أكّد مسؤول رفيع في حركة حماس، في مقابلة مع قناة الجزيرة في 24 تموز/يوليو الماضي، الشائعات التي تحدّثت عن تعليق إيران مساعداتها العسكرية للتنظيم الفلسطيني. يؤثّر هذا القرار إلى حد كبير في الصراع المستمر على السلطة بين الجناحَين السياسي والعسكري في حركة حماس، نظراً إلى أن إيران كانت الراعية الأساسية للجناح العسكري. وقد ردّت حماس على القرار الإيراني بزيادة انفتاحها الدبلوماسي على السعودية، وعبر عقد قمةٍ بين زعيمها خالد مشعل ووزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في الدوحة. بيد أن تحوّل حماس نحو السعودية وضع حداً بصورة فجائية لهذا الانفراج في العلاقات. 

تعيد انعطافة حماس نحو السعودية إحياء شراكة تاريخية. فقد موّلت السعودية غالبية عمليات حماس بين العامَين 2000 و2004 (بحسب التقديرات الإسرائيلية، كان مجلس التعاون الخليجي يساهم بـ12 مليون دولار في موازنة حماس سنوياً مقارنةً بثلاثة ملايين دولار من إيران)، ولم تبدأ بتقليص دعمها لحركة حماس سوى في العام 2004 جراء الضغوط الأميركية. خطاب إيران العالي النبرة ضد إسرائيل جعل منها الراعي الأمثل لحركة حماس بعد العام 2004. بيد أن العلاقات بين إيران وحركة حماس تدهورت إلى حد كبير منذ العام 2011 على خلفية الدعم الإيراني لنظام الأسد في سورية. ولم تشهد العلاقات بين الجانبَين انفراجاً سوى في أواخر العام 2014 مع بحث حماس عن حليف إقليمي نافذ في مواجهة العداء المصري للحركة منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة. عبر استبعاد إيران لمصلحة التقرّب من السعودية الأكثر اعتدالاً في خطابها حيال إسرائيل، ربما يحاول الجناح السياسي في حركة حماس تقديم نفسه في صورة جديدة على الساحة الدولية.

ثمة عاملان يقفان وراء تعزيز حماس روابطها في السياسة الخارجية مع السعودية والفاعلين الإقليميين غير المنتمين إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثل روسيا، وذلك على حساب حلفائها التقليديين، إيران وسورية وقطر. فربما تحاول حماس زيادة مواردها المالية عبر توليد منافسة من نوعٍ ما بين السعودية وإيران، إذ إن البلدَين سيتنافسان للظهور في صورة النصير الأعظم للقضية الفلسطينية. بيد أن الانعطافة هي أيضاً جزء من الصراع الدائر بين الفصائل السياسية والعسكرية في حركة حماس حول ماإذا كان يجب الالتزام دبلوماسياً مع إسرائيل أم لا. لقد خلص بعض المحللين الإقليميين إلى أن شخصيات قيادية بارزة في الجناح السياسي لحركة حماس ترغب في التوصّل إلى وقف لإطلاق النار مع إسرائيل من أجل التخفيف من وطأة الحصار الإسرائيلي المستمر على غزة.

إن سيطرة الجناح العسكري على الجناح السياسي في عملية صنع القرارات في السياسة الخارجية تُعزى بصورة مباشرة إلى عدم شعبية قيادة حماس في غزة. لقد دفعت الظروف الاقتصادية الكارثية في غزة الناجمة عن الحصار وعدم استعداد مصر لدعم حماس، بالحركة إلى إعطاء الأولوية للتوصّل إلى اتفاق هدنة ذي مصداقية - والذي يشكّل عاملاً أساسياً من أجل بقائها السياسي في المدى الطويل. لكن هيمنة الجناح العسكري قوّضت إلى حد كبير صدقية العروض التي قدّمتها حماس إلى إسرائيل من أجل التوصّل إلى هدنة. كما أن إيران التي تتشارك مع الجناح العسكري لحركة حماس معارضة السلام مع إسرائيل، تبدي استعداداً لتزويد هذا الجناح بالإمكانات العسكرية التي يحتاج إليها للتمكّن من خوض مواجهة مع إسرائيل. لذلك ينبغي على مشعل تغيير هذه المعادلة من أجل ضمان حصول الجناح السياسي لحركة حماس على الحصّة الأكبر من المساعدات المالية، وإمساكه بعملية صنع القرارات.

يمكن أن يؤدّي الدعم السعودي لمشعل إلى جعل ميزان القوى في غزة يميل لصالح الجناح السياسي، حتى لو استأنفت إيران تمويل عمليات الجناح العسكري. من شأن الرعاية السعودية أن تمنح الجناح السياسي القدرة التنظيمية والموارد المالية التي يحتاج إليها لمنع أية أفعال استفزازية من جانب الجناح العسكري والتي من شأنها أن تُبقي على صورة متشدّدة للتنظيم. لقد سبق أن نجح الجناح السياسي في ردع المحاولات التي بذلتها كتائب القسّام في تموز/يوليو 2014 لوضع يدها على الرهائن الإسرائيليين وشنّ هجوم مفاجئ على إسرائيل. لقد فرض مشعل فيتو على هذه الخطة على اعتبار أنه من شأنها أن تتسبّب بانتقام إسرائيلي واسع النطاق وبتفاقم الأزمة الإنسانية في غزة. على الرغم من أن نصف مقاتلي حماس الذين دخلوا إسرائيل، ومجموعهم 45 مقاتلاً، لقوا مصرعهم، في حين تكبّد الباقون انسحاباً مذلاً، إلا أن قرار مشعل ساهم في تجنيب حماس نتيجة أسوأ. يمكن تكرار هذه المقاربة من جديد. إذا تمكّن مشعل من تعديل سياسات حماس من أجل انتفاء أية أسباب مشروعة يمكن أن تستخدمها إسرائيل لشنّ مزيد من الهجمات الجوية، وتوحيد نخب حماس السياسية حول التأكيد السلمي للحقوق السيادية الفلسطينية، سوف تتعزّز مكانته في غزة وعلى الساحة الدولية، بما يؤدّي أكثر فأكثر إلى عزل الجناح العسكري.

