تشهد العلاقات المصرية-السعودية تجدّداً واضحاً. فبعدما بدت هذه العلاقات ثابتةً لاتتزعزع إبان عزل محمد مرسي من الحكم بدعم من الجيش في العام 2013، ساد توتّر لافت في العلاقات بين البلدَين منذ بداية العام 2015. لكن أحكام الضرورة، وليس عامل الثقة أو السياسات المشتركة، هي على الأرجح المحفّز خلف تجدّد العلاقات.

في 30 تموز/يوليو الماضي، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية السعودي محمد بن سلمان توقيع "إعلان القاهرة" الذي يهدف إلى تعزيز التعاون بين البلدَين على ضوء المستجدّات الإقليمية. ويتعهّد الإعلان، من جملة بنود أخرى، بتطوير التعاون الاقتصادي وتشكيل قوّة عسكرية عربية مشتركة كانت مصر قد اقترحتها سابقاً خلال قمةٍ لجامعة الدول العربية في آذار/مارس الماضي. وشدّد السيسي في خطاب لاحق على أهمية العلاقات السعودية-المصرية، مشيراً إلى أن البلدَين هما "جناحا الأمن القومي العربي". وقد أظهر الإعلان والخطاب تجدُّد ثقة البلدَين بالعلاقات بينهما.

دعمت السعودية - إلى جانب دول خليجية أخرى - مصر منذ عزل محمد مرسي في تموز/يوليو 2013. لقد أرسلت الأنظمة الملكية الغنيّة بالنفط مساعدات بقيمة مليارات الدولارات إلى مصر - وصلت إلى 20 مليار دولار بحسب بعض التقديرات - وقطعت تعهّدات إضافية بعد وصول السيسي إلى سدّة الرئاسة. في المقابل، تتوقّع السعودية من مصر أن تشارك ميدانياً في المغامرات العسكرية التي تقودها المملكة، وأن تشكّل حصناً سنّياً في مواجهة النفوذ الإيراني. يبدو أن المعركة المستمرة ضد الإخوان المسلمين ليست أولوية بالنسبة إلى الرياض، مع انتشار شائعات بأن البلدَين كانا يتّجهان إلى وضع حد للخلاف بينهما خلال الصيف. تسعى مصر من جهتها إلى الحصول على تطمينات بأن السعودية ستواصل دعمها المالي والعقائدي لها في معركتها ضد الإرهاب. لقد بات واضحاً أن مصر ليست مستعدّة للخضوع لقيود شديدة تفرضها عليها السعودية كما أنها لاترتاح لتأدية دور القوة الميدانية التي تقدّم المؤازرة للسعودية.

لكن عندما تسلّم الملك سلمان بن عبد العزيز العرش في كانون الثاني/يناير الماضي، بدأ المصريون يشكّكون في مدى التزامه تجاههم، لاسيما وأن مصر لم تتسلّم قط المساعدات المالية التي تعهّدت دول الخليج بتقديمها إليها خلال مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في آذار/مارس 2015، وقدرها 12.5 مليار دولار. وكان عليها أن تعتمد بدلاً من ذلك على المصادر الداخلية لتمويل مشاريع السيسي الوطنية. وكذلك سرت شائعات بأن الملك سلمان يتبنّى موقفاً أكثر ليونة من الإخوان المسلمين. يبدو أن سبب التدهور في العلاقات كان تحوّل سلمان نحو التركيز على احتواء إيران.

لاتتشارك مصر السعودية همومها باحتواء إيران، فهمّها الأساسي في السياسة الخارجية والمحلية منذ العام 2013 هو مكافحة المجموعات الإسلامية واحتوائها، لأنها ترى فيها تهديداً وجودياً لنظام السيسي والبلاد ككل. فضلاً عن خوض مواجهة مع تمرّد إسلامي متنامٍ في شبه جزيرة سيناء في العامَين الماضيين، شنّت مصر أيضاً هجمات جوية انتقامية ضد معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا في شباط/فبراير الماضي. وقد سعى السيسي أيضاً إلى تنويع مصادر الدعم الدولي لبلاده، فعمل على تعزيز أواصر العلاقات مع روسيا في محاولة لإنعاش مكانة مصر وجعلها تستعيد دورها كقوة إقليمية، بغض النظر عن حصوله على الدعم السعودي. 

