في 14 تموز/يوليو الماضي، أحيت منظمة بدر مراسم تشييع العديد من قادتها في بغداد بعدما قضوا في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الأنبار، ومنهم أبو منتظر المحمداوي، قائد العمليات الوطنية في المنظمة؛ وأبو حبيب السكيني، آمر اللواء الرابع؛ وأبو سرحان الصبيحاوي، مسؤول عمليات اللواء الرابع. وكان موكب التشييع مماثلاً للمراسم التي تُقام للجنرالات في الجيش العراقي. وقد سارت إلى جانب زعيم المنظمة، هادي العامري، شخصيات بارزة في المؤسسة السياسية الشيعية في العراق، منها نائب الرئيس نوري المالكي، ونائب رئيس الوزراء بهاء العراجي (المسؤول الأعلى رتبة في التيار الصدري)، وعمار الحكيم، رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وأبو مهدي المهندس (رجل إيران المخضرم الذي يتولى الإشراف على الميليشيات المدعومة من إيران في المجهود الحربي)، وفالح الفياض، مستشار الأمن الوطني، وسواهم. خلال المراسم، رفع البدريون راية منظمتهم، وعليها تصميم بندقية بالأصفر والأخضر فوق صورة للعراق، مايذكّر براية حزب الله اللبناني، والعلم العراقي.

ليست منظمة بدر - التي تأسست في الثمانينيات في إيران التي تمنحها الدعم المستمر - التنظيم الأهم وحسب بين المجموعات التي تتشكّل منها قوات الحشد الشعبي، بل ترمز أيضاً إلى تبدُّد آمال العراقيين بقيام دولة عراقية تحكمها سيادة القانون، وظهور منظومة سياسية مذهبية بكل وضوح تشبه أكثر فأكثر الدولة الحامية. وقد كانت منظمة بدر الحزب السياسي الميليشياوي الأفضل جهوزية لاستغلال انهيار القوى الأمنية العراقية في شمال العراق في حزيران/يونيو الماضي. يشغل العامري، وهو القائد العسكري للمنظمة - الذي حاول الحصول على حقيبة الدفاع أو الداخلية، لكنه فشل في ذلك لأسباب منها المعارضة الأميركية لتعيينه - منصب وزير النقل منذ حكومة مالكي الثانية، وقد أصبح مؤخراً عضواً في البرلمان. وفي عهد الحكومة الجديدة برئاسة حيدر العبادي الذي اختير رئيساً للوزراء في أيول/سبتمبر الماضي، تمكّن العامري من الحصول على تعيين محمد سالم الغبان، أحد أعضاء منظمة بدر، وزيراً للداخلية. قبل مغادرة المالكي منصبه، عيّن العامري حاكماً عسكرياً على محافظة ديالى - وهو منصب غير رسمي يوصَف مجازاً بـ"المسؤول الأمني" - ولايزال في هذا المنصب حتى تاريخه.

اكتسب العامري الذي يقضي الآن إجازة من مجلس النواب، شهرةً في دوره القيادي الميليشياوي أوسع بكثير من تلك التي حقّقها من خلال حقيبته الوزارية. في تشرين الأول/أكتوبر 2014، غالباً ماكان العامري يوصَف بـ"قائد" الهجوم الذي شنّته الميليشيات لفرض السيطرة على منطقة جرف الصخر ذات الأكثرية السنية جنوب بغداد، وترسيخ السيطرة الشيعية حول العاصمة. بحلول شباط/فبراير 2015، كانت منظمة بدر قد سيطرت على محافظة ديالى التي تقيم أكثريتها السنّية العربية الضئيلة بين بغداد وإيران. وقد تعرّضت منظمة بدر وسواها من الميليشيات للانتقادات بأنها تخوض هجمات انتقامية وتحاول تطهير السنّة من هذه المناطق. لكن وزارة حقوق الإنسان - التي يتولاها أيضاً عضو في منظمة بدر هو محمد مهدي البياتي - أرسلت مسؤولاً رفيعاً لإلقاء كلمة في الاحتفال الذي أحيته المنظمة لمناسبة انتصارها في ديالي في 16 شباط/فبراير الماضي، والدفاع عن سلوك قوات الحشد بقيادة منظمة بدر.

