في مطلع تموز/يوليو 2015، نشر الرئيس الإيراني حسن روحاني رسالة مفتوحة وجّهها إلى نائب الرئيس الأول اسحق جهانغيري، مبدياً فيها رغبته في إجراء "إصلاحات بنيوية" في الاقتصاد الإيراني. في حال نجاح هذه الإصلاحات، يكون روحاني قد وفى بتعهّداته الانتخابية، كما أنها ترسي الأسس اللازمة لتعزيز الاستثمارات الخارجية التي يأمل الرئيس الإيراني بأن تؤدّي دوراً محورياً في إنعاش الاقتصاد الإيراني بعد الاتفاق النووي.

سوف تتركّز هذه الإصلاحات في شكل عام على إصلاح القطاع المصرفي، وتعديل إطار العمل القانوني للاستثمار في البلاد، وتعزيز الانضباط المالي. إذا سيطر الإصلاحيون والوسطيون، كما هو متوقَّع، على البرلمان العتيد (الذي سيُنتخَب في مطلع العام 2016)، فسوف تحظى إدارة روحاني بمزيد من الدعم لدفع هذه المخططات الاقتصادية نحو الأمام. بيد أن الحرس الثوري الإسلامي لايرى في الاستثمارات الخارجية (لاسيما الغربية منها) تهديداً محتملاً لأمن البلاد القومي وحسب إنما أيضاً لسيطرة الحرس على القطاع الخاص الذي استعملوه لسنوات عدّة بهدف التلاعب بالمشهد الاقتصادي.

سجّلت الاستثمارات الخارجية المباشرة ارتفاعاً في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الفارسي الحالي، مع وصولها إلى ثلاثة مليارات دولار أمريكي. إلا أنه لايزال على الإدارة الإيرانية بذل جهود دؤوبة من أجل بلوغ هدفها الطموح في مجال استقطاب الاستثمارات الخارجية المباشرة. تتطلع طهران حالياً إلى استقطاب مئة إلى 185 مليار دولار من الاستثمارات الخارجية في قطاع النفط والغاز، بما يؤدّي إلى تخطّي مبلغ الـ157 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية الذي توقّع محمد باقر نوبخت، مستشار الرئيس الإيراني لشؤون الإشراف والتخطيط الاستراتيجي، أن تنجح إيران في تأمينه في إطار خطتها الإنمائية الخمسية للأعوام 2016-2021 - التي تتوقّع حدوث طفرة اقتصادية بعد توقيع الاتفاق النووي، وتُحدّد على هذا الأساس أهدافاً للاستثمار والتوظيف والتصدير وسواها من المؤشرات الاقتصادية.

من أجل بلوغ هذا الهدف، على النظام الإيراني تجاوز المصالح الاقتصادية المتجذّرة للحرس الثوري التي تعطّل تطوير بيئة استثمارية جاذبة. يتنامى تأثير الحرس الثوري في الاقتصاد الإيراني منذ انطلاق الجمهورية الإسلامية في عملية تحرير الاقتصاد منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين. فبعد الحرب مع العراق، كلّف الرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني الحرس بمساعدة الحكومة في إعادة إعمار البلاد، ماأتاح للحرس الثوري التمدّد نحو قطاعات النفط والسكن والزراعة والتعدين والنقل وسواها. استمرّت هذه النزعة، وفي عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، حصلت شركة "خاتم الأنبياء" للإعمار التابعة للحرس الثوري، على عدد غير مسبوق من العقود التي مُنِحت من دون مناقصات. بحسب التقديرات، فاز الحرس الثوري بعشرة آلاف مشروع بين العامَين 2006 و2013.

في العام 2006، عندما أصدر المرشد الأعلى علي خامنئي مرسوماً تنفيذياً قضى بخصخصة 80 في المئة من القطاع العام، سنحت الفرصة أمام الحرس والشركات التابعة له لتوسيع دورهم الاقتصادي إلى حد كبير. تشير بعض التقديرات إلى أن 13.5 في المئة فقط من الشركات المملوكة من الدولة الإيرانية التي تمت تصفيتها بين 2006 و2010، انضمت فعلياً إلى القطاع الخاص. أما باقي الأصول التي تبلغ قيمتها 70 مليار دولار، فقد ذهبت إلى منظمات شبه حكومية - على غرار الشركات المرتبطة بالحرس الثوري وشركة الاستثمار في الضمان الاجتماعي (شاستا) - أو إلى العديد من صناديق التعاقد و"العدالة" والصناديق الخيرية. بحلول العام 2009، كانت المصارف الخاصة تملك فقط نحو 34 في المئة من مجموع الودائع الطويلة الأمد في البلاد، و25 في المئة من الودائع القصيرة الأمد.

