صوّت البرلمان العراقي في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري على إلغاء أي "تفويض" ممنوح لرئيس الوزراء حيدر العبادي لإجراء إصلاحات، ماوضع حداً لفترة امتدّت أحد عشر أسبوعاً وبدا خلالها أن رئيس الحكومة الضعيف يقود موجة شعبية. واقع الحال هو أن الحقبة القصيرة من "إصلاحات العبادي" - بدءاً من صدور بيانه الأول عن الإجراءات الإصلاحية في التاسع من آب/أغسطس الماضي - لم تُصوَّر على حقيقتها، سواءً لناحية ماكان يقوم به العبادي أو الأسباب التي تقف خلف معارضته. فالأمران مرتبطان بالصراع التقليدي على السلطة أكثر منه بمحاربة الفساد، والسبب في إخفاق العبادي في تطبيق الإصلاحات حتى الآن يعود إلى الهفوات التي ارتكبها بنفسه، وليس فقط إلى الجهود التي يبذلها خصومه الشيعة لإضعافه.

جميع "إصلاحات العبادي" - تلك التي يمكن اعتبارها محددة وقابلة للتطبيق - كانت عبارة إما عن إجراءات تقشّفية، مثل إلغاء المناصب الحكومية غير الضرورية، أو عن خطوات رمزية، مثل إلغاء مناصب نائب الرئيس الثلاثة، والتي كان نوري المالكي يشغل أحدها. الإجراءات التقشفية ضرورية بطبيعة الحال، نظراً إلى أن البلاد تواجه أزمة سيولة في خضم تدنّي أسعار النفط، لكنها غير قادرة على إحداث تحوّل في المنظومة السياسية. فالعبادي لم يطبّق، ولاحتى اقترح إجراءات تهدف إلى ردم الهوّة الشيعية-السنّية، أو خوض الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية بفعالية أكبر، أو محاربة الفساد - على الرغم من أن الإعلام الغربي يحاول ترويج العكس.

ساهمت ثلاثة عوامل في تهيئة الساحة للتصويت البرلماني في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، والذي كانت نتيجته عدم السماح للعبادي بتطبيق الإصلاحات إلا بالاتفاق مع الأفرقاء السياسيين الآخرين في مجلس النواب. العامل الأول هو أنه تجاوز فعلاً حدوده الدستورية. فالدستور ينص على أن يكون للرئيس نائب واحد على الأقل، كما أن قانون 2011 الذي يُحدّد إطار عمل قانونياً لتعيين نواب الرئيس وإقالتهم، لايمنح رئيس الوزراء دوراً في هذا المجال. كذلك، أصدر العبادي في 16 آب/أغسطس الماضي مرسوماً تنفيذياً ينص على دمج بعض الوزارات وإقالة بعض الوزراء، مع العلم بأنها صلاحية منوطة حصراً بمجلس النواب. في 11 آب/أغسطس الماضي، صوّت البرلمان على إقرار الإجراءات التي أعلن عنها العبادي في 9 آب/أغسطس، لكن بعضها - لاسيما إلغاء مناصب نواب الرئيس - كان مخالفاً للدستور، ولم يصادق البرلمان بعد ذلك على أي من الإجراءات التي أعلن عنها العبادي لاحقاً.

أحجم خصوم العبادي الشيعة عن دعم الإصلاحات التي اقترحها انطلاقاً من المخاوف بأنه يحاول وضع برنامج سياسي بديل قد يؤدّي إلى تهميش الأحزاب الميليشياوية، وليس بدافع المعارضة لأي مجهود إصلاحي جذري، كما لمّحت بعض وسائل الإعلام بطريقة غير دقيقة. ومن المؤكّد أن غياب الدعم لايرتبط بأية طريقة من الطرق بأي مجهود واسع النطاق لمحاربة الفساد. فقد قلّل العبادي نفسه من شأن التوقّعات بملاحقة شخصيات رفيعة المستوى قضائياً، مشدّداً على أن الهدف الأساسي من الإصلاح هو القضاء على "الهدر" وليس على "السرقة". الإجراء الوحيد الذي اتّخذه لمكافحة الفساد هو تشكيل لجنتَين، الأولى معنيّة بالشفافية ويترأسها العبادي نفسه (جرى الإعلان عنها في 9 آب/أغسطس، وانقطعت أخبارها منذ ذلك الوقت)، والثانية معنيّة بالنظر في استخدام الأحزاب السياسية للأملاك العامة. وقد أبقى حسن الياسري من حزب الدعوة الذي ينتمي إليه العبادي، على رأس هيئة النزاهة المكلّفة ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد. في الواقع، لاأحد من الأشخاص الذين طالتهم التحقيقات والملاحقات القضائية منذ آب/أغسطس الماضي هم من المقرّبين من الكتل الأساسية، سواءً الشيعية أم السنّية.

