خسر علي النمر، وهو ناشط شيعي شاب معارض للحكومة السعودية حُكِم عليه بالإعدام العام الماضي، دعاوى الاستئناف التي تقدّم بها أمام المحكمة الجزائية المختصة والمحكمة العليا في السعودية، ومن المتوقّع أن يُنفَّذ حكم الإعدام بحقه عندما يصادق العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز عليه، وهو أمر قد يقرّه في أي وقت. لاتسلّط هذه القضية الضوء فحسب على العوائق التي تعترض سلامة سير الإجراءات في المنظومة القانونية المستندة إلى الشريعة السنّية، إنما أيضاً على تداعيات الانقسامات المذهبية على شيعة السعودية الذين يشكّلون ما نسبته 15 في المئة من السكّان.

تعود القضية إلى العام 2012، عندما اعتُقِل علي النمر الذي كان يبلغ من العمر 17 عاماً آنذاك، مع بعض الشبان الشيعة الآخرين، ووُجِّهت إليهم تهمة المشاركة في احتجاجات وأعمال شغب وإطلاق هتافات ضد الدولة. بعد ذلك بوقت قصير، أوقِف عمّه، نمر النمر، الداعية الشيعي البارز، على خلفية خطبه النارية التي زعمت السلطات أنها تنطوي على "عصيان للحاكم"، وهي تهمة متّصلة بنظام مكافحة الإرهاب. وبعد اعتقال العم، أضاف المدّع العامّ تهمة الاعتداء على آليات الشرطة وإخفاء أشخاص مطلوبين للعدالة، إلى التهم المنسوبة إلى علي النمر. استندت التهم الموجّهة إلى علي، إلى استجوابات واعترافات - تقول عائلة النمر إنه تم انتزاعها تحت التعذيب - تمّت في غياب محاميه. وقد أدين علي وعمه وأربعة شبان شيعة آخرون في التهم المنسوبة إليهم وحُكِم عليهم بالإعدام، وهم ينتظرون حالياً تنفيذ الحكم.

اتُّهِم علي، في مرافعة الادّعاء، بالحرابة، وهو فعل خطير مذكور في القرآن يشير إلى نصب كمائن أو ارتكاب اعتداءات أو عمليات قتل على أيدي أشخاص مسلّحين خارجين عن القانون. وتشمل العقوبات المذكورة في القرآن الإعدام أو الصلب أو بتر الأطراف أو النفي. و قد تجادل علماء الإسلام على مر القرون حول الاعتبارات الدقيقة المطلوبة لتطبيق حكم الحرابة الشديد القسوة، وحول تحديد الأفعال التي تستدعي تنفيذ مثل هذه العقوبة، لكن هذا لم يكن حال الفقهاء السعوديين. فقد اعتبرت جهة الادّعاء ضد علي أن تهمة عصيان الحاكم المنسوبة إليه أشد خطورة من الأفعال التي تندرج عادةً في إطار الحرابة، واستشهدت بالمادة 12 من النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية التي تنص على الآتي: "تعزيز الوحدة الوطنية واجب وتمنع الدولة كل مايؤدي للفرقة والفتنة والانقسام". لكن نظراً إلى دفاع علي بأنه تم انتزاع الاعترافات منه تحت تأثير الإكراه، فقد قرّر ثلاثة قضاة تحويل حكم الحرابة إلى الإعدام وفق مبدأ "التعزير" الذي يترك للقضاة حرية اختيار طريقة الحكم، من منطلق أن الإعدام هو حكم بالموت بغض النظر عن الطريقة.

في حالة علي، فإن غياب التمثيل القانوني الملائم، وطريقة التوقيف التي تسبّبت له بإصابة خطيرة، وعجز الادعاء عن تقديم أدلّة دامغة أبعد من الاعترافات القسرية، تشكّل معطيات كافية لدحض القضية. علاوةً على ذلك، فإنه نادراً ما أدّى استخدام التبريرات الدينية ضد المعارضين، إلى تطبيق حكم الإعدام.

