دفعت سلسلة من التظاهرات الحاشدة - التي بدأت في تموز/يوليو في شكل حملة بيئية صغيرة احتجاجاً على أسلوب الحكومة في التعاطي مع ملف النفايات - بعشرات الآلاف إلى النزول إلى الشارع، وتجتاح هذه التحرّكات وسط العاصمة بيروت منذ 19 آب/أغسطس الماضي عندما أصبح "طلعت ريحتكم" حركة رسمية. لكن سرعان مابدأت الاحتجاجات تتوسّع في مطالبها  التي لم تعد تقتصر على مسألة النفايات. فقد راحت الهتافات واللافتات المبتكرة في معظمها، تنتقد وتسخر من كل شيء بدءاً من غياب البنى التحتية وصولاً إلى الفساد والمحسوبيات لدى الطبقة السياسية التي تقوم في غالبيتها على الوراثة العائلية، وقوانين تقاسم السلطة على أساس طائفي التي تحكم أجهزة السلطة الثلاثة.

في مواجهة هذه الانتفاضة الشعبية غير المسبوقة، كانت الحكومة واضحة بأنها لن تلبّي جميع المطالب التي يرفعها المتظاهرون، إلا أنها قامت بخطوتَين لافتتين استجابةً لهذه المطالب. أولاً، وافق مجلس الوزراء في التاسع من أيلول/سبتمبر الجاري على خطة لوضع حلٍّ يُفترَض بأنه مستدام لأزمة النفايات. لكن الخطة التي تقوم على إعادة افتتاح المطامر الحالية بصورة مؤقتة بانتظار إنشاء مطامر جديدة في أماكن أخرى في البلاد، اصطدمت بعراقيل عدّة. ثانياً، أطلقت الحكومة حواراً وطنياً يشارك فيه قادة 16 كتلة برلمانية فضلاً عن رئيس الوزراء بناءً على دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري. ويأتي في رأس جدول الأعمال المطروح على طاولة الحوار الفراغ الرئاسي المستمر منذ 16 شهراً، يليه الشلل في مجلسَي الوزراء والنواب اللذين يقاطعهما أفرقاء عدّة في الوقت الحالي.

رفض منظّمو الحراك الاحتجاجي الأساسي المعروف بـ"طلعت ريحتكم"، خطة النفايات المقترحة - مكرّرين اعتراضات سكّان المناطق حيث تتواجد المطامر أو تلك التي اختيرت لإنشاء مطامر فيها. وهم يطالبون بأن تتضمن أية خطة لمعالجة أزمة النفايات أربعة تعديلات تقنية، منها فرض إلزامية فرز النفايات عند المصدر. كما أنهم رفضوا مبادرة الحوار الوطني، وندّدوا بالمشاركين فيها واصفين إياهم بـ"الزعماء الإقطاعيين" و"زعماء المافيات"، وتظاهروا في الخارج خلال جلسات الحوار الثلاث التي عُقِدت حتى الآن. من الأمور التي يُعيبونها على الحوار محاولته التوصّل إلى إجماع حول انتخاب رئيس للجمهورية. ويعتبرون، على وجه التحديد، أن مجلس النواب الذي سينتخب الرئيس غير شرعي لأنه مدّد لنفسه حتى العام 2017 في خطوة مشكوك في دستوريتها. لذلك تطالب مجموعة "طلعت ريحتكم" بإجراء انتخابات نيابية قبل الانتخابات الرئاسية.

لكن يبدو أن الحكومة تعتقد أن خطة النفايات، فضلاً عن انتخاب جديد رئيس للبلاد، سوف يؤدّيان إلى انكفاء حركة "طلعت ريحتكم". وقد اعتبر نوّاب من الكتل الرئيسة المشارِكة في الحوار أنه من شأن وضع حد للفراغ الرئاسي - الذي يترتّب عنه أيضاً تشكيل حكومة جديدة وتعيينات أخرى - أن يُرضي أكثريةً صامتة من متظاهري "طلعت ريحتكم". يتعرّض فريقا 14 آذار/مارس و8 آذار/مارس للهجوم بالتساوي من الحراك، مايعلّل تلهّفهما غير المعهود للجلوس إلى طاولة الحوار التي وافق الفريقان على الانضمام إليها في وقت قصير. تشير التقارير إلى أن الداعمين الإقليميين النافذين لكل من الفريقَين، ولاسيما السعودية وإيران على التوالي، يُبدون مؤازرتهم لروح التعاون الظاهرية بين فريقَي 14 آذار/مارس و8 آذار/مارس. لايريد أيٌّ من هؤلاء الرعاة الإقليميين أن يغرق لبنان في الاضطرابات، لأن ذلك لن يكون ملائماً في الوقت الذي تدور فيه معارك جيواستراتيجية أكثر أهمية إلى حد كبير في سورية وأماكن أخرى.

قد ينجح رهان الحكومة. فحتى تاريخه، وعلى الرغم من عشرات الاحتجاجات التي نُظِّمت في غضون شهر تقريباً (ومنها إضراب عن الطعام لمدة 14 يوماً) للمطالبة باستقالة وزيرَي البيئة والداخلية، إلا أن أياً منهما لم يُقدّم استقالته. صحيح أن التظاهرات مستمرّة، لكنها لم تنجح في النمو والتوسّع منذ بلوغها الذروة لناحية أعداد المشاركين في 29 آب/أغسطس الماضي. يمكن أن يُعزى هذا، في جزءٍ منه، إلى المحدوديات الطبيعية التي تعترض أي حراك شعبي مستقل. فالحراك المجزّأ بطبيعته، والذي لايحظى بأي تمويل خارجي واضح، يواجه مجمل الطبقة الحاكمة التي تتمتع بثروات مالية ضخمة وتحالفات دولية نافذة - وكذلك، قوة نارية عسكرية وشبه عسكرية تلجأ إليها كملاذ أخير. وقد بلغ العنف ضد المتظاهرين أحجاماً أكبر وأوضح خلال الأسبوع الماضي، عندما ظهر مناصرو رئيس مجلس النواب نبيه بري - وهو نفسه زعيم ميليشيا سابق يجمعه الآن حلفٌ وثيق بحزب الله - في تظاهرتين منفصلتين واعتدوا على المتظاهرين متّهمين إياهم بالإساءة كلامياً إلى زعيمهم.