استمر تفوّق العامري العسكري في آذار/مارس الماضي مع إطلاق عملية تحرير تكريت والمنطقة الشمالية في محافظة صلاح الدين. في البداية، أدّت إيران، عن طريق منظمة بدر، دوراً في الهجوم أكبر من ذاك الذي لعبه القادة العراقيون، وأحياناً ظهر قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، إلى جانب العامري نفسه في الصور التي تصدّرت التغطية الإعلامية. بيد أن الميليشيا اضطُرَّت إلى وقف هجومها والانسحاب من تكريت بغية إفساح المجال أمام الائتلاف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لشن هجمات جوية ضد الجهاديين المختبئين في الخنادق، ماسمح للقوى الأمنية النظامية - الجيش والشرطة الفدرالية - بأن تتولى قيادة تحرير المدينة. على الرغم من أن رئيس الوزراء العبادي عمد في البداية إلى كبح الميليشيات ومنعها من التدخل في الأنبار خوفاً من اندلاع نزاع مذهبي، إلا أنه عاد فسمح لها بالتدخل بعد انهيار القوى الأمنية التي كانت تدافع عن مدينة الرمادي، عاصمة المحافظة، في 17 أيار/مايو الماضي. وقد تولّى العامري على الفور دفة القيادة في موقع "القائد الميداني" لهجوم الأنبار الجديد، إنما ليقرر في مطلع حزيران/يونيو الماضي - من تلقاء نفسه على مايبدو - تحويل التركيز نحو الفلوجة التي تقع بين الرمادي وبغداد.

منظمة بدر هي أيضاً الحزب السياسي الميليشياوي الوحيد الذي يسيطر على محافظةٍ في العراق (ديالى)، مايعزّز دورها في البلاد. دخلت سيطرة منظمة بدر على المحافظة مرحلة جديدة بعدما انتُخِب مثنى التميمي، عضو منظمة بدر الذي كان رئيساً لمجلس إدارة المحافظة، محافظاً على ديالى في 26 أيار/مايو المضي، في خطوةٍ مثيرة للجدل لأن ديالى هي، أو على الأقل كانت ذات أكثرية عربية سنّية. إذا استعضنا عن الإحصاءات السكّانية بأرقام الانتخابات التي شهدتها المحافظة في العام 2009، والتي شاركت فيها كل المجموعات الديمغرافية بكثافة، يتبيّن لنا أن أكثر من نصف سكان ديالى كانوا من السنّة في مقابل الثلث تقريباً للشيعة، أما الباقون فمن الأكراد. وقد أسفرت انتخابات المحافظة في العام 2013 عن تشكيل مجلس من 29 مقعداً موزّعة على الشكل الآتي: 14 مقعداً للعرب السنّة، و12 للشيعة، وثلاثة للأكراد. وأتاح تحالف الأكراد مع الائتلاف السنّي الأساسي انتخاب محافظ من العرب السنّة في العام 2013، بيد أن الحرب دفعت بالاتحاد الوطني الكردستاني، الحزب الكردي المسيطر في شمال ديالى، إلى التقرّب أكثر من إيران. وقد جاء انتخاب التميمي نتيجة تجدّد التحالف الشيعي-الكردي.

وقد كشف المحافظ التميمي في مقابلة معه عبر قناة السومرية في 23 تموز/يوليو الماضي، عن جانب مهم في النظرة إلى سيطرة منظمة بدر العسكرية على المحافظة. بطبيعة الحال، أنكر التميمي الاتهامات بأن المنظمة خاضت عملية منهجية لتطهير السنّة أو قتلهم أو خطفهم، لكنه بدا فخوراً بأنه تلقّى التعليمات من العامري وبأن "ألوية بدر على وجه التحديد"، وليس الحشد فقط، حافظت على الأمن في ديالى. مُنِع عدد كبير من النازحين السنّة من العودة إلى ديالى، وقد تنجح الأحزاب الشيعية في الفوز بنحو نصف مقاعد المجلس في انتخابات المحافظة المقبلة في العام 2017 - وفي هذه الحال، من شأنها أن تتمكّن مع الأكراد من إقصاء العرب السنّة من دوائر السلطة في المحافظة بصورة دائمة.

