تجد حركة حماس نفسها عالقةً بين إعادة الإعمار المتعثّرة لقطاع غزة، والشقاق السياسي المستمر مع فتح، والأزمة المالية الخانقة، ولذلك تسعى إلى إيجاد حل للخروج من المحنة التي تتخبّط فيها منذ حرب 2014. تعمل الحركة جاهدةً لإنهاء عزلتها الدولية عبر إعادة إحياء علاقاتها الإقليمية، واستعادة المصادر السابقة للدعم المالي والسياسي واكتساب مصادر جديدة. لكن استراتيجية التحوّط الحذرة التي تعتمدها حماس لتصحيح الأضرار في علاقاتها الدولية لم تولّد سوى نتائج متفاوتة.

في مصر، اكتسبت حماس حليفاً بدعمها صعود الإخوان المسلمين، لكنها سرعان ماخسرته لاحقاً. لايمكن التقليل من شأن الأضرار الاقتصادية والسياسية الناجمة عن تدهور علاقاتها مع مصر: فحملات التضييق على اقتصاد الأنفاق في غزة، وإنشاء منطقة عازلة، والقيود الشديدة على الحدود تسبّبت مجتمعةً بتفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الرديئة جداً في القطاع. نظراً إلى مكانة مصر الإقليمية ودورها التاريخي وثقلها في الشؤون الفلسطينية الداخلية، اضطُرَّت حماس - على الرغم من اعتراضاتها الشديدة على سياسات الرئيس عبد الفتاح السيسي تجاه المجموعات الإسلامية في مصر - إلى تمضية العام الفائت في محاولة احتواء الأضرار اللاحقة بها. ولهذه الغاية، لم تكتفِ بتسليط الضوء مراراً وتكراراً على مصلحتها في رأب العلاقة مع مصر، إنما عمدت أيضاً إلى التشديد على مخاوفها الأمنية المشتركة مع مصر والتزامها بكبح التنظيمات السلفية الجهادية، بما فيها تلك التي تعلن ولاءها لتنظيم الدولة الإسلامية وتنشط في قطاع غزة. حتى الآن، لم تتحقّق سوى نتائج متواضعة، على غرار قيام مصر إلى حد ما بتليين خطابها المناهض لحماس في خطوةٍ يعود فيها الفضل أيضاً إلى الوساطة السعودية.

لكن ليست هناك مؤشّرات بأن السياسة المصرية ستشهد تغييراً كبيراً في هذا الإطار. فُتِح معبر رفح لثمانية عشر يوماً فقط بين كانون الثاني/يناير وتموز/يوليو 2015، وعلى الرغم من فتحه لمدة أربعة أيام في آب/أغسطس الماضي، إلا أن الخطوات الصغيرة التي اتّخذتها مصر لاترقى إلى مستوى مراجعة سياستها في عزل غزة. غياب الثقة متبادلٌ بين الطرفَين. فبعد شيوع نبأ اختطاف أربعة من عناصر الجناح المسلّح لحركة حماس بطريقة غامضة في سيناء في أواخر آب/أغسطس الماضي، في عملية يُشتبَه بأنها من تنفيذ مجموعة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، ردّت حماس بمزيج من الاستياء والتشكيك، منتقدةً مصر على عدم قيامها بمايلزم لتسوية أزمة الرهائن.

