حجبت التحديات الأمنية المتعاظمة في تونس - لاسيما بعد هجومَي السوسة وباردو - النقاشات حول الخلافات داخل حركة نداء تونس. بيد أن النزاعات المستمرة التي يشهدها الحزب الحاكم حول قيادته سوف تقوِّض على الأرجح قدرة الحكومة على معالجة التحدّيات الأمنية والاقتصادية الضاغطة. بعد عامَين على تأسيس حركة نداء تونس، فازت هذه الأخيرة في الانتخابات التشريعية والرئاسية على السواء، على الرغم من الجذور العقائدية المتنوعة، لابل المتباينة، لأعضائها المؤسّسين. لقد استمر تحالف نداء تونس - الذي يضم مزيجاً من النقابيين اليساريين والأوليغارشيين المحافظين - بفضل العداء المشترك الذي يكنّه أعضاؤه لحركة النهضة وحلفائها في الحكم بعد الثورة. بيد أن الصراعات الداخلية على السلطة تتسبّب بصورة متزايدة في إشعال فتيل الأزمة داخل الحزب.

ظهرت مؤشرات الخلاف الداخلي لأول مرة في كانون الأول/ديسمبر 2013 عندما كُلِّف حافظ قائد السبسي ومحمد الغرياني، الذي كان آخر من تولّى منصب أمين عام حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل الذي كان الحزب الحاكم في عهد بن علي، بإدارة المكاتب التابعة لحركة نداء تونس في البلدات والمناطق. فأثارت هذه التعيينات على الفور سلسلة من الاستقالات احتجاجاً على سيطرة رموز سابقين من التجمع الدستوري الديمقراطي، وسط اتهمات بأنهم يستخدمون "أموالاً فاسدة". وشهد الحزب جولة جديدة من الخلافات قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية في العام 2014 على خلفية مزاعم بأن حافظ الذي اختير لرئاسة قائمة تونس، كان يضغط باتجاه ضم مزيد من أنصار التجمع الدستوري الديمقراطي إلى التحالف.

بيد أن القرار الذي اتّخذه نداء تونس بالعمل يداً بيد مع خصمه السياسي الأساسي، حركة النهضة، زاد من حدّة الخلافات وولّد مزيداً من الصراعات على السلطة في صفوفه. وقد ظهرت مجموعة مصالح ثالثة بقيادة حافظ قائد السبسي بعدما وافق محافظون مخضرمون ينتمون إلى عهدَي بن علي وبورقيبة، على ضم حركة النهضة في الحكومة. وقد استقطبت هذه المجموعة حلفاء داخل الحزب - بينهم النواب خميس قسيلة، وعبد العزيز القطي، وخالد شوكت، الذين اعترضوا جميعهم بشدّة على موقف الحكومة الجديد. حتى إن النواب الثلاثة وصفوا السياسة التي تنتهجها حركة نداء تونس بعد الانتخابات بأنها "طعنة في ظهر التونسيين".

لقد تمكّن هذا الفصيل الذي يقوده حافظ من استغلال انعدام الثقة الواسع بالقيادة النقابية-اليسارية ليرفع مطالبه من أجل الاستحواذ على السلطة داخل الحزب. وقد عمل هذا الفريق، من خلال تسلّمه لإدارة المكاتب المحلية والمناطقية التابعة للحزب، على بناء روابط قوية مع القواعد الشعبية لحزب نداء تونس التي تعترض على تركيبة الحكومة. وفي التاسع من نيسان/أبريل الماضي، في خطوة فُسِّرت على نطاق واسع بأنها تنم عن استقواء وتسلّط، وجّه هذا الفصيل، خلال اجتماع عُقِد في مقر الحزب، دعوة غير رسمية إلى الآلاف من أنصاره للتوجّه إلى العاصمة والتظاهر ضد الزمرة الحاكمة. وفي محاولة منهم لحمل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي على النأي بنفسه عن النقابيين اليساريين والإصغاء إلى مطالب مجموعة حافظ، رفعوا شعار: "ايجانا يا باجي راو كلاونا". وقد اشتكى المحتجّون الذين ضموا في صفوفهم أعضاء من الفروع المحلية لحركة نداء تونس، من أنهم ضحّوا بكل شيء من أجل الحزب لكن الزمرة الحاكمة أبعدتهم من السلطة.