أبعد من الطموحات الشخصية، تتسبّب السياسة الأمنية والخارجية أيضاً بالتباعد بين العبادي وخصومه الشيعة. يركّز العبادي على إعادة بناء الجيش الوطني وتطوير روابط وثيقة مع البلدان الغربية في حين تركّز الفصائل المنضوية في الخط الإيراني على تعزيز قوة الشبكات الميليشياوية الشيعية وربط بغداد بمحور طهران-دمشق-موسكو. هذا ماسلّطت عليه الضوء رسالة مسرّبة موجّهة إلى العبادي من أبو مهدي المهندس الذي يتولّى منصب نائب رئيس ميليشيا الحشد، لكنه قائدها الفعلي في الواقع. استخدم المهندس لغة الوعظ مشيراً إلى أنه ردّد "مراراً وتكراراً" على مسامع رئيس الوزراء أن قوات الحشد تستحق الحصول على البنى التحتية والرواتب والمكانة التي يتمتع بها الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى. سُرِّبت الرسالة المؤرخة في 20 تشرين الأول/أكتوبر، إلى الصحافة العراقية على الفور، وشكّلت تحدّياً مباشراً للاتجاه الذي يسلكه العبادي في السياسة. كما أن هذا الانقسام في السياسة الخارجية انتقل إلى السجال حول إدارة الحكومة. فبعد تعيين عماد الخرسان، وهو أميركي عراقي معروف بروابطه الوثيقة مع الحكومة الأميركية، في منصب أمين عام مجلس الوزراء لفترة مؤقتة، أقدم العبادي على تثبيته في منصبه الشهر الفائت، ليحل مكان شخص كان قد عيّنه المالكي. صحيح أن منصب أمين عام مجلس الوزراء ليس رفيعاً على مستوى المناصب العامة، لكنه حيوي على المستوى البيروقراطي. وقد أعربت شخصيات تنتمي إلى جناح المالكي-بدر في ائتلاف دولة القانون، عن استيائها من هذا التعيين في تصريحات علنية وغير علنية أدلوا بها للصحافة العراقية.

العامل الثاني في انتكاسة العبادي يتمثّل في فشله في بناء تحالف سياسي، أو على الأقل تكوين إجماع عام، من أجل وضع برنامج إصلاحي. أعلن العبادي عن "حزمة الإصلاحات" الأولى في التاسع من آب/أغسطس الماضي، إبان احتجاجات واسعة في بغداد وفي جنوب البلاد ووسطها. تركّزت هذه التحركات في المناطق الشيعية في شكل أساسي، لكن خطابها لم يكن مذهبياً، وقد ركّزت على المسائل التي تعني المصلحة العامة، لاسيما الفساد وانعدام الخدمات العامة الأساسية مثل الكهرباء. كان الناشطون الأساسيون الذين شاركوا في الاحتجاجات علمانيين على المستوى العقائدي، وبحلول شهر آب/أغسطس الماضي، كانت مشاعر العداء للإسلاميين قد أصبحت أكثر وضوحاً في المقابلات التلفزيونية مع قادة الاحتجاجات. بدأت القناة التلفزيونية الرسمية تضع صورة العبادي وعبارة "إصلاحات العبادي" في خلفية الإطار في نشراتها الإخبارية، وبدأ بعض المتظاهرين يهتفون باسمه، ويطالبونه بمحاكمة المسؤولين الفاسدين من الحكومة السابقة، لكن لم يمضِ شهر على إعلان العبادي عن إصلاحاته الأولى حتى بدأ قادة الاحتجاجات بالتعبير عن خيبة أملهم منه.