فقد بدأت مصر تلمّح إلى الشكوك التي تساورها بشأن السياسات السعودية في المنطقة، وكان ذلك واضحاً في تردّدها في تقديم دعم عسكري كامل للسعودية في اليمن، وكذلك في الهجمات الجوية التي شنّتها في آذار/مارس 2015 في ليبيا حيث تفضّل السعودية العمل على إيجاد حل سياسي. لقد أظهرت المملكة مرونة أكبر بكثير في التعاطي مع الإخوان في مصر والمنطقة ككل، ويتبدّل موقفها بحسب السياق والبلد المعني. وقد تجلّى هذا الموقف في مصر في شكل أساسي من خلال قطع المساعدات المادّية في صيف 2015. وفي تموز/يوليو الماضي، زار خالد مشعل، زعيم حركة حماس، الرياض، في خطوة حملت مؤشّرات عن إمكان حدوث تقارب بين الجانبَين في المستقبل القريب. لقد أثارت إمكانية تليين السعودية موقفها من الإخوان قلق السيسي لأنها قد تؤدّي إلى صعود الإخوان من جديد، الأمر الذي من شأنه أن يولّد تحدّياً محلياً خطيراً بالنسبة إلى النظام المصري.

في المسألة الإيرانية، ظلّ السيسي غير مبالٍ نوعاً ما - أو على الأقل لم يُظهر عدوانية شديدة - مفضِّلاً اعتماد مقاربة أكثر براغماتية. فضلاً عن ذلك، صرّح دبلوماسيون مصريون في نيسان/أبريل الماضي أن بلادهم ترحّب بالاتفاق النووي بين إيران والغرب، وأنها ستعتمد سياسات مفتوحة مع طهران بعد إبرام الاتفاق. فعلى سبيل المثال، أعلن وزير النفط المصري شريف اسماعيل في 29 تموز/يوليو الماضي أنه لامانع لدى بلاده من استيراد النفط الخام من إيران.

لاشك في أن عدم التقاء مصر مع السعودية في تحديد سلّم الأولويات في المنطقة أثار غضب هذه الأخيرة. على الرغم من أن تقارير غير مؤكّدة أشارت في التاسع من أيلول/سبتمبر الماضي إلى أن مصر نشرت نحو 800 جندي برّي في اليمن، إلا أن السعودية كانت تأمل بأن تؤمّن مصر الجزء الأكبر من القوات البرية في العملية. يأتي هذا بعدما اقترحت مصر تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة خلال القمة العربية التي انعقدت في شرم الشيخ بعيد انطلاق عملية "عاصفة الحزم" في آذار/مارس الماضي. في الظاهر، يبدو أن القوة المشتركة التي ستتمكّن في حال إنشائها من الانتشار بسرعة للدفاع عن سيادة الدول الأعضاء من التهديدات الخارجية، تدعم الهدف السعودي المتمثّل باحتواء إيران. لكن مصر كانت تأمل بأن يتيح لها دورها في تشكيل قوة مشتركة والمساهمة فيها تحت رعاية جامعة الدول العربية، بأن تظهر في صورة الجهة الحامية للمنطقة، وبأن يؤدّي إلى نقل علاقتها مع السعودية من مستوى التبعية المالية إلى مستوى المنفعة المتبادلة. لقد سعت مصر إلى استغلال تدهور الأوضاع في اليمن لجعل السعودية مرهونةً بالقوات المشتركة من أجل شنّ هجوم عسكري. بيد أن السعودية شنّت هجمات جوية قبل يومَين من انعقاد القمة العربية ولم تُعلم مصر سوى قبل ساعات قليلة من بدء الهجمات. وقد اعتبرت مصر أن هذا الأمر قلّل من حظوظها في تحقيق أية منافع محتملة، إذ إنه سينتهي بها الأمر شريكاً أصغر في حرب لاتؤيّدها بالكامل.

