العام الماضي، تسبّبت نجاحات عسكرية عدّة في جعل الميزان السياسي والعسكري يميل لمصلحة النظام السوري، ومنها استعادة السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي في ريف دمشق بين نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر، وعلى شمال حماه في تشرين الأول/أكتوبر، والعديد من المناطق الاستراتيجية على طول الحدود اللبنانية، بما في ذلك يبرود في آذار/مارس. وقد دفعت المكاسب التي حقّقها نظام الأسد ببعض صنّاع السياسات الأميركيين والأوروبيين للدعوة إلى إقامة شراكة مع دمشق - التي بدأوا يرون فيها الفريق الأقوى بين الفصائل المتناحرة. بيد أن المكاسب الأخيرة التي حققتها مجموعات الثوّار كشفت عن قصر نظر شديد لدى المدافعين عن إعادة تأهيل النظام. 

يعود جزء كبير من المكاسب المتلاحقة التي حقّقها الثوار في مدن استراتيجية منذ آذار/مارس 2015، إلى تحسين التنسيق بين السعودية وتركيا وقطر التي دعمت سابقاً فصائل المعارضة المتنافسة. لكن في حين تظهر لدى الجيش العربي السوري مؤشرات متزايدة عن تفكّكه، من السابق لأوانه توقُّع السقوط الوشيك لبشار الأسد. من المستبعد أن تدخل مجموعات الثوار المختلفة الأراضي الأساسية الخاضعة لسيطرة النظام، من دمشق إلى مدينة اللاذقية الساحلية عن طريق حمص، حيث يحافظ النظام على الدعم الشعبي والتفوّق العسكري. قد لايتمكّن النظام السوري من الدفاع وشنّ هجمات مضادّة في المناطق الواقعة خارج أراضيه الأساسية، لكن حزب الله والحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران ستخوض قتالاً ضارياً للحفاظ على تلك الخطوط الدفاعية.

في شمال البلاد، استولى جيش الفتح على إدلب، عاصمة المحافظة في الشمال الغربي في آذار/مارس الماضي، في ماشكّل خسارة كبيرة للجيش السوري والقوات شبه العسكرية في المدينة. وقد كان تراجع الجيش العربي السوري واضحاً جداً للعيان في وقت سابق، بعدما فشل في منتصف العام 2014 في استعادة السيطرة على ثاني أكبر مدينة، حلب، التي تشكّل ساحة معارك منذ العام 2012. على الرغم من التعزيزات الكبيرة التي أُرسِلت من حزب الله والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، استولى الثوّار في مطلع تموز/يوليو الماضي على مركز البحوث العلمية الذي يُعتبَر من أكبر ثكنات الجيش في المدينة. وفي الجنوب، سيطرت جبهة ثوار جنوب سوريا على قاعدة أساسية للجيش في بلدة الحراك تُعرَف بـ"اللواء 52"، وتُعتبَر من أكبر القواعد العسكرية في محافظة درعا الجنوبية.

أثارت الخسائر الاستراتيجية في جبهات كانت محصّنة جيداً في السابق، قلق إيران، حليفة النظام السوري، التي زادت في الأشهر الأخيرة الدعم المالي والعسكري لمساعدة النظام الضعيف. ويشمل هذا الدعم إرسال إيران شحنات من الأسلحة والنفط بصورة منتظمة، وتجدُّد حملة حزب الله للمساعدة على السيطرة على البلدات الحدودية. بيد أن انتشار حزب الله على العديد من الجبهات، بما في ذلك الحدود السورية-اللبنانية والمناطق المجاورة لمرتفعات الجولان، لم يؤدِّ في معظم الحالات إلى تحقيق أية مكاسب فعلية بالنسبة إلى الجيش العربي السوري والقوات شبه العسكرية التابعة له، والتي ينتشر عناصرها في مختلف أنحاء البلاد، مايعرِّضهم لإنهاك شديد.