وقد تسبّب شبح العنف المتصاعد بشيء من التراجع في أعداد المشاركين في الاحتجاجات. يضاف إلى ذلك عامل الإجهاد والانقسامات الشديدة بين مجموعة "طلعت ريحتكم" والعديد من المجموعات المنبثقة عنها وكذلك في صفوف المتظاهرين، بما في ذلك أنصار الحزب الشيوعي اللبناني، ماأدّى إلى إحباط البعض وثنيه عن المشاركة. بيد أن الطبيعة قد تكون العثرة الأكبر أمام مجموعة "طلعت ريحتكم". ففي 21 أيلول/سبتمبر الجاري، تساقطت الأمطار الأولى لهذا الموسم وسط تحذيرات الخبراء البيئيين من خطر وقوع أزمة صحية كبيرة في حال جرفت الأمطار الغزيرة أكوام النفايات المتكدّسة في بيروت وجبل لبنان باتجاه المياه الجوفية. وهكذا في مواجهة خطر تلوّث المياه، من شبه المؤكّد أن الرأي العام سيفضّل خطة الحكومة غير المثالية لإدارة ملف النفايات بدلاً من عدم وجود أية خطة على الإطلاق.

مع ذلك، ثمة مايدعو للاعتقاد بأن الحركة الاحتجاجية في شكل عام لم تنتهِ بعد، لاسيما وأن الحوار الوطني مُني حتى الآن بإخفاق ذريع. فقد سادت الجلسة الأولى، بحسب التقارير، أجواءٌ من الصراخ والمشاجرة، ولم تسفر الجلستان الثانية والثالثة عن نتائج أفضل. لايتزحزح فريق 14 آذار/مارس ولافريق 8 آذار/مارس عن مواقفهما في مايختص بالرئاسة: فالفريق الأول يطالب بشخصية حيادية لاتنتمي إلى أي من المعسكرَين، في حين أن الفريق الثاني يطالب بانتخاب حليفه ميشال عون رئيساً للبلاد، مع مايثيره شخص عون من انقسامات. وهكذا فإن التجاذبات المستمرة وغير المجدية بين الأفرقاء حول هذه المسائل المعهودة قد تصب في مصلحة حراك "طلعت ريحتكم".

علاوةً على ذلك، وعلى الرغم من انخفاض أعداد المشاركين، يزداد تواتر الاحتجاجات وتنوّعها. تتشكّل مجموعات جديدة من النشطاء بصورة شبه يومية، وتتظاهر دعماً لقضايا متنوّعة مثل استعادة الأملاك العامة التي استحوذ عليها القطاع الخاص، ووقف تسديد رواتب النواب، واستعادة الطابع التاريخي لوسط بيروت الذي كان يعجّ بأبناء الطبقة العاملة، لكنه بات حكراً في الجزء الأكبر منه على الزبائن الأثرياء منذ إعادة إعماره بعد الحرب في مرحلة التسعينيات.

لايُعرَف بالضبط ماهي النتائج التي يمكن أن تُسفر عنها هذه الأزمة السياسية والاجتماعية في المستقبل القريب. غالب الظن أنه سيتم تطبيق نسخة ما من خطة النفايات التي وضعتها الحكومة، ويجري الحديث بين بعض النشطاء عن الانتقال إلى قضايا أخرى، مثل العجز المزمن في السلطة والبنى التحتية المائية. وقد تحصل الانتخابات الرئاسية والنيابية في وقت أقرب (وتستطيع حركة "طلعت ريحتكم"، نظرياً، تقديم مرشّحيها للانتخابات النيابية).

لكن في المدى الأطول، قد لاتكون الإنجازات الأهم ملموسة بالدرجة نفسها. غالبية المتظاهرين هم من الشباب الذين يعتبرون أن الانتفاضات المعاصرة في المنطقة تعبّر عن تطلعاتهم أكثر من نضالات انتفاضة الاستقلال في العام 2005 (ناهيك عن الطابع الطائفي للحرب الأهلية بين 1975 و1990). فاهتمامات هؤلاء الطلاب والمهنيين الشباب تتركّز أكثر على مكافحة الفساد، والحصول على وظائف ذات أجور عادلة، ومحاربة اللامساواة بين الرجل والمرأة (تتواجد النساء في الخطوط الأمامية للاحتجاجات منذ انطلاقتها)، وبناء مجتمع مزدهر يحتفظ بالخرّيجين الجامعيين بدلاً من دفعهم نحو بلدان تؤمّن فرصاً أفضل في الخارج. يوجّه الجيل الجديد رسالة إلى الطبقة السياسية مفادها أن الأسلوب القديم في الحكم وإدارة شؤون الناس لم يعد مُرضياً. ربما يتوقّف مستقبل السياسة اللبنانية في نهاية المطاف على درجة تفاعل قادة الأحزاب المتقدّمين في السن - وعدد كبير منهم كان من المقاتلين في الحرب الأهلية - مع هذه الرسالة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.