من هنا يُطرَح السؤال: هل انتماء علي إلى المذهب الشيعي هو السبب الذي أدى إلى اعتبار المنظومة القانونية السنّية أن حكم الإعدام ملائم؟ لم يواجه المعارضون السنّة التهم نفسها، مع العلم بأن بعض الجهاديين وُجِّهت إليهم مثل هذه التهم. وعلى الرغم من أن علي ليس جزءاً من ميليشيا مسلّحة تستهدف مَن ليس عضواً فيها، إلا أن مقارنة قضيته بالمعاملة القانونية والسياسية للجهاديين مفيد لفهم أبعاد المسألة. في العام 2004، أنشأ نائب وزير الداخلية (الذي يتولى الآن منصب وزير الداخلية وولي العهد) محمد بن نايف، برنامج المناصحة الذي اعتُبِر بمثابة "المنهج الناعم" لمكافحة الإرهاب. يهدف البرنامج إلى إعادة تعريف الجهاد ودمج المتطرفين من جديد في مجتمعهم المحلي من خلال المعونات المادية ومساعدتهم على إيجاد وظائف.

العام الماضي، توصّلت التحقيقات حول الهجمات التي شُنَّت على تجمّعات دينية شيعية في المنطقة الشرقية، إلى أن 44 من أصل 77 مشتبهاً به في الهجمات كانوا يشاركون سابقاً في برنامج المناصحة. وتبنّى سعودي في تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً آخر على مسجد اسماعيلي في نجران في 26 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، مع العلم بأن هذا السعودي أكمل قبل بضعة أشهر وبنجاح برنامج المناصحة. هذا ليس مفاجئاً؛ فالواعظون في البرنامج يعيدون تعريف الجهاد معتبرين أن الجهاد الشرعي الوحيد هو ذاك الذي يأمر به الملك، لكن معظم الجهاديين لا يقبلون بسهولة هذا التبسيط للمفهوم. يمتلئ الخطاب السنّي الشائع في السعودية بالكراهية ضد الشيعة وبنظريات المؤامرة. ويزيد من حدّة الأمر الاستغلال السياسي للانقسام السنّي-الشيعي من أجل ترويج النزاعات المسلّحة في البحرين وسورية واليمن. يظهر هذا الدعم للجهاد ضد الشيعة في بيان صادر عن علماء دين سعوديين في الثالث من تشرين الأول/أكتوبر الماضي على خلفية التدخل الروسي في النزاع السوري. فقد دعا العلماء المؤمنين الصادقين إلى القتال ضد الحكومة السورية "الصفوية" وحلفائها، واصفين النزاع في سورية بأنه إعادة للحملات الاستعمارية الصليبية، حيث يرصّ المهرطقون الشيعة صفوفهم مع الصليبيين الروس.

تسير السلطات السعودية على خطّ خطير. وفي حين أنه بإمكان الدولة السعودية إعدام بعض المحتجّين الشيعة وإبقاء المعارضين السنّة في السجون مدى الحياة، إلا أنه قد يكون من الصعب الإبقاء على هذه السياسة على المدى الطويل. إبان التفجير الانتحاري الذي استهدف مسجداً شيعياً في القديح في 22 أيار/مايو الماضي، واجه رجل شيعي بحذر وزير الداخلية السعودي قائلاً إن الدولة شريكة في الهجوم لأنها فشلت في تأمين إجراءات أمنية فعالة لحماية الشيعة. فرد وزير الدخلية بحزم بأن الدولة هي الكيان الوحيد المخوّل فرض الأمن، على الرغم من أنه ليس واضحاً كيف ستفعل ذلك. لاحقاً، أوقِف أعضاء فرقة أنشئت في أعقاب الهجوم لحراسة أحد الأحياء الشيعية، ووُضِعوا في السجن وجُلِدوا لأنهم سعوا إلى حراسة الأمن محليا.

لن تظلّ الهجمات الانتحارية التي يشنّها الإرهابيون ضد الأقليات والسياسة الخارجية الغير مدروسة التي تنتهجها السعودية هما التهديدَين الوحيدين اللذين يحدقان بأمن المملكة. ففيما يشاهد السعوديون من مختلف المذاهب والخلفيات أقاربهم يُقتادون إلى السجون أو يُقتَلون في حمى العنف الديني، يُتوقَّع أن تشهد البلاد مزيداً من العنف المحلي الصّنع. وسوف يكون من الصعب احتواؤه في ظل السياسات الراهنة - مع تراجع أسعار النفط- لن يكون ممكناً الاستمرار في المدى الطويل في شراء الصحافيين أو الواعظين لنشر الرواية الرسمية المفضّلة لدى المملكة، كما أن تلك السياسات لن تكون فعّالة في مواجهة الانتهاكات الواسعة النطاق.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.