تدرك حماس أن انعطافتها نحو السعودية تُحرّكها الضرورة وليس الانسجام العقائدي. فالروابط الوثيقة التي تقيمها السعودية مع مصر برئاسة السيسي، والعلاقات الدبلوماسية التي تجمعها تاريخياً بحركة فتح، الخصم اللدود لحركة حماس، تتعارض مع مصالح حماس - لاسيما وأن الاعتقالات الواسعة النطاق لناشطي حماس في الضفة الغربية في تموز/يوليو الماضي زادت من حدّة العدوات بين التنظيمَين الفلسطينيين المتنافسين. نظراً إلى هذه التباينات، على الأرجح أن حماس تعتبر علاقتها مع السعودية مجرد علاقة قصيرة الأمد. لكنها تدرك أيضاً أنه من شأن فترة ولو وجيزة من العزلة شبه التامة للجناح العسكري أن تؤدّي إلى إضعافه بطريقة يتعذّر العودة عنها. فضلاً عن ذلك، تحسّنت العلاقات السعودية-الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة بسبب معارضة البلدَين للاتفاق النووي مع إيران، ومن شأن تودّد الجناح السياسي لحركة حماس إلى السعودية للحصول على دعمها أن يزيد من مصداقية الصورة المؤيّدة للسلام التي يحاول هذا الجناح ترويجها عن نفسه، وأن يساعده على التوصّل إلى اتفاق في المستقبل القريب. ومن شأن أي اتفاق يتم إبرامه لتخفيف الحصار الإسرائيلي على غزة أن يؤمّن بعض الانفراج الاقتصادي المنتظر منذ وقت طويل، والذي سيصب إلى حد كبير في مصلحة مشعل.

في غضون ذلك، تستمر إيران في التطلع إلى تأدية دور قيادي في إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، وقد أعلن روحاني أن بلاده ستدعم أي اتفاق سلام يوافق عليه الفلسطينيون. إذا نجح مشعل فعلياً في تجريد الجناح العسكري من مصداقيته مصوِّراً إياه بأنه السبب في تراجع غزة الاقتصادي، وذلك عبر إظهار كيف أن المقاربة العنيفة التي يعتمدها الجناح العسكري تساهم في تشديد إسرائيل حصارها على القطاع، قد ترى إيران في الجناح العسكري لحركة حماس عائقاً أمام القضية الفلسطينية الأوسع نطاقاً. وفي غياب حليف فلسطيني موثوق آخر - علاقة إيران مع فتح مضطربة، وقد توقّفت جهودها لتمويل الجهاد الإسلامي بصورة مفاجئة في آذار/مارس 2015 بسبب حياده في النزاع اليمني - قد تعيد إيران توجيه مواردها من جديد نحو الجناح السياسي لحركة حماس. على النقيض من السعودية، لاتحتاج إيران إلى إرساء توازن في علاقتها مع كل من حماس وفتح، وبعد رفع العقوبات، قد تُغريها مواردها المالية المتزايدة وتدفعها نحو التفوّق على السعوديين في دعم حماس مادّياً.

علاوةً على ذلك، فإن رأب العلاقات بين السعودية وقطر، فضلاً عن علاقة قطر المتوتّرة مع إيران، سيدفعان بقطر إلى النأي بنفسها عن الجناح العسكري الموالي لإيران وإعادة إحياء الروابط الودّية التي جمعتها تاريخياً بمشعل. سوف تحرص قطر على تبديد التكهّنات حول وجود خلاف بينها وبين حماس بعد انفتاحها الدبلوماسي على مصر ودحض الشائعات عن عزمها على طرد مشعل من الدوحة في كانون الثاني/يناير. ومن شأن المساعدات المالية القطرية لحركة حماس أن تؤدّي أيضاً إلى إضعاف النفوذ الذي اكتسبته السعودية مؤخراً في السياسة الخارجية لقطاع غزة. وهكذا من شأن اللعب على وتر الغرائز التنافسية لدى قطر والسعودية وإيران أن يتيح لمشعل الوصول إلى قدر غير مسبوق من الموارد المالية - مايسمح له بتعزيز قبضته على السلطة والصمود في وجه الأزمة الاقتصادية في غزة.

إن تحوُّل حماس نحو سياسة خارجية متعدّدة الاتجاهات بعيداً من اعتمادها السابق على إيران وقطر تجربةٌ جريئة تُحرّكها في شكل أساسي حاجة مشعل إلى تثبيت سلطته في الداخل. تشير الخلافات العقائدية العميقة مع السعودية، حليفة حماس الجديدة، إلى أن التحالف بينهما ليس قابلاً للاستدامة، إلا أنها تُظهر أيضاً أن هدف حماس في المدى الطويل هو إطلاق حرب مزايدات للفوز بولائها، والتي من شأنها أن تؤدّي حكماً إلى زيادة الموارد المالية للتنظيم.

سامويل راماني صحافي وطالب ماجستير في الدراسات الروسية والشرق أوروبية في كلية سانت أنطوني في جامعة أكسفورد، حيث يركّز على دراسة الأساليب الروسية في التعامل مع الثورات السياسية في الشرق الأوسط.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.