ما قدرة الجيش على الحصول على السلاح والمال والمجنّدين. في ذي قار مثلاً، هناك أربعة معسكرات تدريب تشرف عليها شرطة المحافظة التي تدرّب، بحسب التقارير، ثلاثة آلاف مجنّد جديد من الحشد. في الوقت نفسه، وفي حين أن التأثير الإيراني على المستوى الوطني قد يمنح تفوّقاً للعناصر الموالية لإيران (وزارة الداخلية التي يخضع لها جهاز الشرطة يتولاّها محمد سالم الغبان المنتمي إلى منظمة بدر)، فإن العراقيين العاديين الذين يتطوّعون في قوات الحشد يفعلون ذلك تلبيةً لنداء وطني، وليسوا بالضرورة منقسمين في ولاءاتهم.

التحدّي الأساسي المطروح على العبادي الآن هو أن يحاول إيجاد طريقة لضبط قادة الميليشيات، الأمر الذي قد لايكون ممكناً إلا بعد تكبيدهم هزيمة نكراء في هجومٍ يكونون هم في طليعته. وفي المدى الطويل، بما أن العبادي يملك سلطة القرار في الأمور المادّية - يستطيع أن يقرّر ماهي الميليشيات التي سيحصل عناصرها على رواتب - فمن شأن ذلك أن يمنحه نفوذاً، على الرغم من أن الدعم الذي تقدّمه إيران للميليشيات الموالية لها يقوّض هذا النفوذ. إذاً المفارقة بالنسبة إلى الحكومة العراقية هي أنه مع اعتماد قواتها الشديد على الدعم من ميليشيات الحشد، قد تجد صعوبة في فرض سلطتها على البلاد من دون التعرض لانتكاسات عسكرية، وفي المقابل، من شأن تحقيق قوات الحشد نجاحات متواصلة أن يقوّض عملية تثبيت دعائم الدولة.

كيرك سويل محلل للمخاطر السياسية مقيم في عمان في الأردن وناشر الرسالة الإخبارية Inside Iraqi Politics  التي تصدر كل أسبوعين. يمكنكم متابعته عبر تويتر: uticensisarabic@

هذا المقال هو الثالث في سلسلة من المقالات تحت عنوان "الميليشيات الشيعية ومستقبل الدولة العراقية". لقراءة المقالَين الأول والثاني، اضغط هنا وهنا. تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.