على الرغم من أن صورة النزاع اليمني تبدو أفضل من وجهة نظر سعودية بالمقارنة مع ماكانت عليه قبل بضعة أشهر، إلا أن البلاد لاتزال في مأزق. صحيح أن هناك كياناً جنوبياً بحكم الأمر الواقع، إذا صح التعبير، منذ توحيد اليمن في العام 1990، إلا أن الحرب التي تقودها السعودية في اليمن تسبّبت بمزيد من الانهيار في ماتبقّى من الدولة اليمنية، وأدّت، في الواقع، إلى ظهور عاصمتَين للبلاد. يتواجد الرئيس الاسمي عبد ربه منصور هادي — الذي يرأس حكومة في منفاه في السعودية — في عدن منذ عيد الأضحى في أواخر أيلول/سبتمبر الماضي. يبقى أن نرى إذا كان هادي يملك قدراً كافياً من الدعم السعودي والمسلّحين الأولياء للبقاء في الجنوب لفترة أطول.

تعتبر السعودية أن إيران مسؤولة عن كل التهديدات الأمنية التي تتعرّض لها، بما في ذلك الحوثيون في اليمن. فهي ترى أن إيران تجعل تنظيم الدولة الإسلامية أو القاعدة أكثر جذباً للسكّان المحليين عبر تقييدها للخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام المجموعات السنّية في اليمن وأماكن أخرى في المنطقة. يكمن جزء من المشكلة في تقويم السعودية للأمور. فهي تبالغ في تقدير الإمكانات الإيرانية، ولاتصدّق حتى ماتروّج له بنفسها عن قدرتها على التصدّي لهذه الإمكانات. كما أن المشكلة، في جزء منها، هي من صنع السعودية. ليست للمملكة مقاربة استراتيجية في إدارة الأمن القومي، فهي تفضّل التحالفات التكتيكية القصيرة المدى وتكتفي بالافتراضات المألوفة والمبالغ فيها وغير المستندة إلى أبحاث موثوقة حول ماتخطّط له إيران وحلفاؤها - ومايريدونه في نهاية المطاف. تشجّع هذه الدوافع التكتيكية على تبديل التحالفات، ماقد يثير استياء الأصدقاء ويتسبّب بمشكلات أكبر للمملكة في اليمن وأماكن أخرى.

أظهرت القيادة السعودية الحالية حسماً أكبر في التعامل مع المسألة اليمنية بالمقارنة مع مسائل أخرى مهمة في السياسة الخارجية، مثل الشأنَين السوري والعراقي. لكن ليس واضحاً بعد ماهو الهدف الأقصى من الحرب الجوية التي تقودها السعودية في المجال الجوي لجارتها الجنوبية. خلال الأشهر الستة التي انقضت منذ انطلاق الحملة العسكرية التي يشنّها التحالف بقيادة السعودية في آذار/مارس الماضي، حتى الأهداف الرسمية التي يعلنها المتحدّث باسم الجيش السعودي عبر وسائل الإعلام العالمية، تغيّرت. لايزال الهدف المعلَن الأساسي للسعودية دعم هادي في موقع الرئاسة وتثبيت سيطرته على كامل البلاد - لكن يبدو أن المملكة تسعى الآن إلى نشوء دولة فضفاضة، ولو كانت موحّدة نوعاً ما، تستوعب الحوثيين أو الانفصاليين في الجنوب الذين وقفت الرياض إلى جانبهم لفترة مؤقتة، إنما من دون أن تسترضيهم.

في غضون ذلك، تمكن تنظيم القاعدة من تعزيز نفوذه على الأرض في اليمن و ذلك بسبب الفراغ الذي تسبب به التدخل السعودي و التركيز على الرئيس هادي . بالإضافة إلى أن تنظيم القاعدة يتمتع بإمكانات مثبتة أكبر من إمكانات الحوثيين. وإذا أُرغِم الحوثيون على الانسحاب من صنعاء ومأرب الغنية بالنفط وتعز، والعودة إلى صعدة، بحسب المخطط الذي وضعته السعودية، سوف يتجسّد أيضاً التهديد الحدودي الذي زعمت السعودية أن الحوثيين يشكّلونه خلال التدخل السعودية في اليمن في 2009-2010. 

لايستطيع سلاح الجو السعودي حتى تحقيق هدفه الأساسي المتمثّل في إبقاء هادي في السلطة في عدن أو صنعاء. وإذا بقيت أعداد القوات البرية السعودية محدودة في اليمن - وهذا مرجّح نظراً إلى خبرتها المتواضعة في القتال وردود الفعل السياسية القوية في الداخل السعودي بسبب سقوط الضحايا - قد تتواصل هذه الحرب فصولاً من دون إلحاق الهزيمة بالحوثيين، مايجعلهم يشكّلون خطراً حقيقياً على أمن الحدود الجنوبية السعودية. حتى لو انضمّت قوات إماراتية وقطرية، وربما بعض القوات المصرية، إلى الأعداد المحدودة من القوات البرية السعودية، سيحافظون على تركيزهم على الدفاع عن هادي وحلفائه بدلاً من القضاء على الحوثيين كقوة عسكرية. يُعتقَد أن مصر أرسلت نحو 700 جندي بري إلى اليمن، بيد أن رغبتها في تقديم المزيد على الأرض يُكبّلها الفتور في العلاقات مع الرياض حول الإخوان المسلمين وسورية. فلا الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز آل سعود ولا صديقه المقرّب عبد الفتاح السيسي فكّرا فعلياً في مايمكن أن يترتّب عن التزامهما المتبادل بإنشاء قوة قتال إقليمية عربية مشتركة، لناحية عدد الجنود المصريين الذين يجب إرسالهم للقتال في اليمن، ولاحقاً تراجع كلاهما عن نشر عدد كبير من الجنود المصريين في اليمن أو أي مكان آخر في شبه الجزيرة العربية.