حتى أواخر العام 2014، كان التهديد من الدولة الإسلامية يقتصر على المناطق النائية في سورية خارج المناطق الأساسية الخاضعة لسيطرة النظام. لكن في الأشهر الأخيرة، كثّف تنظيم داعش هجماته في حمص وحماه وحلب، ومؤخراً في دمشق، على الرغم من تواصل الهجمات الجوية الأميركية التي تعود بالفائدة على النظام بصورة غير مباشرة. وقد شكّلت السيطرة على مدينة تدمر القديمة خسارة استراتيحية أيضاً وضربة لمعنويات النظام. علاوةً على ذلك، خسر النظام منجمَي الشرقية وخنيفيس اللذين يُعتبران الأكبر في البلاد، بعد سيطرة الدولة الإسلامية عليهما. كان المنجمان بإدارة النظام السوري، وكانا يؤمّنان الجزء الأكبر مما تبقّى من الصادرات السورية. مع سقوط معظم الموارد الطبيعية في أيدي المعارضين، تقلّصت موارد النظام السوري، وتعوِّل الحكومة أكثر فأكثر على الداعمين الأجانب كي تتمكّن من الاستمرار.

لكن مازال بإمكان دمشق الاعتماد على المساعدات المالية من طهران - بما في ذلك قرض بقيمة مليار دولار حصلت عليه في أيار/مايو الماضي - وهذه المساعدات هي من المصادر القليلة المتبقّية للعملات الأجنبية بالنسبة إلى النظام. وقد بلغت قيمة القروض التي منحتها إيران للنظام السوري منذ العام 2013، 4.6 مليارات دولار أميركي جرى تخصيص الجزء الأكبر منها لشراء المنتجات النفطية من إيران. وكذلك أرسلت إيران أسلحة ومساعدات عسكرية منتظمة بقيمة مليارات الدولارات، وتشمل هذه المساعدات إنشاء ميليشيات مدعومة من إيران ومؤازرتها. سيستمر هذا الدعم المالي والتجهيزي، وغالب الظن أنه سيزيد بعد الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في 14 تموز/يوليو الماضي، والذي يُتوقَّع أن يؤدّي إلى الإفراج عن أكثر من مئة مليار دولار لصالح إيران جراء تخفيف العقوبات عليها خلال العام المقبل - بعد أن تتحقّق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن إيران التزمت بالإجراءات المنصوص عليها في الاتفاق حول برنامجها النووي.

في حين يتخبّط الجيش العربي السوري في مواجهة المشكلات المترتبة عن النقص في العديد البشري، يزدهر الأفرقاء غير الدولتيين في المناطق التي يغيب عنها هذا الجيش. فدروز السويداء الذين بلغوا سن التجنيد في الجيش، والعلويون في طرطوس واللاذقية يصبحون أكثر تحدّياً في رفضهم للانضمام إلى الجيش العربي السوري. وبدلاً من الالتحاق بالجيش الذي يعاني من التفكك والنقص في التمويل، يجري استقطابهم إلى ميليشيات غير محكمة التنظيم يموّلها رجال أعمال محليون وأشخاص إيرانيون مسؤولون عن التجنيد. تقطع هذه الميليشيات وعوداً بتسديد أجور أفضل، ولاتطلب من المجتمعات الموالية للنظام مزاولة الخدمة العسكرية خارج مناطقها. على سبيل المثال، لم يلقَ صعود "ألوية الدروع" دفاعاً عن اللاذقية وحمص، مقاومةً تُذكَر من النظام. 

يبدو أن الأسد يدرك حقيقة الأوضاع. ففي 26 تموز/يوليو الماضي، ألقى خطاباً لم يُعلَن عنه مسبقاً، أمام أعضاء حزب البعث، وقد أقرّ في الكلمة التي نقلها التلفزيون الرسمي، بأن الجيش العربي السوري غير قادر على الاحتفاظ بالسيطرة على بعض المناطق، وبأنه يواجه مشكلة الفرار والانشقاقات. وخلافاً لأسلوب التحدي الذي يُعرَف به عادةً، اعتبر الأسد أن السبب في الانتكاسات العسكرية الأخيرة يعود إلى النقص في العديد البشري، وتراجَع عن الوعد الذي قطعه على امتداد أربع سنوات بالحفاظ على سورية موحّدة تحت قيادته. على الرغم من أنه ربما يتخلّى الأسد وأخيراً عن السلطة على بعض المناطق السورية التي يعجز عن الحفاظ على، أو إعادة فرض سيطرته عليها، إلا أنه من المؤكّد أن الحرب ستستمر لبعض الوقت.

رشاد القطان محلل للشؤون السياسية والمخاطر الأمنية، وزميل في مركز الدراسات السورية في جامعة سانت أندروز.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.