لم تبدِ السعودية في البداية اهتماماً بتشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة، على الرغم من الموافقة العامة الأولية من أعضاء جامعة الدول العربية. فربما لم تنظر السعودية بجدّية إلى الاقتراح، إذ كانت في ذلك الوقت على يقين من أنها ستحقّق انتصاراً سريعاً في اليمن. لقد فضّلت الرياض تشكيل تحالف مهمته التدخّل في اليمن - عبر شنّ هجمات جوية بدعم من البلدان الأخرى في مجلس التعاون الخليجي إنما من دون الحصول على تفويض من جامعة الدول العربية - وذلك تفادياً للاعتماد على شريك واحد.

بيد أن التطورات الأخيرة فرضت على السعودية إعادة النظر في علاقاتها مع مصر انطلاقاً من حاجتها إلى حليف إقليمي قوي. فمنذ قيام مجموعة خمسة زائد واحد وإيران بتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة في 14 تموز/يوليو الماضي، أصبحت الخيارات السعودية في المنطقة محدودة جداً. على الرغم من أن السعودية قبلت بالتطمينات الأميركية حول الاتفاق مع إيران، إلا أنها لاتزال تتخوّف من أن يتيح الاتفاق لإيران تحسين مكانتها الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز نفوذها الإقليمي. يتواصل النزاع في اليمن فصولاً منذ أشهر، من دون أن تلوح نهاية واضحة في الأفق، وهو ماتعتبر السعودية أنه يؤدّي إلى ترجيح كفّة الميزان الإقليمي لمصلحة إيران، مايجعلها أشدّ تلهّفاً لتحقيق انتصار في اليمن. لم يعد بإمكان الرياض تحمُّل الخلافات في وجهات النظر مع الحلفاء الإقليميين مثل مصر، على الرغم من أية تشنّجات سابقة في العلاقات، وذلك خوفاً من خسارة مزيد من نفوذها الإقليمي.

كلما تورّطت السعودية أكثر في اليمن، ازدادت حاجتها إلى مصر كدولة حليفة، على الصعيدَين العسكري والسياسي على السواء. وفي حين شعرت السعودية في آذار/مارس الماضي بثقة كافية بالنفس كي تسعى منفردةً إلى تحقيق أهدافها العسكرية، تحتاج الآن إلى الدعم المصري. وهذا التحوّل في الديناميكيات الإقليمية يصبّ في مصلحة النظام المصري. سوف يتمكّن السيسي من الحفاظ على درجة من الاستقلالية في الشؤون الخارجية من دون إغضاب الدولة التي تُعتبَر الداعم الأقوى له في المنطقة. فعلى سبيل المثال، سوف تتمكّن مصر في اليمن من ضمان أمن مضيق باب المندب الذي يساهم في ضبط حركة الملاحة عبر قناة السويس. وفي خطوة لافتة جداً، رحّب وزير الخارجية المصري مؤخراً بالتدخّل العسكري الروسي في سورية، في موقف يتعارض تماماً مع موقف نظيره السعودي. غالب الظن أن اندفاع السعودية من أجل الحفاظ على أكبر قدر ممكن من العلاقات الجيدة في المنطقة، سوف يجعلها أكثر تقبّلاً للسياسات المصرية المتباينة عن سياساتها، لاسيما تلك المتعلقة بالإسلاميين في المنطقة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

 *تصحيح :  ذكرت النسخة السابقة خاطئاً أن محمد بن سلمان وزير الخارجية السعودي، فهو وزير الدفاع.