شهدت مدينة حلب بعضاً من المعارك الأشد ضراوة في الحرب الأهلية الهمجية المشتعلة في سورية، والتي أسفرت عن مصرع أكثر من 320000 شخص. لقد أصبحت المدينة الأكبر في البلاد منقسمة بين قوات بشار الأسد في الأحياء الواقعة وسط المدينة وغربها والتي تُعتبَر أكثر ثراء بالمقارنة مع الأحياء الأخرى، من جهة، والثوّار السوريين، بما في ذلك الفصائل الإسلامية المختلفة مثل جبهة النصرة، في الأجزاء الشرقية، من جهة ثانية. على الرغم من الموقع الاستراتيجي الذي تحتلّه المدينة - تقع على بعد 50 كلم (30 ميلاً) فقط من الحدود التركية وتشكّل طريق الإمدادات الأساسي بالنسبة إلى الثوار في الشمال - ودورها كمركز تجاري، إلا أنها ذات أهمية بالغة في النزاع لأنه من شأن خسارة المدينة أن تسدّد ضربة قاضية لمزاعم نظام الأسد بأنه لايزال يمثّل جميع السوريين. ومن شأن ذلك أن يؤدّي إلى ترسيخ الخط الفاصل الذي ظهر بين المناطق الداخلية وتلك الخاضعة لسيطرة النظام حول دمشق والساحل المتوسّطي، حيث تتركّز الأقلية العلوية.

نظراً إلى أهمية مدينة حلب، يتعرّض سكّانها لعنف شديد، وعشوائي في بعض الأحيان، من طرفَي النزاع منذ منتصف تموز/يوليو 2012، بما في ذلك من خلال استخدام النظام للبراميل المتفجّرة الشهيرة التي تسبّبت بمقتل الآلاف. تشير تقديرات "مركز توثيق الانتهاكات"، وهو عبارة عن مجموعة رصد تتّخذ من سورية مقراً لها، إلى أن البراميل المتفجّرة تسّببت بمصرع 3124 مدنياً في محافظة حلب بين كانون الثاني/يناير 2014 وآذار/مارس 2015. وبحسب تقديرات "مبادرة ريتش"، وهي مجموعة تابعة للأمم المتحدة تركّز على الأعمال الإنسانية، بلغ عدد النازحين من القسم الشرقي للمدينة في كانون الثاني/يناير 2014، 550000 شخص - بسبب القصف العشوائي للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة من قبل قوات النظام وانعدام الخدمات الأساسية في المدينة، بما في ذلك الانقطاع المتكرّر للتيار الكهربائي. تشير بعض التقديرات إلى أنه لم يبقَ في القسم الشرقي من المدينة سوى 40000 شخص من أصل مليون نسمة كانت تقطنه سابقاً. 

إزاء هذا العنف، غادر عدد كبير من السكّان المدينة، لكن آخرين اختاروا حمل السلاح والانضمام إلى إحدى مجموعات المعارضة. وقد انضم ثلاثة مراهقين إلى الجيش السوري الحر في أواخر العام 2013، بعد نحو عام ونصف العام على انطلاق الأعمال الحربية في المدينة. وقد قرّر أحدهم الانضمام إلى القتال بعد فقدانه أفراداً من أسرته في الحرب ضد النظام، واضطُرَّت عائلتا المراهقَين الآخرين إلى مغادرة المدينة بسبب ظروف المعيشة المتردّية جداً، في حين اختار الشابّان البقاء ومتابعة القتال ضد النظام. وقد زعم المراهقون الثلاثة أنهم يعارضون النظام منذ ماقبل اندلاع الثورة، ولو بطريقة غير مباشرة، كما كان حال معظم السوريين. حكايتهم هذه شائعة في حلب، إذ يُجَرّ كثر، من دون سابق تصوّر وتصميم، إلى النزاع المشتعل في المدينة.

في غضون ذلك، ابتكر المدنيون الذين لم يغادروا حلب، أساليبهم الخاصة من أجل التأقلم مع العيش في منطقة النزاع. على سبيل المثال، يستخدم النظام القنّاصة - الذين تم اللجوء إليهم في البداية لقمع الاحتجاجات السلمية عند انطلاقة الثورة - بمثابة فرقة إعدام تستهدف عشوائياً الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة الثوّار. أورد مرصد حقوق الإنسان في سورية أن عدد الضحايا الذين سقطوا برصاص القنّاصة بلغ 5307 مدنيين حتى تشرين الأول/أكتوبر 2014. لقد ابتكر أبناء حلب نظاماً معقّداً من الإشارات لتحديد موقع القنّاصة المحتملين بواسطة حبال ملوّنة. وهكذا يتجنّب المدنيون تجاوز حبال معيّنة خشية تعرّضهم للاستهداف من القنّاصة. كما أنشأ سكّان المدينة متاريس مؤقّتة وكبيرة تؤمّن نوعاً من الملاجئ للمارة.