قبل الربيع العربي، كانت الرياض مقرّبة من حزب الإصلاح، الفرع اليمني للإخوان المسلمين. لكن في آذار/مارس 2014، أعلن الملك عبدالله أن الإخوان المسلمين هم العدو الأول للسعودية، أينما وُجِدوا، فبدا وكأنه يصوّرهم بأنهم يشكّلون تهديداً أكبر من إيران. وقد ساهم ذلك في تعزيز العلاقات السعودية مع الجيش المصري الذي كان قد انتزع مقاليد السلطة بالقوة من الإخوان. بيد أن تطبيق سياسة موحّدة في مواجهة الإخوان تسبّب بإضعاف الثقل السعودي في اليمن. وبعدما كانت أسرة الأحمر، التي كانت تتولى مناصب قيادية مهمة في حزب الإصلاح وعشيرة حاشد، تحصل على رعاية سخيّة من الرياض، لم تعد تتمتع بالحظوة لدى السعودية. بعد تسلّم الملك سلمان العرش، اتّبع نهجاً براغماتياً لابد منه تجاه الإخوان المسلمين في مختلف أنحاء المنطقة، مع العلم بأن هذا النهج لم يمارس تأثيراً جوهرياً سوى في اليمن، حيث الإخوان قوة مسلّحة وسياسية نافذة. وهكذا مع بدء الحملة العسكرية في اليمن بقيادة السعودية، استأنفت هذه الأخيرة دعمها لحزب الإصلاح وقيادة عشيرة حاشد.

تتكبّد السعودية تكاليف باهظة جراء حربها الجوية في اليمن وإرسالها المدرّعات إلى القوات الموالية لهادي. فعلى الرغم من أن السعودية قادرة عى الوصول بسهولة إلى الصكوك المالية وخطوط الائتمان الدولية، إلا أن الإيرادات النفطية تبقى منخفضة نسبياً في حين أن الشرائح الواسعة من الشباب لاتزال تتوقّع من الحكومة الحفاظ على مستويات عالية من الإنفاق. تشير التقارير إلى أن الإنفاق الرأسمالي بدأ ينفد، وأن موازنة كانون الثاني/يناير 2016 ستعكس في شكل أفضل هذه الوقائع المالية. ولعل المفاجئ هو المعلومات التي كشف عنها أحد المصادر والتي تُظهر أن الإنفاق على الموارد العسكرية الباهظة الثمن يتراجع أيضاً1. ثمة أمور أخرى تشغل بال محمد بن سلمان - وزير الدفاع، نائب ولي العهد، والنجل المفضّل لدى الملك المسؤول عن الحملات السعودية في اليمن - فهو يركّز جهوده على مسائل أكثر أهمية في نظره.

وجّه بعض أفراد النخبة السعودية انتقادات في الخفاء للاستراتيجية الحربية التي يعتمدها محمد بن سلمان (أو بالأحرى غياب هذه الاستراتيجية) في اليمن2. الجزء الأكبر من الاستراتيجية الأمنية يتولّى تنسيقه مجلس الشؤون السياسية والأمنية الجديد الذي أنشئ في كانون الثاني/يناير 2015 ويرأسه ابن عم محمد بن سلمان، ولي العهد محمد بن نايف، الذي يشغل أيضاً منصب وزير الداخلية. يعقد المجلس الذي يضم أيضاً متعب بن عبدالله، رئيس الحرس الوطني، اجتماعات بصورة منتظمة إلى حد ما لمناقشة الشؤون السياسية والأمنية. يتولّى محمد بن نايف ظاهرياً رئاسة هذا المجلس، مايجعله أشبه برئيس وزراء غير معلن (هذا اللقب كان يحمله الملك سابقاً). لكن وفي حين أنه يحتفظ  بنفوذ واسع في مجال الأمن الداخلي (ويحظى بالاحترام على الساحتَين الدولية والمحلية نظراً إلى دوره في هذا المجال)، لايتمتع على مايبدو بالسلطة لتوجيه السياسة الخارجية السعودية، لاسيما في الملف اليمني، على الرغم من وجوده في منصب ولي العهد. أما في الملف السوري، فيبدو أن محمد بن نايف يحتفظ بالسلطة التي شجّعته الولايات المتحدة على ممارستها في مايختص بتمويل مجموعات الثوار وتسليحها والنشاط الاستخباراتي المتعلق بها، إلا أن أحد حلفائه الأمنيين والاستخباراتيين الأساسيين أقيل مؤخراً من منصبه، وليس واضحاً إذا كان سيتمكّن حتى من الاحتفاظ بثقل تكتيكي في هذا الملف. إلا أنه من المؤكّد أنه غير قادر على تنسيق الاستراتيجية، سواءً في سورية أو العراق أو اليمن.

يُعتقَد على نطاق واسع في السعودية أن محمد بن نايف عارض القرار السعودي شنّ حرب جوية في اليمن. لكن من غير المرجّح أن يُكبّد ولي العهد نفسه عناء محاولة التأثير في الملك في مواجهة نجله المفضّل، لذلك غالب الظن أن محمد بن سلمان سيمضي قدماً في تطبيق سياساته القصيرة النظر في اليمن. وسوف تستمر الرياض على المنوال نفسه - في هذه الحرب الساخنة في اليمن كما في خوضها بصورة متزامنة العديد من النزاعات بالوكالة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. بالاستناد إلى مقابلة مع مصدر داخلي موثوق.
2. بالاستناد إلى مقابلات أجراها الكاتب.