قبل عام ونيف، بتاريخ 16 أيار/مايو2014، انطلقت العملية العسكرية في بنغازي بقيادة الجنرال خليفة حفتر والتي أطلق عليها عملية الكرامة ضد الميليشيات المتطرفة في المدينة، ومنذ ذلك الحين دخلت المدينة في صراع مسلح أكل بنيانها ودمر معظم مؤسساتها وأدى إلى نزوح أحياء كاملة داخل المدينة. وقد طالت هذه الأزمة في شكل خاص قطاع التعليم في بنغازي، حيث إن 60 مدرسة فقط من أصل 400 في المدينة لم تتضرر من الصراع المسلح، وتُعتبَر صالحة لاستقبال التلاميذ. 

قول حسن المغربي، مسؤول ملف التعليم في لجنة أزمة بنغازي التي كوّنتها الحكومة الليبية في شرق البلاد، إن الكثير من المدارس المتاحة للاستخدام تقع بالقرب من الخطوط الأمامية للاشتباكات، ويقدّر أن نحو 50 في المئة فقط من العدد الكلي للطلبة في بنغازي يتمكّنون من الذهاب إلى المدارس.. يضيف المغربي: "ولكن رغم ذلك قمنا بوضع خطط لاستكمال الامتحانات للطلبة على أقل تقدير، وقد نجحنا بالفعل في استكمال الامتحانات للعام الدراسي الفائت ابتداءً من الصف الابتدائي الأول وحتى الصف الثامن. وقد رأينا فرحة أولياء الأمور بعودة مظهر من مظاهر الدراسة حتى ولو كان استكمالاً للامتحانات فقط".

يخشى معظم أولياء الأمور إرسال أولادهم إلى المدارس التي لاتزال تفتح أبوابها، خشية إصابتهم في القذائف العشوائية التي تسقط من حين لآخر في المدينة. يقول المغربي:"دائماً مايسألني الأطفال وبعض أولياء الأمور عن خطورة الوضع وعن خوفهم من سقوط قذائف عشوائية على المدارس أثناء تواجد الطلبة بها، فأجيبهم بأن هذه القذائف عمياء وقد تصيبكم في منازلكم أيضاً وليس المدارس فقط". يقول محمد السعيطي، 10 أعوام، من حي بنينا الذي تعرض لدمار كبير: "أرغب في العودة إلى الدراسة، ولكن مدرستي دُمِّرت نتيجة الاشتباكات، والكثير من الصواريخ والقذائف تسقط علينا من حين لآخر". ويقول محمد البرغثي، 12 عاماً، من حي بنينا: "حاولنا أنا وأصدقائي أكثر من مرة تنظيف مدرستنا لكي نجعلها صالحة للتعليم ولكن القذائف العشوائية لاتنفك تسقط على منطقتنا. وقد توفّي ثلاثة من أصدقائي بسبب دوسهم على لغم أرضي كان مخفياً في فناء المدرسة".

في غضون ذلك، تحوّلت المدارس في الأحياء الأكثر أماناً، إلى مأوى للنازحين داخلياً الذين غادروا منازلهم في مناطق النزاع المجاورة. تحاول لجنة الأزمة في بنغازي جاهدة وضع حلول لمعالجة مشكلة استخدام النازحين للمدارس بمثابة مساكن مؤقتة لحين انتهاء الحرب في المدينة. يقول عصام الهمالي، مسؤول ملف الشؤون الاجتماعية في لجنة أزمة بنغازي:"لدينا أكثر من 13 ألف عائلة نازحة في بنغازي وقد تم وضعهم مؤقتاً في المدارس التي تقع في المناطق الآمنة نسبياً لأنه لاتوجد لدينا إمكانيات تسمح لنا بتسكينهم في مكان آخر". ويضيف: "نتيجة للأزمة المالية التي تمر بها الحكومة في الشرق الليبي، لايمكننا منح هذه الأسر مبالغ مالية تمكّنهم من استئجار مساكن لهم حالياً، وقد تفاقمت هذه الأزمة بسبب قلة الدعم الذي نحصل عليه من جميع الأطراف سواء المنظمات الدولية أو حتى المحلية".

على الرغم من أن معظم النازحين لديهم عمل، إلا أنهم عاجزون عن الحصول على مساكن بديلة، كما أنهم غير قادرين على العودة إلى ديارهم، وذلك بسبب العنف المستمر. تقول سالمة الطيرة، 56 عاماً، أم لأربعة أطفال، وهي تقيم حالياً معهم في إحدى المدارس، إنها خرجت هي وأسرتها منذ أكثر من عام من منطقة بوعطني جنوب بنغازي نتيجة الاشتباكات العنيفة الدائرة هناك. وتضيف أن الجيش الليبي قام بإجلاء عدد كبير من الأحياء السكنية ومنها الحي حيث تقيم، وأنه لايمكنها العودة إلى منزلها.  تقول إن الجيش يُثني حتى العائلات عن العودة إلى العديد من الأحياء السكنية، ومنها بوعطني، حيث تتواجد معسكرات للجيش الليبي. تضيف الطيرة: "قام عدد من المسؤولين بزيارتنا في المدرسة وقالوا إننا سنعود إلى منازلنا قبل شهر رمضان الفائت ولكن ذلك لم يحصل".

بعد انقضاء أكثر من عام على بدء النزاع المسلّح في المدينة، الطلبة عاجزون عن استئناف تحصيلهم العلمي، وبما أنه لايلوح أي حل سياسي في الأفق، ليست هناك مؤشرات تحدد متى سيتغيّر هذا الوضع. في الأسابيع القليلة الماضية، بدأ بعض السكان يقومون بمحاولات لاستنباط حلول لهذه الأزمة عبر حمل القنوات التلفزيونية العامة، مثل "الوطنية"، على بثّ دروس تعليمية. وتحوّل سكان آخرون نحو مواقع التواصل الاجتماعي؛ فعلى سبيل المثال، تستخدم "بنغازي سكايب سكول" موقع "سكايب" كي يتمكّن الطلاب والمعلمون من التواصل في مابينهم انطلاقاً من منازلهم، وتنشر دروساً مسجّلة بالصوت والصورة عبر موقع "يوتيوب".  لكنه مجرد إجراء مؤقت، كما أن نسبة كبيرة من الأولاد في بنغازي عاجزة عن الوصول بطريقة موثوقة إلى التيار الكهربائي أو الإنترنت، مايجعلها غير قادرة على الإفادة من هذه المبادرات.

اليافعون في بنغازي متأخرون في تحصيلهم العلمي بالمقارنة مع أترابهم في المدن الليبية الأخرى، وقد عمدت عائلات كثيرة نزحت من المدينة إلى تسجيل أولادها للدراسة في مدن أخرى. وهكذا يمكث معظم الأطفال في منازلهم يستمعون إلى أصوات القنابل التي تسقط في أحيائهم، أو يلعبون ألعاباً حربية مع أصدقائهم في الشوارع. إلى جانب التداعيات النفسية المترتبة عن أعمال العنف، وتردّي الخدمات العامة، غالب الظن أن انعدام الفرص التعليمية أمام الأطفال في بنغازي سوف يزيد النزاع سوءاً.