مع استمرار النزاع العسكري، ظهرت أشكال أخرى من المقاومة غير العنفية في المدينة. المثال الأبرز هو تشكيل "اتحاد الإعلاميين" الذي يهدف إلى تطوير مهارات الصحافيين المدنيين المستقلين في حلب، ونقل الأحداث والتطورات على الأرض إلى وكالات الأنباء الدولية، والصحيفة المحلية "حلب اليوم". ينظّم الاتحاد، على سبيل المثال، مقرّراً حول مونتاج الأفلام من أجل اكتساب المهارات الضرورية لتصوير مقاطع فيديو من ساحات المعارك وبيعها إلى وكالات الأنباء المختلفة. يشكّل هؤلاء الصحافيون المستقلون جزءاً لايتجزأ من حرب البروباغندا ضد النظام، ولذلك يتم استهدافهم عن سابق تصوّر وتصميم (بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لقي 384 صحافياً وناشطاً إعلامياً مصرعهم في سورية منذ بدء النزاع في أواخر العام 2014).

تعاني حلب أيضاً من انهيار نظام التعليم الرسمي، شأنها في ذلك شأن باقي البلاد. فقد تراجعت نسبة التمدرس في سورية إلى 50 في المئة في المعدّل، في حين أن جميع الأولاد السوريين تقريباً كانوا مسجّلين في المدارس الابتدائية قبل اندلاع الحرب. تشير تقديرات اليونيسف إلى أن 2.2 مليونَي سوري غير مسجّلين في المدارس، وأن 30 في المئة فقط من الأولاد السوريين الذين هربوا إلى لبنان، وعددهم 400000، يحصلون على التعليم المناسب. إزاء هذا الواقع، أنشأت المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار في حلب، شبكة من المدارس السرّية التي تستخدم الكتب المدرسية الحكومية والمناهج التي كانت معتمدة قبل الحرب، مع عدد قليل جداً من التنقيحات. كما أن هذه المدارس توظّف أحياناً شخصاً مسؤولاً عن الاعتناء بالأولاد المصابين بالتروما. بحسب أنس الذي يتولّى رعاية الأطفال في إحدى تلك المدارس، تشمل هذه الرعاية تشغيل عدد من الحدائق المخصصة للحيوانات الأليفة، حيث يُشجَّع الأولاد على اللعب مع الحيوانات الأليفة لإلهائهم عن النزاع.

لاتزال المعركة على حلب مستمرة، مع تعاقب النظام والمعارضة على السيطرة على الجبهة الأمامية. على النقيض من المناطق الأخرى، وباستثناء تنظيم الدولة الإسلامية، يبدو أن هناك علاقة ناجحة بين مجموعات المعارضة في حلب، لاسيما وأن التدخل الروسي والإيراني المتزايد سمح للنظام بشنّ هجوم واسع النطاق في محافظة حلب. يؤدّي ذلك إلى الحد من الاقتتال بين مجموعات الثوار المختلفة، ويتيح لها ترسيخ قواتها في مواجهة النظام والدولة الإسلامية، مايترك مجالاً أكبر أمام المبادرات المدنية. بيد أن الهجمات الجوية الروسية بدأت تتسبّب بإضعاف المعارضة التي تشكّل الهدف الأساسي لتلك الهجمات. يتيح ذلك لتنظيم الدولة الإسلامية استعادة الأراضي التي خسرها سابقاً لمصلحة مجموعات ثورية أخرى في مدينة حلب. فيما تتوالى الحرب فصولاً، يتواصل أيضاً تدمير مدينة حلب. فإلى جانب خسارة البنى التحتية - تعرّض نحو 40 في المئة من شرق حلب للأضرار أو الدمار - خسرت المدينة أيضاً البشر، لاسيما الشباب، الذين أُرغِموا على مغادرتها، هذا فضلاً عن معاناة الأشخاص العالقين في معركة من أجل البقاء، بين القنّاصة والبراميل المتفجّرة وتنظيم الدولة الإسلامية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.