فيما يستمر الصراع الداخلي على السلطة بين المحافظين والنقابيين اليساريين ومجموعة حافظ، تتصاعد وتيرة الاتهامات. فقد اتُّهِم حافظ الذي يشغل موقعاً قيادياً أساسياً بصفته مسؤولاً عن "الإدارة المركزية للهياكل والتعبئة" في الحزب، باستخدام أنصاره لتعزيز موقعه على مشارف انعقاد المؤتمر الوطني لحركة نداء تونس والانتخابات الداخلية للحزب في وقت لاحق هذا العام. وقد اشتكت رجاء بن سلامة، العضو السابق في الحزب، من أن "السيد حافظ قايد السبسي، مع احترامي لوالده، أساء كثيراً إلى هذا الحزب... بإنشائه هياكل موازية داخله، وإقصائه للمناضلين الصادقين منه، وتحالفه مع أقطاب المال والإعلام الذين يريدون استخدام نفوذه وحظوته لتحقيق المزيد من السلطة والربح". وقد ردّ خميس قسيلة بكلام أشدّ تأجيجاً للمشاعر هاجم فيه المجلس الدستوري - الذي ينقسم أعضاؤه الاثنا عشر بين النقابيين اليساريين والمحافظين المخضرمين - وكبار الشخصيات في الفريق الرئاسي: لزهر العكرمي، ورضا بلحاج، ومحسن مرزوق.  فقد اتهمهم قسيلة في تصريح لقناة "نسمة" التلفزيونية، بالعمل لتنفيذ "انقلاب حقيقي داخل الحزب ضد حافظ قائد السبسي"، واستهجن ماسمّاه استخدام المجلس الدستوري "لإرهاب الفكر ضد خصومه في حركة نداء تونس".

ينطلق سلوك حافظ ومجموعته من الحاجة إلى انتزاع مزيد من النفوذ لأنفسهم ولمجموعات اللوبي التجارية الداعمة لهم، التي تسعى أيضاً إلى الحصول على مزيد من الامتيازات والنفوذ. ويحظى هذا الفصيل أيضاً بدعم قوي من وسائل الإعلام منذ رفض المعسكر النقابي اليساري ضم مدير عام قناة "نسمة"، نبيل القروي، إلى عضوية حركة نداء تونس على الرغم من الدور الذي لعبته القناة المذكورة في إيصال الحزب إلى السلطة. تميل قناة "نسمة" إلى استضافة أعضاء من مجموعة حافظ للحديث ضد الفصيل النقابي-اليساري والمحافظين المخضرمين، وتغطّي بانتظام أخبار استياء القواعد الشعبية الموالية لمجموعة حافظ.

في محاولة للتخفيف من الاحتقان، انتخبت حركة نداء تونس مكتباً سياسياً مؤلّفاً من الفصائل الثلاث المختلفة في 22 آذار/مارس الماضي، مع توزيع آلية صنع القرارات بين أعضاء الحزب وسحبها من أيدي المجلس الدستوري الذي سيطر على الحزب لأشهر عدّة قبل تعيين محسن مرزوق أميناً عاماً. لكن كما قال القيادي السابق في حركة نداء تونس، عبد العزيز المزوغي: "لم تعد الأطر الداخلية في حركة نداء تونس تعزّز الحوار الفعال بين القادة. ليس هناك تركيز على المسائل الأساسية... في الاجتماعات التي نعقدها، يتعذّر نقاش الأمور بعمق ودقّة أو اتخاذ أية قرارات. ولذلك تخرج القرارات ركيكة، من دون معرفة مصدرها".

على الرغم من تراجع حدّة الخلافات نوعاً ما خلال الأشهر القليلة الماضية، غالب الظن أنه ستظهر مزيد من الخلافات إلى العلن بحلول نهاية العام الجاري، الموعد المرتقَب لتنظيم حركة نداء تونس انتخاباتها الداخلية الأولى. بغض النظر عن نتائج هذه الانتخابات، تبدو قيادات نداء تونس عاجزة عن تعزيز الديمقراطية المؤسساتية في مواجهة الحسابات السياسية الضيّقة التي تحكمها العصبيات الفئوية، الأمر الذي من شأنه أن يُضعف الثقة بالالتزام التونسي بالمعايير الديمقراطية، ويقوِّض أكثر فأكثر قدرة الحكومة على رفع التحدّيات الأمنية والاقتصادية.

عمر بلحاج صلاح باحث تونسي مستقل مقيم في برلين.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.