منذ تسلُّم الرئيس روحاني منصبه، تراجعت وتيرة الخصخصة مع سعي النظام إلى الحد من النفوذ المالي للمؤسسات شبه الحكومية. بحسب التقارير، هناك نحو اثنَي عشر مصرفاً ومؤسسة مالية كبيرة معروفة بارتباطها المباشر وغير المباشر بالحرس الثوري والقوات المسلحة. يُعتقَد أن المصارف التابعة للحرس الثوري، إلى جانب المؤسسات المالية الأخرى شبه الحكومية، تتحكّم بأسعار الفوائد وتشغّل حسابات مصرفية وهمية. مؤخراً، كشف البنك المركزي الإيراني ومصادر أخرى عن وجود نحو 30 إلى 38 مليون حساب، مما يوحي بأنها تُستخدَم في صفقات مشبوهة. تؤدّي عمليات النصب هذه، فضلاً عن قيام المصارف شبه الحكومية باستثمار مبالغ طائلة في قطاعات أخرى، إلى الحد من قدرة المصارف على تقديم قروض إلى صناعيي القطاع الخاص الذين يسعون إلى تطوير أعمالهم.

يكمن التحدي المطروح على روحاني الآن، في تعزيز التنافسية لدى جهات الإنتاج المحلية مع خفض نسبة البطالة في الوقت نفسه. إذا فتح روحاني السوق أمام التجارة والاستثمارات الدولية، قد لايتمكّن عدد كبير من الصناعات المحلية الصغيرة النطاق (لاسيما الصناعات التي توظّف عدداً كبيراً من اليد العاملة، وتحتاج إلى تكنولوجيا أفضل ومزيد من الرساميل لتحقيق التنافسية) من التنافس مع الجهات الأجنبية، ويمكن أن تتعرّض الأعمال المحلية الهشّة للإفلاس، مايتسبّب بزيادة البطالة.

لايريد الحرس الثوري تدفقاً واسعاً للاستثمارات الخارجية إلى البلاد. لكن في بعض القطاعات، مثل النفط والمواصلات والتعدين، بإمكان النخب في الحرس الثوري استخدام نفوذها لاستقطاب كمية محدودة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لاسيما بهدف دعم التطور التكنولوجي في الميادين المحددة التي تسيطر عليها هذه النخب. غالب الظن أن الحرس الثوري سيحدّ من الاستثمارات الشديدة التدقيق في التفاصيل، في القطاعات الأخرى مثل الاتصالات السلكية واللاسلكية والطيران، حيث يعتبر الحرس أن المنافسة الخارجية تشكّل خطراً أمنياً. وكذلك حذّر علي رضا كلاهي، رئيس نقابة الصناعات الكهربائية في إيران، من أن السماح للصينيين بالاستثمار في مشاريع إنتاج الكهرباء سيهدّد الجهات المحلية. في هذه الحالات، بإمكان الحرس الثوري والشركات التابعة له توليد تعقيدات بيروقراطية، واستخدام الفيتو الأمني، والتحكّم بالروابط في الأسواق للحد من دخول المستثمرين الأجانب.

على الرغم من أن الحرس الثوري يعارض في شكل عام الاستثمار الخارجي، إلا أنه سيتوصّل على الأرجح إلى اتفاق مع إدارة روحاني. قد تمنح الإدارة الحرس الثوري مزيداً من المشاريع في قطاعات فرعية حسّاسة في مقابل إبدائه مرونة متوقّعة في السماح للمستثمرين الأجانب بدخول قطاعات أخرى أقل هشاشة. بإمكان الحرس الثوري استخدام استراتيجية المساومة هذه من أجل إعادة موضعة مصالحه على ضوء إعادة الدمج المتوقّعة للبلاد في الاقتصاد العالمي من دون أن تتعرّض هذه المصالح للتقويض.

تواجه إدارة روحاني تحدّي إعطاء الشركات التابعة للحرس الثوري أدواراً في المخططات الاقتصادية الكبرى المقبلة مع إبقائها تحت السيطرة. بغية الحفاظ على سلامة القطاع المالي، على إدارة روحاني أن تسيطر على الأذرع الاقتصادية للحرس الثوري، إنما من دون إضعافها. فعلى الرغم من التدفّق المتوقع للاستثمارات بعد توقيع الاتفاق النووي، سيستمر الحرس الثوري في أداء دور مهم كجهة إنتاجية ومتعاقدة من البطن، وذلك لوقت طويل.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

تامر بدوي باحث وكاتب مستقل متخصص في الشؤون الإيرانية. يمكنكم متابعته عبر تويتر: TamerBadawi1@