بما أن دور الميليشيات الشيعية في الحرب الراهنة يمكن أن يؤثّر في توازن القوى الانتخابي في المستقبل، استقطب الهجوم الإرهابي الذي استهدف الشيعة في بلدة خان بني سعد في ديالى في 17 تموز/يوليو الماضي، الاهتمام على المستوى الوطني. أقحم الهجوم الذي أسفر عن مقتل أكثر من مئتَي شخص، منظمة بدر في موقف صعب: من المعلوم أن المنظمة مسؤولة عن أمن المحافظة، وإذا كانت عاجزة عن حماية السكّان الشيعة، فهذا يطرح علامات استفهام حول دورها. وقد سارع العامري إلى إصدار بيان بالصوت والصورة أعرب فيه عن استنكاره الشديد للهجوم، مشدّداً على وجوب "الثأر" عبر اعتقال المتورّطين وإعدامهم في موقع الهجوم. وانتهز العامري الفرصة أيضاً لانتقاد الحكومة، قائلاً بأن الحكومات الأجنبية أدانت الهجوم في حين أن الحكومة العراقية لم تفعل. وتزامن الهجوم أيضاً مع مزاعم سنّية عن التعرض للخطف على أيدي الميليشيات، الأمر الذي يورّط منظمة بدر، بصورة غير مباشرة على الأقل، نظراً إلى سيطرتها على المحافظة. وقد أطلّ المحافظ التميمي عبر قناة "الشرقية" السنّية التوجّه، للحديث عن المسألة ودحْض المزاعم، معلناً بنبرة جازمة: "لاخطف في المحافظة".

يشير تركيز العامري على انتقاد الحكومة العراقية - التي يشكّل جزءاً منها، لكن من الواضح أنه أشار في سياق كلامه إلى الجزء الذي يسيطر عليه العبادي - إلى أن مصداقية منظمة بدر على المحك. أبعد من تأثير هذا الأمر على الأهداف العسكرية الاستراتيجية المتمثّلة بالسيطرة على ديالى ومدينة سامراء جنوب محافظة صلاح الدين، سوف يُحدّد موقف الفصائل الشيعية توازن القوى في البلاد عند إجراء الانتخابات الوطنية من جديد في العام 2018. بسبب الحرب في الأنبار، برلمان 2014 أكثر مذهبية ويحتوي على عدد أكبر من الإسلاميين الشيعة بالمقارنة مع برلمان 2010. لقد فازت منظمة بدر بـ22 مقعداً (من أصل 328 مقعداً في المجموع، و183 مقعداً مخصصة للكتل الشيعية)، وصعد نجم العامري بصورة دراماتيكية منذ ذلك الوقت. على الرغم من أن الإخفاقات المستمرة للميليشيات مقرونةً بزيادة الفعالية لدى الأقسام الأخرى في الحكومة، قد تُحدث تغييراً في مسار الأمور، إلا أنه من شأن إجراء انتخابات الآن أن يؤدّي إلى صعود الأحزاب الميليشياوية، مع بروز هادي العامري صانعاً للملوك.

رداً على سؤال حول ماإذا كان بإمكان العامري أن يصبح رئيساً للوزراء، قال المحافظ التميمي الذي أغدق المديح على العامري طوال المقابلة مع قناة السومرية التي استمرت ساعة كاملة: "لامنصب أعلى من منصب شيخ المجاهدين"، بما في ذلك منصب رئيس الوزراء. إذاً قد يسير المستقبل العراقي على خطى النموذج اللبناني، حيث يترأس العامري الدولة الميليشياوية الشيعية غير النظامية، ويتولّى شخص مقرّب من منظمة بدر رئاسة الوزراء.

كيرك سويل محلل للمخاطر السياسية وناشر الرسالة الإخبارية Inside Iraqi Politics  التي تصدر كل أسبوعين. يمكنكم متابعته عبر تويتر: uticensisarabic@
هذا المقال هو الرابع في سلسلة من المقالات عن "الميليشيات الشيعية العراقية". المقالات السابقة هي:

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.