يرتدي تدهور العلاقات بين حماس ومصر أهمية متزايدة نظراً إلى التشنّجات التي تشوب العلاقة بين التنظيم الفلسطيني وإيران. مما لاشك فيه أن التمويل الإيراني لغزة تراجع في العامَين الماضيين، وعلى الرغم من الشائعات المتكرّرة عن زيارةٍ سيقوم بها رئيس المكتب السياسي في حركة حماس، خالد مشعل، إلى طهران، إلا أن هذه الزيارة لم تتم بعد. يكشف العمل على إعادة إحياء العلاقات مع إيران، المصالح المتناقضة التي تسعى حماس خلفها. فالحفاظ على روابط جيدة مع إيران يرتدي أهمية خاصة بالنسبة إلى الجناح المسلّح للحركة الذي يدرك أنه من غير السهل استبدال الدعم العسكري الذي تقدّمه له الجمهورية الإسلامية. بيد أن استراتيجية السياسة الخارجية الأوسع التي تعتمدها حماس في المنطقة - بما في ذلك تجديد انخراطها مع السعودية ومواقف المملكة من النزاع في كل من سورية واليمن - تجعل من المستحيل العودة إلى التحالف الاستراتيجي الوثيق الذي كان يربط حماس بطهران قبل العام 2011.

واقع الحال هو أن مصلحة حماس في الحفاظ على روابطها مع طهران تتعارض مع الجهود التي تبذلها الحركة من أجل ترميم علاقاتها مع السعودية التي ابتعدت عن حماس إبان نزاعها مع فتح في العام 2007. في العام 2015، أدّى التغيير في القيادة الداخلية في السعودية في ظل الملك سلمان والجهود التي تبذلها حماس للتواصل مع العالم الخارجي، إلى تقارب مطّرد إنما تدريجي بين الطرفَين. وتُوِّجت هذه العملية بالزيارة التي قام بها وفد رفيع المستوى برئاسة مشعل إلى الرياض في تموز/يوليو 2015. بيد أن القول بأن هذه الاجتماعات تعكس "تحوّلاً استراتيجياً" لدى حماس بعيداً من إيران، مبالَغ فيه إلى حد كبير. صحيح أن السعودية باتت الآن أقرب إلى حماس مما كانت عليه منذ العام 2007؛ لكن الرياض بذلت كل مابوسعها كي تنفي رسمياً أي تغيير في سياستها حيال غزة، مؤكّدةً أن زيارة حماس إلى السعودية لم تكن سياسية بل دينية الطابع. بيد أن السعودية أظهرت بكل تأكيد اهتماماً متزايداً بالتوسّط من أجل التوصّل إلى مستوى ما من التفاهم بين حماس ومصر؛ وقد يؤدّي تجدّد علاقاتها مع حماس إلى زيادة دعمها المادي للحركة في إطار جهودها الهادفة إلى تثبيت معسكرها الإقليمي.

من جهتها، تسعى حماس إلى حد كبير إلى تحسين علاقاتها مع السعودية مع الحفاظ في الوقت نفسه على محاوريها الإقليميين ومنهم إيران. وعبر اتّباع استراتيجية التحوّط نفسها في المنطقة، تحافظ حماس أيضاً على علاقاتها مع الدوحة وأنقرة، لكنها تدرك أن الدعم السياسي والمادّي من هذَين البلدين - على الرغم من أهمّيته - ليس بديلاً عن الدعم من إيران أو السعودية. لقد جرى إلى حد ما تضخيم الدعم السياسي التي تقدّمه قطر لحركة حماس؛ أما دعمها المالي لقطاع غزة فثابت ومتواصل، إلا أنه يبقى أقل بكثير من التعهّدات التي قطعتها. لكن على الرغم من هذه المحدوديات، لاتزال قطر قاعدة دبلوماسية مهمة للغاية ووسيطاً غير رسمي بالنسبة إلى حماس التي أغدقت مراراً وتكراراً الثناء على الدور القطري في الساحة الفلسطينية في شكل عام وغزة في شكل خاص. وكذلك، أظهرت حماس تقديراً كبيراً للدعم الدبلوماسي من تركيا، والجهود التي بذلتها هذه الأخيرة للتوسّط بين فتح وحماس، وسياسة الباب المفتوح التي تعتمدها نسبياً في استضافة أعضاء الحركة.