لم تفشل الإجراءات التقشفية الضرورية التي أطلقها العبادي في الاستجابة لمطالب المحتجّين بمحاكمة المسؤولين وحسب، بل تسبّبت أيضاً بعزله سياسياً. وكذك طرح ظهور رواية سياسية إصلاحية جديدة في آب/أغسطس الماضي، والتي بدا في بداية الأمر أن العبادي يتّجه نحو تبنّيها - طرح إذاً تهديداً أساسياً بالنسبة إلى الفصائل والميليشيات السياسية المنضوية في الخط الإيراني. لقد انتقد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ورئيس منظمة بدر، هادي العامري، وزعيم عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، جدول الأعمال الإصلاحي الذي وضعه العبادي، معتبرين أنه يحوّل الأنظار عن الحرب ضد الإرهابيين السنّة، التي تشكّل الدعامة السياسية لهؤلاء الأفرقاء. علاوةً على ذلك، انهار الدعم للعبادي داخل مجلس النواب. فلم يلبث أن وصل رئيس الوزراء إلى مبنى البرلمان لإلقاء كلمة في العاشر من أيلول/سبتمبر الماضي حتى غادر على وجه السرعة بعد تحذيره، بحسب ماكشفته التقارير، من أن حلفاء المالكي ينوون نصب كمين له من خلال طرح أسئلة تهجّمية عليه. بصراحة، من المستبعد أن يفوز شخص في موقع العبادي، بغض النظر عن هويته، بدعم واسع في البرلمان، نظراً إلى تركيبة مجلس النواب الحالية، لكن هذه التطورات كانت عاملاً أساسياً أدّى إلى التصويت ضده في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر.

بيد أن العبادي يحظى بالدعم من المرجعية الشيعية العراقية التي يجسّدها آية الله علي السيستاني. فقد أعرب ممثّلو السيستاني الأساسيون في خطب الجمعة، خلال الفترة المنصرمة، عن دعمهم للاحتجاجات المطالِبة بالإصلاح، وناشدوا العبادي اتخاذ خطوات أشد حزماً لملاحقة الشخصيات السياسية الرفيعة المتورطة في الفساد. على الرغم من الدعم من المؤسسة الدينية الشيعية والشارع الشيعي، بدأ العبادي إصلاحاته من موقع ضعفٍ لأن انتخابه على حساب المالكي جاء على خلفية الانقسام داخل حزب الدعوة الذين ينتمي إليه العبادي، وداخل تحالف دولة القانون في شكل عام. نتيجةً لذلك، لايملك العبادي قاعدة ائتلافية، ولذلك لايمكنه أن يحكم سوى عن طريق الإجماع أو من خلال تعيين الأشخاص في المناصب التنفيذية من دون الحصول على موافقة البرلمان.

العامل الثالث، والذي يقع تماماً ضمن سيطرة العبادي، تمثّل في إخفاق برنامجه الإصلاحي لتسوية الرواتب في القطاع العام. فقد أقرّ مجلس الوزراء مشروع قانون في 13 تشرين الأول/أكتوبر الماضي ينص على زيادة رواتب ذوي الأجور المنخفضة وخفض رواتب ذوي الدرجات العالية، وأعلن المتحدث باسم العبادي أن سلم الرتب والرواتب الجديد سيدخل حيّز التنفيذ على الفور. لكن الحكومة لم تصدر إرشادات واضحة حول حجم خفض الرواتب. وقد تحدّثت معلومات عن أن مهنيي الطبقة الوسطى يواجهون خفوضات مباشرة تصل إلى خمسين في المئة. حتى لو كان هذا الرقم مبالغاً فيه، اندلعت احتجاجات ضد العبادي شاركت فيها الطبقة المهنية في القطاع العام التي تشكّل شريحة واسعة من العراقيين. بعد أسبوعَين من الاحتجاجات العامة، تراجع العبادي عن قراره، وأشار إلى أنه سيتم تعديل الإصلاحات وتأجيلها، لكن الضرر كان قد وقع - فقد تجذّرت لغة جديدة للاحتجاجات ضد "إصلاحات العبادي"، ماشكّل غطاء للأطراف الأخرى كي تتحرّك ضد رئيس الوزراء.

لايعني هذا أنه ستتم تنحية العبادي من منصبه، لكنه فوّت فرصة وضع برنامج عام للإصلاح. يقف الأفرقاء العرب الشيعة والسنّة الذين ينتقدونه على طرفَي نقيض في الطيف السياسي، مايجعل من المستحيل تشكيل ائتلاف أكثري في مواجهته. لكن بانتظار أن يتمكّن العبادي من الترشّح في الانتخابات على رأس ائتلاف - وتحقيق الفوز - سوف يُضطر إلى الاعتماد على ائتلافات ظرفية غير مستقرة إذا أراد تطبيق أية خطوات على الأرض.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.