تأمل حماس باستخدام هذه العلاقات لإنهاء عزلتها الدولية وزيادة الدعم الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي لها إلى أقصى حد. تشكّل أنقرة والدوحة والرياض و(بدرجة أقل) القاهرة جزءاً من دبلوماسية حماس المكّوكية التي تندرج في إطار عملية متأنّية لإعادة إرساء التوازن في السياسة الخارجية للحركة، والتي حقّقت حتى الآن تحسّناً متواضعاً على الأقل في مكانة حماس الإقليمية. أما هؤلاء اللاعبون الإقليميون فيهتمّ كل منهم - على الرغم من الاختلاف في الأسباب والشعور بالإلحاحية - ليس فقط بمسألة المصالحة الداخلية الفلسطينية، إنما أيضاً بالانخراط في حوار طويل الأمد مع حماس حول التوصّل إلى وقف مطوّل لإطلاق النار مع إسرائيل. على الرغم من غياب الحوار المباشر أو إطار العمل المتّفق عليه بين جميع الأطراف، إلا أن كل الفاعلين الإقليميين الأساسيين تقريباً (بما في ذلك مبعوث اللجنة الرباعية سابقاً، طوني بلير، بصفته الشخصية)، يُبدون اهتماماً بطرح أطر عمل مختلفة يمكن أن تقود إلى هدوء يدوم لفترة أطول بين حماس وإسرائيل. هذا الاهتمام الدولي المتجدّد بالتوسّط من أجل التوصّل إلى تفاهم غير رسمي، وبإعادة إعمار غزة، هو تطوّر إيجابي في حد ذاته. لكن النجاح صعبٌ من دون استراتيجية إقليمية متماسكة، ولم تُجرِ مصر وإسرائيل سوى تغييرات طفيفة في سياساتهما تجاه حماس وغزة. في المقابل، من شأن الفشل في تحقيق اختراق في موضوع غزة أن يتسبّب بمزيد من الضغوط على حماس - لاسيما وأن الوضع يصبح أقل قابلية للاستدامة يوماً بعد يوم - مايزيد من احتمالات اندلاع جولة أخرى من النزاع.

في هذا السياق الذي يسوده الالتباس، من المنطقي بالتأكيد أن تمضي حماس قدماً في استراتيجيتها التحوّطية الاستباقية، وأن تتجنّب الوقوع في فخ الاستقطاب السياسي المتزايد في المنطقة واضطرارها إلى الاختيار بين طهران والرياض. كما أنه من شأن اختيار هذا الطرف أو ذاك أن يؤجّج الصراع الداخلي في صفوف حماس. على الرغم من أن إقامة علاقات مع الرياض والقاهرة والدوحة وأنقرة يعزّز صورة حماس السياسية والدبلوماسية، إلا أنه من غير المرجّح أن تدعم هذه الحكومات الجناح المسلّح للحركة. لذلك من شأن أي محاولة تقوم بها حماس لفك ارتباطها مع إيران في شكل كامل أن يقوّض أيضاً التوازن الداخلي الهش أصلاً بين القادة السياسيين والعسكريين. يعكس السعي إلى إرساء توازن بين العلاقات مع كل من طهران والرياض،  الجهود الأوسع نطاقاً التي تبذلها حماس من أجل تلبية مصالح قادتها السياسيين في غزة وجناحها العسكري على السواء. لكن في المستقبل، إذا استمر الانقسام والاستقطاب في السياسة الإقليمية، قد تجد حماس صعوبة أكبر في الحفاظ على هذا التوازن. بهذا المعنى، قد يكون اختيار حماس لشركائها الإقليميين اليوم مهماً بالنسبة إلى استراتيجيتها الإجمالية وتماسكها الداخلي في المدى الطويل، بما قد يؤدّي إلى تغيير التوازن بين أهدافها السياسية والعسكرية.

بينيديتا برتي زميلة أبحاث في معهد دراسات الأمن القومي، ومحاضِرة في جامعة تل أبيب، وزميلة في برنامج TED 2015، ومؤلّفة "التنظيمات السياسية المسلحة". تساهم بانتظام في صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.